<?xml version="1.0" encoding="UTF-8"?><rss version="2.0"
	xmlns:content="http://purl.org/rss/1.0/modules/content/"
	xmlns:wfw="http://wellformedweb.org/CommentAPI/"
	xmlns:dc="http://purl.org/dc/elements/1.1/"
	xmlns:atom="http://www.w3.org/2005/Atom"
	xmlns:sy="http://purl.org/rss/1.0/modules/syndication/"
	xmlns:slash="http://purl.org/rss/1.0/modules/slash/"
	>

<channel>
	<title>ثقافة &#8211; Untold</title>
	<atom:link href="https://untoldmag.org/ar/category/%D8%AB%D9%82%D8%A7%D9%81%D8%A9/feed/" rel="self" type="application/rss+xml" />
	<link>https://untoldmag.org/ar/</link>
	<description>Magazine</description>
	<lastBuildDate>Wed, 03 Jun 2026 21:31:33 +0000</lastBuildDate>
	<language>ar</language>
	<sy:updatePeriod>
	hourly	</sy:updatePeriod>
	<sy:updateFrequency>
	1	</sy:updateFrequency>
	

<image>
	<url>https://untoldmag.org/wp-content/uploads/2023/08/Logo-1-75x75.png</url>
	<title>ثقافة &#8211; Untold</title>
	<link>https://untoldmag.org/ar/</link>
	<width>32</width>
	<height>32</height>
</image> 
	<item>
		<title>ذكريات الدي جاي بين بيروت وجنوب لبنان: الكاسيت وما تبقّى من أصواته</title>
		<link>https://untoldmag.org/ar/%d8%b0%d9%83%d8%b1%d9%8a%d8%a7%d8%aa-%d8%a7%d9%84%d8%af%d9%8a-%d8%ac%d8%a7%d9%8a-%d8%a8%d9%8a%d9%86-%d8%a8%d9%8a%d8%b1%d9%88%d8%aa-%d9%88%d8%ac%d9%86%d9%88%d8%a8-%d9%84%d8%a8%d9%86%d8%a7%d9%86-%d8%a7/</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[ديانا عباني]]></dc:creator>
		<pubDate>Wed, 03 Jun 2026 21:31:33 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[ثقافة]]></category>
		<category><![CDATA[حكاية]]></category>
		<category><![CDATA[مجتمع]]></category>
		<category><![CDATA[Featured 1]]></category>
		<category><![CDATA[فن]]></category>
		<category><![CDATA[لبنان]]></category>
		<category><![CDATA[موسيقى]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://untoldmag.org/?p=81205</guid>

					<description><![CDATA[<p>في زمن تُمحى فيه أماكن وتُهدَّد فيه ذاكرة جبل عامل، تأتي هذه الحكايات تمسّكاً بما تبقّى: ثلاثة دي جايز، أشرطة كاسيت، وسهرات بين بيروت والجنوب ومشهد ليلي يُراد له أن يندثر.</p>
<p>The post <a rel="nofollow" href="https://untoldmag.org/ar/%d8%b0%d9%83%d8%b1%d9%8a%d8%a7%d8%aa-%d8%a7%d9%84%d8%af%d9%8a-%d8%ac%d8%a7%d9%8a-%d8%a8%d9%8a%d9%86-%d8%a8%d9%8a%d8%b1%d9%88%d8%aa-%d9%88%d8%ac%d9%86%d9%88%d8%a8-%d9%84%d8%a8%d9%86%d8%a7%d9%86-%d8%a7/">ذكريات الدي جاي بين بيروت وجنوب لبنان: الكاسيت وما تبقّى من أصواته</a> appeared first on <a rel="nofollow" href="https://untoldmag.org/ar/">Untold</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p><span style="font-weight: 400;">في باحة فيلا تعجّ بالناس والأصوات والألوان، كانت حفلة تجاوزت السهرة العادية، بتجهيزات غير مألوفة في ذلك الوقت، ومكبّرات صوت معلّقة على الجدران، وضوء ستروب أبيض يخترق عتمة الليل، وأضواء ملوّنة تدور في المكان. للمرّة الأولى كانت تُنصب الإضاءة بهذا الشكل، ومعها نظام صوتي جعل الأرض تهتز تحت أقدام الراقصين. حضر المئات، كثيرون جاءوا من بيروت خصيصاً. هي تفاصيل بسيطة حوّلت الفيلا الخاصة إلى مساحة عامة مؤقّتة، وساحة رقص مفتوحة للجميع لليلة واحدة.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">يستعيد الدي جاي علي تلك الليلة، في قرية السلطانية، إحدى قرى جبل عامل في جنوب لبنان، حين جلس على الدرج يراقب المشهد. الناس يرقصون كباراً وصغاراً، كان ذلك في أوائل التسعينيات. ليلة ستعود لاحقاً في روايات الدي جايز محمد ويوسف أيضاً، كإشارة على تغيّر شيء ما في شكل السهر. فبعد أن كانت الحفلات ترتبط غالباً بمناسبات محددة كالأعراس وحفلات الخطوبة، ظهرت سهرات شبابية كان الهدف منها الاجتماع والرقص فقط، ما جذب حضوراً من القرية وخارجها. كان الكاسيت في قلب هذا التحوّل، إذ أتاح تنظيم الموسيقى مسبقاً وبناء إيقاع الحفلة عبر اختيار الأغاني وترتيبها. ومعه برز دور الدي جاي في تشغيل الموسيقى وضبط تسلسلها بحسب الجمهور والسياق.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">كنت قد عرفت علي ومحمد ويوسف قبل أن يصبحوا رواة لهذه الذاكرة؛ إذ كانوا جزءاً من طفولتي في قريتي التي كنت أزورها دائماً في الصيف والأعياد. وفي الصيف الماضي، عدت إلى حكاياتهم لأفهم تجربتهم عن قرب، وما رافقها من ممارسات جديدة في العمل بالموسيقى، وتنقلهم بين بيروت وضاحيتها الجنوبية وقرى جبل عامل، وصولاً إلى تشكّل ذوق موسيقي جديد في هذه الدوائر.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">اليوم، وأنا أكتب هذا النص في ظل الحرب الإسرائيلية الإبادية على المنطقة، أعود إلى هذه الحكايات من زاوية مختلفة. في زمن تُمحى فيه أماكن وتُهدَّد فيه ذاكرة جبل عامل وامتداد أبنائها في بيروت، يصبح استحضار تلك اللحظات محاولةً للتمسك بالأصوات والقصص التي ملأت هذه الأمكنة يوماً، وتتبع ما تبقى منها في الذاكرة والشهادات وبقايا الأشرطة، كجزء من تاريخ وذاكرة ناس يُراد لهم أن يندثروا.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">تنطلق هذه الحكايات من مسار جغرافي واجتماعي محدد، عاش فيه علي ومحمد ويوسف. فقد نشأوا في حي اللجّا في بيروت، المعروف في بداياته باسم </span><a href="https://www.almodon.com/culture/2026/02/06/%D8%AD%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D9%84%D8%AC%D8%A7-%D8%B4%D8%A7%D8%B1%D9%84-%D8%AF%D9%8A%D8%BA%D9%88%D9%84-%D9%85%D8%B1-%D9%85%D9%86-%D9%87%D9%86%D8%A7?utm_campaign=nabdapp.com&amp;utm_medium=referral&amp;utm_source=nabdapp.com&amp;ocid=Nabd_App" target="_blank" rel="noopener"><span style="font-weight: 400;">&#8220;حي اللجوء&#8221;</span></a><span style="font-weight: 400;">، والذي سكنه القادمون من الأرياف منذ الخمسينيات والستينيات، خصوصاً من جبل عامل والبقاع. وعرف هذا الحي حركة مستمرة بين المدينة والجنوب، عبر الزيارات والعمل، فت</span><span style="font-weight: 400;">بلور</span><span style="font-weight: 400;">ت تجربتهم في هذه البيئة الشيعية المحلية، المرتبطة بهجرة داخلية وسياق اجتماعي واقتصادي هش، تتقاطع في الوقت نفسه مع مساحات أوسع.</span><b> </b></p>
<p><span style="font-weight: 400;">هي حكايات لا تمثّل المشهد الترفيهي الكامل في بيروت، لكنها تفتح باباً على عالم الكاسيت والراديو والديسكوتيك والحفلات المنزلية من هذه الزاوية، حيث نشأت علاقات وأذواق وأشكال من الاجتماع امتدّت بين هوامش المدينة وقرى الجنوب، ويصعب توثيقها في الأرشيفات الرسمية. من خلالها أتتّبع كيف أصبحت الأشرطة المسجّلة أكثر من مجرد وسيط تقني، إذ أعادت تشكيل الحفلة وجوّها، وكان الدي جاي أحد الفاعلين الأساسيين فيها، بين المحلي والعالمي.</span></p>
<h2><b>عالم صنعته الأشرطة</b></h2>
<p><span style="font-weight: 400;">كانت بدايات علي ومحمّد ويوسف في هذا المجال، ضمن موجة امتدّت من بيروت إلى مناطق مختلفة في لبنان، بدأت زمن الحرب الأهلية ثم استمرّت بعدها. في تلك المرحلة، أصبح الكاسيت جزءاً من الحياة اليومية، يُستخدم في الاستماع والحفلات، كما في تسجيل رسائل صوتية تُرسل إلى الأقارب في الخارج أو إلى مناطق بعيدة. فكان يجمع بين الأغاني وصوت العائلة والأصحاب، كأنه يحمل أوجهاً مختلفة من البيت والجمعات والعلاقات في شريط صغير.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">من هذا العالم خرجت التجارب الأولى للدي جاي. يقول لي علي: </span></p>
<blockquote><p><i><span style="font-weight: 400;">&#8220;رجّعتيني للـ84. كنت ولد صغير وبحب الحفلات. صحابي قالولي رايحين على حفلة بالحمرا. طلعنا على شقّة مستأجرة. هناك تعرّفت على الدي جاي حسين حسن. كان يشتغل على تورنتيبل تكنيكس ودكّات كاسيت أيوا. ما رحت أرقص. بقيت أتفرّج عليه، أحفظ حركة إيديه. صرت روح لعنده عالبيت. هو يسجّل كاسيتات وأنا أتعلّم. شوي شوي صرت ساعده. بعد كم شهر خلّاني أعمل ميكس. كانت أيام حرب، عملنا حفلات بالويست هول بالأيوبي، بالأعراس، وبالبيوت&#8221;.</span></i></p></blockquote>
<p><span style="font-weight: 400;">كان حسين حسن من أوائل الأسماء البارزة في بيروت آنذاك، يملك معدات وأشرطة محدثة تصل إليه قبل غيره، في ديسكوتيك &#8220;مارينا ميوزك&#8221; في حي برج أبي حيدر الشعبي. اكتسب كثير من شباب هذه الأحياء الشعبية، الخبرة عنده، عبر المراقبة والمشاركة. يقول علي: &#8220;بالمنطقة الغربية من بيروت ما كان في غير شي خمسة أو ستة دي جايز ولكل منطقة الدي جايز تبعها. وبعد فترة صار عندي ديسكوتيك صغير تحت البيت بحي اللجا، ديسكو ميوزيك ديميل (2000)&#8221;. ورغم المنافسة، </span><span style="font-weight: 400;">تكوّن</span><span style="font-weight: 400;">ت بينهم شبكة علاقات مبنية على تبادل الأشرطة والمعرفة والخبرات.</span></p>
<p><img fetchpriority="high" decoding="async" class="aligncenter size-full wp-image-81212" src="http://untoldmag.org/wp-content/uploads/2026/06/Warda-cassette.jpeg" alt="" width="1600" height="1200" srcset="https://untoldmag.org/wp-content/uploads/2026/06/Warda-cassette.jpeg 1600w, https://untoldmag.org/wp-content/uploads/2026/06/Warda-cassette-300x225.jpeg 300w, https://untoldmag.org/wp-content/uploads/2026/06/Warda-cassette-1024x768.jpeg 1024w, https://untoldmag.org/wp-content/uploads/2026/06/Warda-cassette-768x576.jpeg 768w, https://untoldmag.org/wp-content/uploads/2026/06/Warda-cassette-1536x1152.jpeg 1536w, https://untoldmag.org/wp-content/uploads/2026/06/Warda-cassette-750x563.jpeg 750w, https://untoldmag.org/wp-content/uploads/2026/06/Warda-cassette-1140x855.jpeg 1140w" sizes="(max-width: 1600px) 100vw, 1600px" /></p>
<p><span style="font-weight: 400;">أمّا يوسف، فكان في السادسة عشرة حين ترك المدرسة أوائل التسعينيات وعمل في ديسكوتيك علي. يقول: </span></p>
<blockquote><p><i><span style="font-weight: 400;">&#8220;كان وقتها عز موسيقى الهاوس وفترة جهل. كنا عالموتوسيكلات، ما كان في سيارات، ودايماً معنا ووكمان. بتعرفي بلا موسيقى ما فيكي تمشي. وهيك من وراء خبرتنا، أنا وصديقي محمّد، صار بس حدن بده يعمل حفلة يحكينا. ما كان عنا معدات، كنا نستعير ديكين وسبيكرين ونركّبهن سوا، ونشغل الكاسيتات. ما كان في سي دي وقتها. يلي عنده سي دي كان يعني جخة، مثل ميكس أف أم. بس معداتنا كانوا يقوموا بالواجب. بصراحة كنا نعمل جو كتير حلو. ومتل ما بقلك:</span></i></p>
<p><i><span style="font-weight: 400;"> Music is my life&#8221;.</span></i></p></blockquote>
<p><span style="font-weight: 400;">يستعيد يوسف تلك المرحلة حيث كان الكاسيت مصدر دخل بسيط ومتعة في آنٍ واحد، رغم الجهد والوقت الذي يتطلبه: &#8220;بهديك الفترة، ما كنّا نركّز على بيع الأشرطة بالمحل قد ما كنّا نركّز على تسجيلها للناس. الكاسيت الجاهز كان بألف وخمسمئة ليرة (يعني دولار واحد)، أمّا اللي بسجّله حسب الطلب فكان بثمانية آلاف&#8221;. فقد كان الكاسيت جزءاً من اقتصاد صغير مبني على طلب الأغاني ونسخها وتبادلها. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">يأتي الزبون إلى الديسكوتيك، ومعه لائحة بالأغاني التي يريدها، ليحتفظ بها أو يهديها لصديق أو حبيب، أحياناً محمّلة برسائل مبطّنة. وكانت الأغاني الجديدة، خصوصاً العربية، هي الأكثر طلباً، وكان &#8220;لازم نأمّنها مهما كان&#8221;، كما يقول يوسف. حمل الشريط مشاعر الناس واختياراتهم، وأصبحت عملية النسخ أساسية في العمل. يختار الدي جاي الأغاني، خصوصاً &#8220;الضاربة&#8221; منها، ويرتّبها حسب مزاج معيّن، فينتج شريطاً يطلبه الناس لفترة. تحوّل اختيار الأغاني نفسه إلى خدمة يقدمها، فازدادت الثقة بمن يعرف ماذا يشغّل ومتى، وتشكّل ما يُسمع من تداخل طلب الناس مع ما يتيحه السوق.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">أحياناً، تأخذ هذه الطلبات طابعاً جماعياً، كما في أشرطة أغاني تشجيع نادي </span><a href="https://www.youtube.com/watch?v=Nxs344MFnXo" target="_blank" rel="noopener"><span style="font-weight: 400;">النجمة</span></a><span style="font-weight: 400;"> لكرة القدم، الذي ارتبط أكثر بالبيئات الشيعية، في حين كان فريق الأنصار أقرب إلى البيئات السنّية. وإذا جاء أحد يطلب شريطاً </span><a href="https://www.youtube.com/watch?v=RSUDBRctZjA" target="_blank" rel="noopener"><span style="font-weight: 400;">لأغاني الأنصار</span></a><span style="font-weight: 400;">، كان يوسف يضحك ويقول له بصوت منخفض: &#8220;فل فل قبل ما يسمعك المعلّم&#8221;، في مزاح يعكس عمق التوتّر بين مناصري الناديين الذي لا ينفصل عن هذه الانتماءات الأوسع.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">في مار الياس، كان محمّد يدخل عالم الصوت من مكان آخر. يقول: </span></p>
<blockquote><p><i><span style="font-weight: 400;">&#8220;تهجّرنا من الشياح بالضاحية. سكنا بمار الياس بآخر الثمانينيات، بنفس البناية اللي فيها إذاعة اسمها لبنان الجديد، على موجة أف أم. ما كان في أسنسور ولا كهرباء. الإذاعة بالطابق السابع. كل يوم ألتقي بناس طالعة نازلة. أوّل شخص تعرّفت عليه كان إبراهيم شمعون من الجنوب. كان يطلب مني نادي بنت بيحبها بالحي. شوي شوي صار يخلّيني أطلع عالإذاعة، أتفرّج، وبعدين أقعد ورا الأجهزة. كان عمري يمكن 12. حسّيت إنو الموضوع مش صعب. طلبت منه يعلّمني. ومن وقتها، صرت بعيش مع الموسيقى&#8221;.</span></i></p></blockquote>
<p><span style="font-weight: 400;">في الإذاعة، التي تأسست مع موجة الإذاعات المنتشرة خلال الحرب، غالباً من دون ترخيص، تعلّم محمد تشغيل الأجهزة والتعامل مع جمهور لا يراه. كان يقصدها بعد المدرسة، يراقب ثم يجرّب، إلى أن بدأ يتولّى مهام بسيطة، مثل تشغيل الأغاني العربية خلال فترات البث بعد الظهر، من الثالثة إلى السابعة. وكان يفعل ذلك خفيةً عن والده، إذ كان هذا العالم يُنظر إليه بريبة في البيت، ويُعتبر عملاً غير مضمون أو لائق. وصار الصوت جزءاً من حياته، بين المدرسة والإذاعة.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">وأنا أستمع إليهم، وكلٌّ منهم يروي قصته، أتابع كيف تتقاطع سيرتهم مع تاريخ الكاسيت، هذا الوسيط الخفيف والرخيص وسهل الحمل. دخل هؤلاء الشبّان سوق العمل باكراً، غالباً قبل إنهاء الدراسة، ووجدوا طريقهم إلى الموسيقى خارج الأطر الاحترافية المرتبطة بالنوادي والمؤسسات الكبيرة. مع الكاسيت، تغيّر موقعهم في الحفلة، إذ أصبحوا يساهمون في تنظيمها وضبط إيقاعها، وتعلموا التفاعل مع الحضور والتعامل مع الشروط التي يحددها المكان. تدريجياً، تنقّلوا مع الكاسيت بين الحفلات والديسكوتيك والإذاعات، في مسارات شخصية جمعت بين التعلم الذاتي والدخل البسيط وحركة الموسيقى بين الناس.</span></p>
<h2><b>من الهواية إلى الشبكة</b></h2>
<p><span style="font-weight: 400;">في البداية، كانت الطلبات بسيطة، سهرة من هنا وحفلة من هناك. لكن سرعان ما كبر هذا النشاط. في منتصف التسعينيات، اشترى محمد ويوسف أول سيارة لهما، وجهّزاها بالسماعات والمضخمات، فكانت كأنها غرفة تحكم صوت متنقّلة. كانا يتنقّلان بالأشرطة، ويبنيان أجواء السهرة عبر ما يختارانه ويُعيدان تشغيله. أصبحا بذلك ذوي &#8220;الصوت الأقوى&#8221; في الشارع، مما أعطاهما رأسمال رمزياً أو مكانة، راكماها بفضل جودة معدّاتهما، ونوع الموسيقى التي يلعبانها وقوة الصوت عند مرورهما في الشارع، بالإضافة إلى شبكة المعارف التي نسجاها.</span></p>
<figure id="attachment_81216" aria-describedby="caption-attachment-81216" style="width: 637px" class="wp-caption aligncenter"><img decoding="async" class="size-full wp-image-81216" src="http://untoldmag.org/wp-content/uploads/2026/06/WhatsApp-Image-2026-04-27-at-13.54.24-2.jpeg" alt="" width="637" height="960" srcset="https://untoldmag.org/wp-content/uploads/2026/06/WhatsApp-Image-2026-04-27-at-13.54.24-2.jpeg 637w, https://untoldmag.org/wp-content/uploads/2026/06/WhatsApp-Image-2026-04-27-at-13.54.24-2-199x300.jpeg 199w" sizes="(max-width: 637px) 100vw, 637px" /><figcaption id="caption-attachment-81216" class="wp-caption-text">الدي جاي علي</figcaption></figure>
<p><span style="font-weight: 400;">كان يوسف يعمل نهاراً في محل علي، ثم يذهب مساءً مع محمد لإحياء حفلات تمتد من بيروت وضواحيها إلى الجنوب والبقاع. أحياناً ثلاث أو أربع حفلات في الأسبوع، بأجر يتراوح بين 75 و130 دولاراً، وهو مبلغ بالكاد يغطي التكاليف. أحياناً كان الانشغال متقطّعاً، من دون استمرارية واضحة، مما دفعهما إلى الاعتماد على أعمال أخرى لتأمين دخل إضافي. لذلك، بقي هذا النشاط بالنسبة لهما يجمع العمل والهواية، حيث كان ما يشدّهما إليه هو المتعة والشعور بالانتماء إلى هذا المشهد.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">فتح الكاسيت الباب أمام نوع جديد من اللقاءات، خارج صالات الترفيه التقليدية. كانت الدعوات تنتقل عبر الأصدقاء والمعارف، فيجتمع شباب وصبايا من القرية ومن خارجها، يحملون المعدات والأشرطة، يركّبون العدّة، وتبدأ الحفلة. وكانت تدور هذه الجمعات بين الخاص والعام. تُقام في بيوت وفيلات، أي في مساحات يُفترض أنها خاصة، لكنها تُفتح لليلة أمام مجموعة أوسع من الحاضرين. ومع ذلك، كان الدخول إليها محكوماً بالعلاقات، فيقتصر على من يعرف المنظّمين أو ينتمي إلى الدائرة نفسها، أو يستطيع المشاركة بحسب ما تسمح به العائلة والبيئة المحيطة.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">كما بقي هذا المجال في معظمه عالماً رجالياً، خصوصاً في ذاكرتهم. لا يذكر علي أو محمد أو يوسف وجود نساء يعملن خلف الصوت في تلك الفترة، إذ ارتبطت هذه المصلحة بالليل والتنقّل والشارع، وبطبيعة الفضاء الليلي نفسه، حيث بقيت السلطة الرمزية والتقنية والتنظيمية في يد الرجال. في المقابل، كان حضور النساء أساسياً، عبر الرقص والتفاعل الاجتماعي، لكنه ظلّ محكوماً بشروط اجتماعية واضحة.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">كما لم تخلُ هذه الليالي من التوتّرات. أحياناً يشتكي الجيران، أو يُطلب خفض الصوت، أو تنقطع الكهرباء في منتصف الليل. وفي حالات أخرى، قد يكفي احتكاك بسيط أو ملاحظة عابرة لتغيير مسار الليلة أو إنهائها، فتتحوّل اللحظة إلى مصدر بلبلة وقلق، ويدفع البعض إلى المغادرة. لذلك، بقيت هذه اللقاءات محكومة بحدود يفرضها المكان والناس والظروف، رغم ما يُستعاد منها اليوم بحنين.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">ومع توسّع المصلحة، صار الأمر يتطلب جهداً أكبر واستثماراً في الوقت والمال، &#8220;فالنجاح&#8221; كان يرتبط بعدة عوامل. يخبرني محمّد: &#8220;صار عندي عدّة صغيرة بالبيت: دكّين كاسيت، ميكسر، وباور. بس السبيكرات كنت أضطر أستأجرها. كانت كبيرة وثقيلة، وما إلها محل&#8221;. كانت المعدّات تملأ نصف السيارة، وتركيبها يستغرق وقتاً، حيث كان الدي جاي هو التقني والحمال، يحمل المعدّات ويشغّل الأشرطة ويضبط الإيقاع. وغالباً ما كان يلجأ إلى حلول مرتجلة، مثل سحب الكهرباء من مولدات عند الجيران حين تنقطع.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">أمّا محل علي، &#8220;ديسكو 2000&#8243;، الذي افتتحه في منتصف التسعينيات، فكان نقطة أساسية في هذا المشهد. كغيره من الديسكوتيكات آنذاك، كان مكاناً يلتقي فيه شباب الحي، يكتشفون موسيقى جديدة ويتسكعون ويمضون الوقت، ويتفرّجون على الصبايا وهنّ يمررن، ويرمونهنٌ ببعض التعليقات العابرة. من هناك كانت تنطلق الحفلات، ومنه أيضاً كانت تتكوّن العلاقات. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">كان يمكن دخول هذا المجال كصبي مساعد، أو عبر ما يملكه الشخص من أشرطة ومعدّات، ومن خلال الناس الذين يعرفهم ويعمل معهم. من لديه أغانٍ أحدث أو تجهيزات أفضل، أو يعرف عدداً أكبر من المنظّمين، تُطلب خدماته أكثر، وتكبر فرصه واسمه في السوق. وصار &#8220;الصوت&#8221; نفسه مورداً لا مجرّد عنصر تقني، يفتح أبواب الشغل ويحدّد موقع كل واحد في هذا المشهد.</span></p>
<h2><b>الدي جاي بين عوالم مختلفة</b></h2>
<p><span style="font-weight: 400;">في بيروت، عمل علي في عدد من الصالات مثل &#8220;اللمبادا&#8221; في الحمرا، و&#8221;الكينغز&#8221; على الروشة، ومسبح &#8220;عجرم&#8221; في عين المريسة، حيث خُصّصت أيام مختلطة وأخرى للنساء فقط. كما أحيا حفلات خاصة في أحياء الضاحية الجنوبية، كالجناح وبئر حسن وبئر العبد والشياح. في المقابل، واصل محمّد ويوسف لعب الأغاني في اللقاءات الخاصة، ما وضعهما في عوالم مختلفة من حيث الحجم والتنظيم وطبيعة الحضور.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">في تلك الفترة، بدأت الوسائط تتغير مع دخول الأقراص الليزري &#8220;سي دي&#8221;. يضحك علي وهو يتذكّر أوّل مرة شغّلوا فيها &#8220;سي دي&#8221;: &#8220;استغربنا الفكرة، كنا متعودين على الكاسيتات والدكّات. فجأة ظهر هذا القرص اللي بده آلة خاصة&#8221;.  قدّم الـ&#8221;سي دي&#8221; صوتاً أنقى وخيارات أوسع، وبدأ استخدامه في السيارات ثم في الحفلات، ما فتح إمكانيات جديدة في تنسيق الموسيقى، من دون أن يلغي حضور الكاسيت بشكل فوري.</span></p>
<figure id="attachment_81218" aria-describedby="caption-attachment-81218" style="width: 2048px" class="wp-caption aligncenter"><img decoding="async" class="size-full wp-image-81218" src="http://untoldmag.org/wp-content/uploads/2026/06/IMG-20250820-WA0005-1.jpg" alt="" width="2048" height="1269" srcset="https://untoldmag.org/wp-content/uploads/2026/06/IMG-20250820-WA0005-1.jpg 2048w, https://untoldmag.org/wp-content/uploads/2026/06/IMG-20250820-WA0005-1-300x186.jpg 300w, https://untoldmag.org/wp-content/uploads/2026/06/IMG-20250820-WA0005-1-1024x635.jpg 1024w, https://untoldmag.org/wp-content/uploads/2026/06/IMG-20250820-WA0005-1-768x476.jpg 768w, https://untoldmag.org/wp-content/uploads/2026/06/IMG-20250820-WA0005-1-1536x952.jpg 1536w, https://untoldmag.org/wp-content/uploads/2026/06/IMG-20250820-WA0005-1-750x465.jpg 750w, https://untoldmag.org/wp-content/uploads/2026/06/IMG-20250820-WA0005-1-1140x706.jpg 1140w" sizes="(max-width: 2048px) 100vw, 2048px" /><figcaption id="caption-attachment-81218" class="wp-caption-text">الدي جاي علي</figcaption></figure>
<p><span style="font-weight: 400;">تدريجياً، توسّع عمل علي ليشمل إدارة الأعراس بكل تفاصيلها، من الصوت والإضاءة، إلى الزينة والزفّة. في أواخر التسعينيات، فتح مكتباً لتنظيم الأعراس بالتعاون مع مصوّر محترف، وشارك في إدارة تفاصيل العرس. فكان ينسّق دخول العروسين، ويختار الأغاني، ويتابع الإضاءة ومسار الليل، بالتنسيق مع أصحاب العرس ومتطلباتهم.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">مع انتقال هذه الممارسات من الحفلات الهامشية إلى الأعراس، تعزز دور الدي جاي في هذه المناسبة الاجتماعية الأساسية، التي تعيد العائلة من خلالها تقديم نفسها أمام الآخرين عبر تفاصيل مدروسة؛ حيث كان الدي جاي يراعي رغبات العائلة والحضور، ويقدّم خدمة ضمن فريق أوسع يضمّ مصوّرين ومنظّمين وأصحاب قاعات، ما منحه دوراً اجتماعياً تجاوز تشغيل الموسيقى. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">فقد ظلّ العرس، بخلاف الحفلات الشبابية، مساحة عائلية وجماعية تحافظ فيه الدبكة والأغاني العربية على موقعها المركزي، لتأكيد الانتماء والمكانة الاجتماعية أمام الحضور. وحتى حين تُلعب الموسيقى الأجنبية، فقد كانت تظهر غالباً كفسحة قصيرة داخل الإيقاع العام، من دون أن تغيّر بنيته العامة.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">في الوقت نفسه، بقيت نظرة الناس، من أهل وجيران وغيرهم، إلى هذه المصلحة مرتبطة بالسهر والليل والدخل البسيط والهش، في عالم غير مستقر و غير محترم، وأحياناً مريب، ويُنظر إلى الدي جايز أحياناً كشباب خارجين عن الأعراف الاجتماعية السائدة، رغم حضورهم الأساسي في الأعراس. كما يروي محمد: &#8220;كانوا يحكوا علينا كتير، بس نحنا ما كنا نأذي ولا نضايق حدا، كنا بس نحب نعيش وننبسط&#8221;. مما أبقى صورتهم ملتبسة.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">ورغم انطلاقهم من بيئة واحدة، سلك كل من علي ومحمد ويوسف مسارات مختلفة. بالنسبة لعلي، كان عمله أكثر تنظيماً واستقراراً وارتباطاً بسوق الأعراس. أمّا محمد ويوسف، فبقي نشاطهما أقرب إلى اللقاءات الصغيرة المرتبطة بالأصدقاء والحيّز الاجتماعي. و</span><span style="font-weight: 400;">تكوّن</span><span style="font-weight: 400;">ت هذه التجارب في توازن بين العمل والمتعة والتجريب، في مساحات تتفاوت في تنظيمها ومكانتها وأذواقها.</span></p>
<h2><b>كيف تشكّل الذوق عبر الكاسيت؟ </b></h2>
<p><span style="font-weight: 400;">تكوّنت التجربة السمعية لهؤلاء الشباب وسط خليط من الأصوات التي أحاطت بهم، من الراديو والتلفزيون إلى ضجيج الشارع. فالأذان والمواكب وأناشيد حركة أمل واللطميات كانت في الخلفية تتجاور مع الأغاني الرائجة على الراديو والكاسيت، في مشهد سمعي واحد. ومع الشريط، انتشرت بعض هذه الأصوات وانتقلت من سياق إلى آخر، فشاركت في تشكيل ذاكرة مشتركة تعكس البيئة التي نشأوا فيها. وتكوّنت بذلك علاقتهم بالموسيقى عبر هذا التعايش المستمر بين أصوات الحرب والدين والترفيه والاستهلاك.</span></p>
<p><img loading="lazy" decoding="async" class="aligncenter size-full wp-image-81220" src="http://untoldmag.org/wp-content/uploads/2026/06/image-6.png" alt="" width="600" height="566" srcset="https://untoldmag.org/wp-content/uploads/2026/06/image-6.png 600w, https://untoldmag.org/wp-content/uploads/2026/06/image-6-300x283.png 300w" sizes="(max-width: 600px) 100vw, 600px" /></p>
<p><span style="font-weight: 400;">في هذا المحيط السمعي، بدأت أنماط موسيقية جديدة بالدخول، مثل ال&#8221;هاوس&#8221; والـ&#8221;يورو دانس&#8221;، خصوصاً عبر الإذاعات المتكاثرة التي كانت تبث بالإنجليزية. يتذكّر يوسف تلك الفترة: &#8220;كنّا نسمع هاوس. كانت بأوجها بين 1992 و1996. وبعدين ظهرت أنماط مثل الديب هاوس، والفانك، ثم الرايف والتكنو&#8221;. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">تابعوا راديو دي جاي 99.1، وبرامج دي جايز مثل &#8220;أماديوس&#8221; و&#8221;</span><a href="https://www.youtube.com/watch?v=84HHgPk85do" target="_blank" rel="noopener"><span style="font-weight: 400;">رودج</span></a><span style="font-weight: 400;">&#8220;، حيث كانت الحفلات تُبث مباشرة من الاستوديو، ينتظرونها كل أسبوع، فتملأ السيارات مساء كل جمعة. انتقلوا لاحقاً إلى &#8220;راديو وان&#8221; ثم &#8220;ميكس إف إم&#8221; التي أسّسها رودج. ورغم محدودية القنوات التلفزيونية، فتحت بعض المحطات المحلية نافذة على الخارج عبر بث كليبات موسيقية من Music TV. ومن خلال هذه الوسائط المختلفة، دخلت موسيقى أجنبية لم تكن متاحة بسهولة وبكثرة من قبل.</span></p>
<div class="jeg_video_container jeg_video_content"><iframe title="DJ Rodge 1995 - Live Radio Mix in Lebanon" width="500" height="375" src="https://www.youtube.com/embed/84HHgPk85do?start=1&amp;feature=oembed" frameborder="0" allow="accelerometer; autoplay; clipboard-write; encrypted-media; gyroscope; picture-in-picture; web-share" referrerpolicy="strict-origin-when-cross-origin" allowfullscreen></iframe></div>
<p><span style="font-weight: 400;">ومع الكاسيت، صارت الأغاني التي تُبث على الراديو تُسجّل وتتنقّل بين المنازل والسيارات والحفلات، حيث يُعاد استخدامها وترتيبها بحسب المناسبة. وأصبح الوصول إلى الموسيقى يعتمد أكثر فأكثر على النسخ والمشاركة غير الشرعية، بدلاً من الإذاعات الرسمية أو شراء الأسطوانات الأصلية. وساهمت قرصنة الأشرطة في تسريع انتشار الأغاني الأجنبية بين الأحياء والشباب، بينما لعب السوق دوراً أساسياً في ذلك، إذ أصبح بالإمكان اختيار الأغاني الرائجة وتجميعها بحسب رغبات المستمع.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">وحتى مع ظهور الـ&#8221;سي دي&#8221;، الذي كان مرتفع الثمن نسبياً ويباع بنحو عشرين دولاراً، استمر تداول هذه الأغاني. فكانوا يشتركون في شراء الأقراص، أو يستبدلون ثلاثاً قديمة بواحدة جديدة، ثم ينسخونها على الشريط. وكانت الحمرا وجهتهم الأساسية لاكتشاف الجديد، يقصدون محل ABC ومحلاً صغيراً يشبه نسخة مبكرة من Virgin Megastore.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">من هنا٬ دخلت فرق عالمية كثيرة إلى حياتهم، مثل</span><a href="https://www.youtube.com/watch?v=0LSYuZRSGcY" target="_blank" rel="noopener"> <span style="font-weight: 400;">Backstreet Boys</span></a><span style="font-weight: 400;"> و</span><a href="https://www.youtube.com/watch?v=gJLIiF15wjQ" target="_blank" rel="noopener"><span style="font-weight: 400;">Spice Girls</span></a><span style="font-weight: 400;"> و</span><a href="https://www.youtube.com/watch?v=tP_WRk-xV7I" target="_blank" rel="noopener"><span style="font-weight: 400;">East 17</span></a><span style="font-weight: 400;"> و </span><a href="https://www.youtube.com/watch?v=ICYVPjNe11o" target="_blank" rel="noopener"><span style="font-weight: 400;">Boyzone</span></a><span style="font-weight: 400;"> و</span><a href="https://www.youtube.com/watch?v=d73tiBBzvFM" target="_blank" rel="noopener"> <span style="font-weight: 400;">Ace of Base</span></a> <span style="font-weight: 400;">و</span><a href="https://www.youtube.com/watch?v=CTqabbIPfc0" target="_blank" rel="noopener"><span style="font-weight: 400;">Take That</span></a><span style="font-weight: 400;">. ولم يكن اسم الفنان دائماً مهماً كاللحن نفسه. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">كما يقول محمد ضاحكاً: &#8220;كنّا نردّد أحياناً كلمات الأغاني الأجنبية بلا ما نفهمها… والفرنسي ما كنّا نفهمه، بس نحطّه كرمال البنات&#8221;. فأهمية الأغنية أحياناً كانت بتأثيرها في التفاعل وبالدور الذي تلعبه في العلاقات وجذب الصبايا، أكثر من معناها أو كلماتها. وارتبطت هذه السهرات أيضاً بأشكال من إثبات الحضور الذكوري، حيث لعبت الموسيقى والرقص واختيار الأغاني دوراً في بناء العلاقات الاجتماعية وتأكيد المكانة في المجموعة.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">في الوقت نفسه، غيّر الووكمان، جهاز الكاسيت المحمول، طريقة الاستماع، فنقلها إلى مساحة أكثر فردية. يذكر محمّد أوّل جهاز امتلكه، ووكمان &#8220;سوني&#8221; من دون خاصية التشغيل التلقائي العكسي، فكان يقلب الشريط بيده، ثمنه نحو ثمانين دولاراً، وهو مبلغ كبير وقتها. بعد ذلك بسنوات قليلة، حوالي عام 1992، اشترى جهاز تشغيل &#8220;سي دي&#8221;، يحمله في علبة خاصة، لأنه لا يُثبَّت على الخصر مثل الووكمان. </span></p>
<div class="jeg_video_container jeg_video_content"><iframe title="SNAP! - Rhythm Is A Dancer (Official 4K Music Video)" width="500" height="281" src="https://www.youtube.com/embed/JYIaWeVL1JM?feature=oembed" frameborder="0" allow="accelerometer; autoplay; clipboard-write; encrypted-media; gyroscope; picture-in-picture; web-share" referrerpolicy="strict-origin-when-cross-origin" allowfullscreen></iframe></div>
<p><span style="font-weight: 400;">مع هذه الأجهزة، صار بإمكانه سماع الموسيقى على انفراد في الطريق، على الدراجة النارية أو أثناء الانتظار، وانتقاء ما يريد وإعادته كما يشاء، بعيداً عن اختيارات العائلة أو الجماعة او برامج الراديو. أصبحت الموسيقى جزءاً من يومياته، والاستماع تجربة شخصية يختار وقتها وإيقاعها بنفسه، كما أتاحت له الانفصال المؤقت عن الضجيج المحيط، وساهمت في تكوين فردية شبابية جديدة. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">في المقابل، بقي الكاسيت الوسيط الذي انتقلت عبره الموسيقى بين الراديو والشريط المحمول، وبين الاستماع الفردي واللقاءات الجماعية، فانتشرت الأغاني الأجنبية بين بيروت وهوامشها وجبل عامل وباقي المناطق، مما أتاح لشباب يعيشون في مناطق مهمّشة نسبياً الاقتراب من ثقافة شبابية عالمية.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">ارتبط الكاسيت أيضاً بتغييرات أوسع شهدها لبنان في التسعينيات، مثل بلدان عربية أخرى، مع توسّع السوق وظهور أنماط جديدة من الاستهلاك، وانتشار القنوات الفضائية ومحلات بيع الأشرطة مثل ABC وVirgin، حيث أصبح البحث عن الموسيقى الجديدة جزءاً من عادة الذهاب إلى هذه المحلات. واتّسع حضور البوب العالمي ضمن ثقافة شبابية، ظهرت في اللباس والمظهر وطريقة الرقص وأسلوب الحياة، كما تعكسها الكليبات وصور النجوم.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">وتكوّن</span><span style="font-weight: 400;"> هذا العالم الموسيقي عبر الأشرطة المسجّلة واختيارات الدي جاي من المزج بين ما يُنتَج محلياً وما يصل من الخارج. ومع مرور الوقت، تجاوزت هذه الحفلات والأغاني كونها مجرد ترفيه أو موضة شبابية، لتكشف تحوّلات اجتماعية وثقافية مرتبطة بالعولمة، والتكنولوجيا، والجندر، وطريقة عيش المدينة والزمن الجماعي في التسعينيات.</span></p>
<h2><b>بناء الحفلات: ايقاع لا يتوقف</b></h2>
<p><span style="font-weight: 400;">في الحفلات، كان نجاح الأغنية يُقاس بقدرتها على تحريك الناس، فيختار الدي جاي الأغاني بحسب تفاعل الجمهور معها وما هو في السوق، أكثر من اختياره لما يحبّه هو. يروي محمد: &#8220;كنت أحب الراب، بس ما حدا كان يتحمّله. أول ما حطّه، كانوا يطلبوا مني غيّر&#8221;. كان يلعب بعض الأغاني ويُعيدها، بينما تمرّ أخرى من دون أثر يُذكر. كما كان أصحاب الحفلة والمدعوون يفرضون أحياناً ما يُشغَّل، بحسب الجو وطبيعة المناسبة.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">في الأعراس، كانت الأغاني العربية، خاصة الدبكة، هي الأساس. &#8220;كنّا نخلّي الموسيقى الأجنبية للآخر&#8221;، يقول يوسف، &#8220;نص ساعة خَوَت&#8221;. أما في الحفلات الشبابية، فكان المجال أوسع للتجريب، مع حضور قوي لليورودانس والهيب هوب والريغي:</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;"> </span><a href="https://www.youtube.com/watch?v=nm6DO_7px1I" target="_blank" rel="noopener"><span style="font-weight: 400;">I&#8217;ve got the power</span></a><span style="font-weight: 400;">،</span><a href="https://www.youtube.com/watch?v=OnT58cIJSpw" target="_blank" rel="noopener"> <span style="font-weight: 400;">The Rhythm of the Night</span></a><span style="font-weight: 400;"> ،</span><a href="https://www.youtube.com/watch?v=otCpCn0l4Wo" target="_blank" rel="noopener"> <span style="font-weight: 400;">U Can&#8217;t Touch This</span></a><span style="font-weight: 400;">،</span><a href="https://www.youtube.com/watch?v=TSffz_bl6zo" target="_blank" rel="noopener"> <span style="font-weight: 400;">Informer</span></a> <span style="font-weight: 400;">،</span><a href="https://www.youtube.com/watch?v=4uPDfuC3Jck" target="_blank" rel="noopener"> <span style="font-weight: 400;">No Coke</span></a><span style="font-weight: 400;">،</span><a href="https://www.youtube.com/watch?v=ViP87WipSm0" target="_blank" rel="noopener"> <span style="font-weight: 400;">Be My Lover</span></a><span style="font-weight: 400;">  ،</span><a href="https://www.youtube.com/watch?v=rog8ou-ZepE" target="_blank" rel="noopener"><span style="font-weight: 400;">Ice Ice Baby</span></a><span style="font-weight: 400;"> ،</span><a href="https://www.youtube.com/watch?v=p3l7fgvrEKM&amp;list=PLFOn7g5mYmx1Bp4bvDGPIRiZn57vD_NEx&amp;index=20" target="_blank" rel="noopener"><span style="font-weight: 400;">Freed from desire</span></a><span style="font-weight: 400;"> و</span><a href="https://www.youtube.com/watch?v=7kmEEkECFQw" target="_blank" rel="noopener"><span style="font-weight: 400;">No Limit</span></a><span style="font-weight: 400;">. </span></p>
<div class="jeg_video_container jeg_video_content"><iframe title="Vanilla Ice - Ice Ice Baby (Official Music Video)" width="500" height="281" src="https://www.youtube.com/embed/rog8ou-ZepE?feature=oembed" frameborder="0" allow="accelerometer; autoplay; clipboard-write; encrypted-media; gyroscope; picture-in-picture; web-share" referrerpolicy="strict-origin-when-cross-origin" allowfullscreen></iframe></div>
<p><span style="font-weight: 400;">كانت هذه الأغاني تناسب إيقاع الرقص، بسبب لازماتها المتكرّرة التي تساعد على تثبيتها في الذاكرة. ومع الكاسيت، صار بالإمكان إعادتها وتداولها بين الأشرطة.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">إلى جانب </span><a href="https://www.youtube.com/watch?v=IG23RPETXsg" target="_blank" rel="noopener"><span style="font-weight: 400;">Snap</span></a> <span style="font-weight: 400;">و</span><a href="https://www.youtube.com/watch?v=pKxJca7LLNM" target="_blank" rel="noopener"><span style="font-weight: 400;">Dr. Alban</span></a> <span style="font-weight: 400;">و</span><a href="https://www.youtube.com/watch?v=NHPMWAoAQVI" target="_blank" rel="noopener"><span style="font-weight: 400;">Corona</span></a><span style="font-weight: 400;">، كانت تُلعب أغنيات عربية راقصة مثل &#8220;</span><a href="https://www.youtube.com/watch?v=qhKrujfRJMs" target="_blank" rel="noopener"><span style="font-weight: 400;">غزالي</span></a><span style="font-weight: 400;">&#8221; و&#8221;</span><a href="https://www.youtube.com/watch?v=GxoiwzvAWC4" target="_blank" rel="noopener"><span style="font-weight: 400;">راجعين</span></a><span style="font-weight: 400;">&#8221; و&#8221;</span><a href="https://www.youtube.com/watch?v=gEgJh-Y7lIU&amp;list=PLT2b5tv5BYKaNPjzy3_i0pgowjU3Ycj1d&amp;index=2" target="_blank" rel="noopener"><span style="font-weight: 400;">عيني</span></a><span style="font-weight: 400;">&#8221; و&#8221;</span><a href="https://www.youtube.com/watch?v=7o2KqcnKFWE" target="_blank" rel="noopener"><span style="font-weight: 400;">أحلى ما فيكي</span></a><span style="font-weight: 400;">&#8221; و&#8221;</span><a href="https://www.youtube.com/watch?v=rYB2rT69DBo" target="_blank" rel="noopener"><span style="font-weight: 400;">شوقنا</span></a><span style="font-weight: 400;">&#8220;، في إيقاع واحد يجمع هذه الأنماط. بعض الأغاني كانت تُعرف من أول نغمة وتُنتظر، مثل </span><a href="https://www.youtube.com/watch?v=n1dk78L0XzI" target="_blank" rel="noopener"><span style="font-weight: 400;">Look Who&#8217;s Talking</span></a> <span style="font-weight: 400;">و</span><a href="https://www.youtube.com/watch?v=HEXWRTEbj1I" target="_blank" rel="noopener"><span style="font-weight: 400;">What’s Love</span></a><span style="font-weight: 400;"> و</span><a href="https://www.youtube.com/watch?v=JYIaWeVL1JM" target="_blank" rel="noopener"><span style="font-weight: 400;">Rhythm Is a Dancer</span></a><span style="font-weight: 400;"> و</span><a href="https://www.youtube.com/watch?v=oW0VovnyjPY" target="_blank" rel="noopener"><span style="font-weight: 400;">It’s My Life</span></a><span style="font-weight: 400;">، فيما تختفي أخرى لعدم الاندماج معها.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">يتحدث علي عن هذا التحوّل في هذا الميل الموسيقي عبر مقارنة بين الثمانينيات والتسعينيات. في البدايات، كانت السهرات تميل إلى إيقاع أهدأ، مع أغانٍ من نمط الـ&#8221;فريستايل&#8221;، مثل</span><a href="https://www.youtube.com/watch?v=DsQtMK4P9Rg" target="_blank" rel="noopener"> <span style="font-weight: 400;">Spring Love</span></a><span style="font-weight: 400;"> و</span><a href="https://www.youtube.com/watch?v=4kHl4FoK1Ys" target="_blank" rel="noopener"> <span style="font-weight: 400;">You&#8217;re My Heart, You&#8217;re My Soul</span></a><span style="font-weight: 400;"> و</span><a href="https://www.youtube.com/watch?v=Lp2qcCrdBLA" target="_blank" rel="noopener"> <span style="font-weight: 400;">Brother Louie</span></a><span style="font-weight: 400;"> و</span><a href="https://www.youtube.com/watch?v=eNvUS-6PTbs" target="_blank" rel="noopener"><span style="font-weight: 400;">Cheri Cheri Lady</span></a><span style="font-weight: 400;"> و</span><a href="https://www.youtube.com/watch?v=izGwDsrQ1eQ" target="_blank" rel="noopener"><span style="font-weight: 400;">Careless Whisper</span></a><span style="font-weight: 400;">. لاحقاً، مع صعود اليورودانس، تغيّر المشهد، وصارت الحركة عنصراً أساسياً والجسد هو المركز، مع أغنيات مثل</span><a href="https://www.youtube.com/watch?v=ZMtf_ouMTHw" target="_blank" rel="noopener"> <span style="font-weight: 400;">Mr. Vain</span></a> <span style="font-weight: 400;">و</span><a href="https://www.youtube.com/watch?v=EScLmWJs82I" target="_blank" rel="noopener"><span style="font-weight: 400;">Coco Jumbo</span></a><span style="font-weight: 400;">. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">في بلد كان يخرج من الحرب، ارتبطت هذه الحفلات أيضاً بالرغبة في استعادة الحياة الطبيعية، والحركة، والاحتفال، ولو لوقت قصير. بدأت علاقتهم بالموسيقى تتأثّر أكثر فأكثر بما كان رائجاً عالمياً يصلهم عبر الراديو والكاسيتات. وفي أواخر التسعينيات، دخلت أغانٍ أخفّ وأكثر جماهيرية مرتبطة بثقافة البوب العالمية الرائجة آنذاك، مثل</span><a href="https://www.youtube.com/watch?v=nPLV7lGbmT4" target="_blank" rel="noopener"> <span style="font-weight: 400;">Maria Maria،</span></a><span style="font-weight: 400;"> عكست ميلاً متزايداً نحو الإيقاعات البسيطة والسريعة. ومعها، صار الرقص والإيقاع الإلكتروني والنوادي الليلية جزءاً من ثقافة شبابية حضرية في توسّع مستمر.</span></p>
<p><img loading="lazy" decoding="async" class="aligncenter size-full wp-image-81232" src="http://untoldmag.org/wp-content/uploads/2026/06/image.png" alt="" width="353" height="342" srcset="https://untoldmag.org/wp-content/uploads/2026/06/image.png 353w, https://untoldmag.org/wp-content/uploads/2026/06/image-300x291.png 300w" sizes="(max-width: 353px) 100vw, 353px" /></p>
<p><span style="font-weight: 400;">في الوقت نفسه، كانت الأغنية المصرية حاضرة بقوة. تصدّر </span><a href="https://www.youtube.com/watch?v=F4npeninpf4" target="_blank" rel="noopener"><span style="font-weight: 400;">عمرو دياب</span></a><span style="font-weight: 400;"> المشهد، أحياناً بأكثر من عشر </span><a href="https://www.youtube.com/watch?v=xCCfv8-CgKU" target="_blank" rel="noopener"><span style="font-weight: 400;">أغنيات</span></a> <span style="font-weight: 400;">في الليلة الواحدة، إلى جانب </span><a href="https://www.youtube.com/watch?v=1JaeV86FWpY" target="_blank" rel="noopener"><span style="font-weight: 400;">إيهاب توفيق</span></a><span style="font-weight: 400;">، و</span><a href="https://www.youtube.com/watch?v=EeMllONrbAs" target="_blank" rel="noopener"><span style="font-weight: 400;">محمد فؤاد</span></a><span style="font-weight: 400;">، و</span><a href="https://www.youtube.com/watch?v=ORvjhXmTw5M" target="_blank" rel="noopener"><span style="font-weight: 400;">مصطفى قمر</span></a><span style="font-weight: 400;">، و</span><a href="https://www.youtube.com/watch?v=7o2KqcnKFWE" target="_blank" rel="noopener"><span style="font-weight: 400;">هشام عباس</span></a><span style="font-weight: 400;">. &#8220;ما كانت تمر حفلة بلا </span><a href="https://www.youtube.com/watch?v=KLJA-srM_yM" target="_blank" rel="noopener"><span style="font-weight: 400;">حبيبي يا نور العين</span></a><span style="font-weight: 400;">&#8220;، يقول محمّد، &#8220;لازم تتكرّر&#8221;. شكل عمرو دياب نموذجاً لصوت عربي جديد يجمع بين الإيقاع الغربي واللغة العربية الخفيفة والصورة الشبابية، ضمن موجة موسيقية لعب فيها </span><a href="https://www.youtube.com/watch?v=3atVESvYfQY&amp;list=PLSo4LC67-L0aYEk-2eLW0Ykkvpbt5L7p0&amp;index=2" target="_blank" rel="noopener"><span style="font-weight: 400;">حميد الشاعري</span></a><span style="font-weight: 400;"> أيضاً دوراً أساسياً من خلال التوزيع الإلكتروني والإيقاعات الراقصة التي طبعت موسيقى التسعينيات العربية. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">وقد ساعدت هذه الأغاني، بإيقاعها السريع وتوزيعها الحديث وكلماتها الشبابية أو الرومانسية السهلة، على الانتقال بسهولة بين الراديو والسيارة والكاسيت والحفلة، لتصبح جزءاً أساسياً من أجواء السهر. كما صارت تُبنى أكثر فأكثر لتناسب الحفلات، بإيقاع يسمح بالتكرار والرقص الجماعي، ما يفسّر حضورها الكثيف واستمرار مركزية مصر في السوق الموسيقية العربية آنذاك، سواء من حيث الإنتاج أو التوزيع أو صناعة النجوم.</span></p>
<p><img loading="lazy" decoding="async" class="aligncenter size-full wp-image-81230" src="http://untoldmag.org/wp-content/uploads/2026/06/image-1.png" alt="" width="595" height="599" srcset="https://untoldmag.org/wp-content/uploads/2026/06/image-1.png 595w, https://untoldmag.org/wp-content/uploads/2026/06/image-1-298x300.png 298w, https://untoldmag.org/wp-content/uploads/2026/06/image-1-150x150.png 150w, https://untoldmag.org/wp-content/uploads/2026/06/image-1-75x75.png 75w" sizes="(max-width: 595px) 100vw, 595px" /></p>
<p><span style="font-weight: 400;">في المقابل، بقي استخدام أغاني المطربات المصريات محدوداً نسبياً في الحلقات، باستثناءات قليلة مثل </span><a href="https://www.youtube.com/watch?v=Xb6F8nFmoj4" target="_blank" rel="noopener"><span style="font-weight: 400;">سيمون</span></a><span style="font-weight: 400;"> وبعض أغاني </span><a href="https://www.youtube.com/watch?v=9TOdL0-eD_s" target="_blank" rel="noopener"><span style="font-weight: 400;">الديو</span></a><span style="font-weight: 400;">. فقد قدّمت سيمون أيضاً صورة مختلفة عن المطربة التقليدية في تلك المرحلة، بأغانٍ راقصة قريبة من الحياة العادية، كما اشتهرت </span><a href="https://www.youtube.com/watch?v=kwj_v5MXqS0" target="_blank" rel="noopener"><span style="font-weight: 400;">بتعريب</span></a><span style="font-weight: 400;"> أغانٍ عالمية وإعادة تقديمها في قالب بوب عربي انتشر بقوة خلال التسعينيات. ومع هذا، ظلّ هذا المجال في معظمه بيد فنانين ومنتجين وتقنيين رجال.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">أما الأغنية اللبنانية، فقد بقيت أقل حضوراً في سهراتهم، رغم بروز أسماء مثل </span><a href="https://www.youtube.com/watch?v=0K_f3whe448&amp;list=PLT2b5tv5BYKaNPjzy3_i0pgowjU3Ycj1d&amp;index=5" target="_blank" rel="noopener"><span style="font-weight: 400;">راغب علامة</span></a><span style="font-weight: 400;">،</span><a href="https://www.youtube.com/watch?v=iSYeZEs-Bjg" target="_blank" rel="noopener"><span style="font-weight: 400;"> وجورج وسوف</span></a><span style="font-weight: 400;">، و</span><a href="https://www.youtube.com/watch?v=e7ZwBOQAs-w" target="_blank" rel="noopener"><span style="font-weight: 400;">عاصي الحلاني</span></a><span style="font-weight: 400;">، و</span><a href="https://www.youtube.com/watch?v=a-xjclpWksE" target="_blank" rel="noopener"><span style="font-weight: 400;">علاء زلزلي</span></a><span style="font-weight: 400;">، و</span><a href="https://www.youtube.com/watch?v=hPn62obf_l0" target="_blank" rel="noopener"><span style="font-weight: 400;">نوال الزغبي</span></a><span style="font-weight: 400;">، و</span><a href="https://www.youtube.com/watch?v=JaqXehd5tQ0" target="_blank" rel="noopener"><span style="font-weight: 400;">نجوى كرم</span></a><span style="font-weight: 400;">. ففي حين ارتبطت الأغنية المصرية أكثر بأجواء الرقص والحفلات الشعبية والشبابية، اتجه جزء كبير من الأغنية اللبنانية نحو الفيديو كليب والنجومية البصرية والأغاني الهادئة نسبياً، بالتزامن مع صعود الفضائيات في التسعينيات وتحوّلها إلى قوّة أساسية في توجيه السوق الموسيقية وتحديد أنماط الانتشار والنجومية. وأصبحت صورة الفنان عنصراً أساسياً في انتشار الأغنية وتسويقها، ما منحها حضوراً أقوى عبر التلفزيون أكثر من ساحة الرقص نفسها.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">أمّا الحفلة، فيؤكد علي أنها كانت تُبنى كمسار، له </span><a href="https://www.youtube.com/watch?v=B6LhWbQthAI" target="_blank" rel="noopener"><span style="font-weight: 400;">بداية تمهيدية</span></a><span style="font-weight: 400;">، ثم تصاعد تدريجي، وصولاً إلى ذروة، لتنتهي غالباً بأغنية طربية </span><a href="https://www.youtube.com/watch?v=A7OV-tOL3w0" target="_blank" rel="noopener"><span style="font-weight: 400;">لملحم بركات</span></a><span style="font-weight: 400;"> أو </span><a href="https://www.youtube.com/watch?v=dRsLi6htb8A" target="_blank" rel="noopener"><span style="font-weight: 400;">وردة</span></a><span style="font-weight: 400;">. يضبط الدي جاي الانتقال بين اللحظات، حسب تجاوب الناس وطبيعة المناسبة. كما يقول يوسف: &#8220;الحفلة الناجحة هي اللي ما بتوقف أنفاسها&#8221;. لهذا كانت الحفلات تُحضّر عبر أشرطة &#8220;Best Of&#8221; مرتبة، مع تسلسل يسهّل الانتقال. لكن بقي لكل واحد أسلوبه، منهم من يختار تبديل الأغاني السريع ومنهم من يفضل التدرّج. ويضيف يوسف: &#8220;كنت حطّ الأغنية الجديدة قبل ما تخلص اللي قبلها. الناس بدها تكفّي&#8221;.</span></p>
<p><img loading="lazy" decoding="async" class="aligncenter size-full wp-image-81222" src="http://untoldmag.org/wp-content/uploads/2026/06/image-5.png" alt="" width="599" height="561" srcset="https://untoldmag.org/wp-content/uploads/2026/06/image-5.png 599w, https://untoldmag.org/wp-content/uploads/2026/06/image-5-300x281.png 300w" sizes="(max-width: 599px) 100vw, 599px" /></p>
<p><span style="font-weight: 400;">تداخلت الأنماط بين الأشرطة والأماكن، فاجتمعت اليورودانس والبوب والهيب هوب مع الأغاني العربية وفق مزاج موسيقي واحد، وتحوّلت بعض الأغاني إلى ذاكرة مشتركة لأغاني يعرفها الجميع وينتظرها، فتُعاد عبر السهرات. وكانت الأغاني الأجنبية تحمل أحياناً معنى يتجاوز اللحن نفسه، إذ ارتبط تشغيلها بإحساس بالانتماء إلى ثقافة شبابية عالمية وأنماط حياة تُعتبر حديثة آنذاك. في المقابل، بقيت الأغنية المصرية الأقرب من حيث اللغة والإحساس، يستخدمها الدي جاي لصناعة لحظات مشتركة يسهل التفاعل معها. وبين هذين البعدين، كانت الحفلة تتحرك، بين ما يصل من السوق الخارجي وما يتكوّن فيها.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">في هذه الدائرة، تكوّن جو التسعينيات الموسيقي كما عاشه هؤلاء، من المزج الدائم بين الموسيقى العالمية والأنماط المحلية، عبر ممارسات استماع أعادت تكييف ما يصل من الخارج في سياقات اجتماعية خاصة.  مع مرور السنوات، أصبحت الأغاني أقرب إلى هذه اللحظات الجماعية من كلماتها نفسها، تنتقل كتجربة مرتبطة بمكان وزمان محددين. فظهر شكل من الحياة الليلية في بعض الأحياء الهامشية، تقاطع مع أنماط أوسع من الاستهلاك والثقافة الشبابية.</span></p>
<h2><b>من بيروت إلى الضيعة: مسارات الكاسيت</b></h2>
<p><span style="font-weight: 400;">كانت هذه الحياة الليلية تُولد في المدينة، لكنها لا تبقى فيها. فقد عاش هؤلاء الدي جايز في بيروت، لكنهم ظلّوا على صلة دائمة بقريتهم في جبل عامل، يعودون إليها في الصيف والعطل. فمهّد ذلك لسهرات جمعت مراهقين وشباباً في بدايات العشرينيات، لم تكن مألوفة بسهولة من قبل، خصوصاً في قرى أخرى بجبل عامل، حيث كانوا يكتشفون من خلالها أنفسهم وعلاقاتهم بمحيطهم الأوسع. وبين الذهاب والإياب، كانت الأشرطة تتحرّك معهم، متنقلة بين إيقاعين: سهرات يغلب عليها الهاوس واليورو دانس والأغاني الأجنبية، وأخرى تحضر فيها الدبكة والأغاني العربية. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">في بيروت، كانت الحفلات الخاصة تُقام في منازل خالية من الأهل، بين أصدقاء ومعارف، في أجواء مفتوحة للاختلاط والتعارف. يخرج شاب إلى وسط الحلقة، يحاول لفت انتباه فتاة ودعوتها إلى الرقص، أحياناً بإشارة خفيفة عبر القدم. قد تستجيب، أو تكتفي بابتسامة وتنسحب. من حولهما، يتحرّك الآخرون، يرقصون أو يراقبون. يبدو المشهد عفوياً، لكنه لم يكن يُعاش بالطريقة نفسها من الجميع.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">في الضيعة، تصبح هذه العلاقات أكثر انكشافاً. يرقص الشباب والصبايا معاً، لكن بتباعد أكبر، مع حضور أوسع لأهالي القرية، حيث تبقى نظرات الكبار قريبة حتى من دون تدخّل مباشر. وإذا طال التفاعل بين شاب وفتاة أو تكرّر، يتحوّل إلى حديث في اليوم التالي، ويؤثر على صورة الحاضرين وسمعتهم؛ خصوصاً الصبايا، اللواتي كنّ يوازنّ بين رقابة الأهل وكلام الناس والانتباه لتصرّفاتهن خلال السهرة من جهة، ورغبتهن في المشاركة وما يُسمح لهن به وتجنّب التعليقات من جهة أخرى، في فضاء بقيت حركتهن فيه أكثر هشاشة وحساسية تجاه نظرات الآخرين وتعليقاتهم. هكذا كانت الحفلة تمتدّ إلى ما بعد لحظتها، وتحمل معها أثرها في الجماعة.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">كما لعبت الهجرة دوراً مهماً في تشكيل هذه الحفلات؛ فكثير من أبناء القرى هاجروا إلى الولايات المتحدة وعادوا في الصيف حاملين معهم ألبسة وأشرطة وأذواقاً جديدة: جينزات Levi’s، كاسيتات مسجّلة، وأغانٍ لم تكن قد وصلت بعد إلى السوق المحلية. دخلت هذه العناصر إلى الحفلات، وأثّرت على ما يُسمع وما يُلبس وما يُعتبر حديثاً، ومعها، تحوّلت بعض المساحات، خصوصاً الفيلات الفارغة، إلى نقاط لقاء سهّلت انتشار حفلات كهذه.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">يضحك محمّد وهو يتذكّر المنافسة بين المجموعات لتحضير الحفلات: &#8220;أوقات مجموعة أصغر تعمل حفلة لتسبقنا، فنردّ بحفلة أكبر عند ابن زهية الأميركية&#8221;. أحياناً تبدأ الحفلة من دون تجهيزات: تُفتح سيارة، يرتفع الصوت، وتجتمع الحلقة. وفي حالات أخرى، تُنقل العدّة وتُركّب، فتتكيّف الموسيقى مع السياق، وتتراوح بين أغنيات غربية ودبكة بحسب الناس.</span></p>
<p><img loading="lazy" decoding="async" class="aligncenter size-full wp-image-81224" src="http://untoldmag.org/wp-content/uploads/2026/06/image-4.png" alt="" width="599" height="371" srcset="https://untoldmag.org/wp-content/uploads/2026/06/image-4.png 599w, https://untoldmag.org/wp-content/uploads/2026/06/image-4-300x186.png 300w" sizes="(max-width: 599px) 100vw, 599px" /></p>
<p><span style="font-weight: 400;">لم تكن هذه الممارسات منفصلة تماماً عن أشكال أقدم من الاجتماع، مثل الدبكة والغناء الجماعي والمجوز والميجانا والعتابا، التي عرفتها قرى جبل عامل، حيث كان الناس يجتمعون في الساحات والبيدر، تدبك النساء والرجال في حلقات، ويشارك الحاضرون في صنع الإيقاع عبر التصفيق وضرب الأقدام، مع تفاعل عازف المجوز أو المغنّي مع الحضور.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">لكن مع الكاسيت، تغيّر شكل هذه الحفلات. صار الإيقاع يُحضَّر مسبقاً، وينتقل مع الشريط. يقف الدي جاي خارج الحلقة قليلاً، يختار أغاني مسجّلة مسبقاً، ويحدّد تسلسلها. فتحوّل جزء من الفرح الجماعي من فعل حي يُبنى عبر المغني والعازف والجماعة، إلى مسار يعدّه الدي جاي سلفاً عبر شريط مُسجَّل في زمن ومكان آخرين، رغم استمرار تفاعل الناس مع الأغاني بالغناء والحركة والصراخ في هذا الإطار؛ مما أثّر على شكل التعبير عن الفرح الجماعي، فتقلّصت مساحات الارتجال والتفاعل والغناء المباشر.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">ولم تخلُ هذه السهرات من التوتر؛ فهي لم تكن مألوفة تماماً في محيطها، وتراوح التعامل معها بين القبول والتحفّظ والانتقاد. أحياناً يشتكي الجيران، أو تُبذل محاولات لإيقاف الحفلة. &#8220;كانوا يطلبوا نخفّف… بس كنّا نكمّل&#8221;، يقول يوسف. فقد كانت هذه المناسبات مساحة تفاوض مستمر حول استخدام المكان، ومستوى الصوت، ومدة السهرة، وحدود ما يُعتبر &#8220;زيادة عن اللزوم&#8221; بين شاب وفتاة. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">تأتي الضغوط أحياناً من أبناء القرية المتزمّتين أو من المنتسبين إلى حزب الله، وأحياناً من كلام الناس نفسه، كنوع من الرقابة المستمرة، تغذّيها صورة الشباب &#8220;الفلتانة&#8221; في نظر البعض. لم يكن دائماً منعاً قاطعاً، لكنّه كان إطاراً يعرف الجميع كيف يتحرّك فيه أو يلتفّ حوله. فيُخفَّض الصوت بعد ساعة معيّنة، تُؤجَّل بعض الأغاني إلى وقت متأخر، أو تُشرب بيرة بعيداً عن العيون؛ فتستمرّ السهرة ضمن هذه الحسابات الصغيرة. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">في النهاية، كانت هذه الحفلات جزءاً من حياة تُعاش في جغرافيات اجتماعية وسياسية محددة، بكل ما فيها من حدود وتسويات ووصم اجتماعي أوسع قد يحيط بهؤلاء الشباب والصبايا. داخلها، كانت تُختبر العلاقات والغراميات، وتُبنى لحظات من القرب والمرح إلى جانب المشاكل والاحتكاكات، فيتشكّل زمن خاص مرتبط بإيقاع الليلة، من دون أن ينفصل عن القيود التي تحيط به. وفي الوسط، كان الدي جاي ومعه الكاسيت، يربطان بين هذه الأمكنة، وينسجان لحظات مشتركة، تبقى في الذاكرة وتنتقل بين الناس.</span></p>
<h2><b>ما يبقى من الليل: ذاكرة صغيرة لزمن تغيّر</b></h2>
<p><span style="font-weight: 400;">حين أستعيد اليوم قصص علي ومحمّد ويوسف، أعود إلى مسارات يمكن تتبّعها عبر بقايا أشرطة وصور وذكريات. هو أرشيف حميمي صغير يفتح لحظات من زمن ما بين الحروب، ويستحضر تفاصيل لم تدخل في السرديات الكبرى. من خلاله، تظهر أشكال من السهر والتنقّل والعمل، في مناطق امتدّت بين بيروت وقرى جبل عامل. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">تأتي هذه التجارب خلال مرحلة أعادت فيها المدينة والقرى ترتيب نفسها بعد الحرب الأهلية، وظهرت فيها أماكن متعدّدة للسهر واللقاء، بين صالات وبيوت خاصة. ساهم الدي جاي والأشرطة في نقل الموسيقى بين هذه الأماكن، وربطها عبر الاستخدام المتكرر، وغيّرا طرق الاستماع والاحتفال بين العام والخاص. </span></p>
<p><img loading="lazy" decoding="async" class="aligncenter size-full wp-image-81226" src="http://untoldmag.org/wp-content/uploads/2026/06/image-3.png" alt="" width="500" height="500" srcset="https://untoldmag.org/wp-content/uploads/2026/06/image-3.png 500w, https://untoldmag.org/wp-content/uploads/2026/06/image-3-300x300.png 300w, https://untoldmag.org/wp-content/uploads/2026/06/image-3-150x150.png 150w, https://untoldmag.org/wp-content/uploads/2026/06/image-3-75x75.png 75w, https://untoldmag.org/wp-content/uploads/2026/06/image-3-350x350.png 350w" sizes="(max-width: 500px) 100vw, 500px" /></p>
<p><span style="font-weight: 400;">ومعها، تشكّل مشهد سمعي جديد، ابتعد عن الحي والعائلة نحو ثقافة شبابية مرتبطة بالكاسيت والرقص والقنوات الفضائية. بقيت هذه الأغاني في الذاكرة، لا بكلماتها فقط، بل بالرقص والحركة وما رافقها من طرق جديدة للاجتماع والعيش وتخيّل الحياة الحديثة.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">لذا، يمكن قراءة هذه التجارب في هذه الدوائر كجزء من تاريخ الترفيه، حيث تتقاطع الحركة بين المدينة والضيعة مع شبكات العمل والعلاقات، في فضاء مليء بالحدود والتوازنات وعلاقات القوة. في مناطق تُختزل اليوم غالباً في صور نمطية عن الانغلاق أو الانضباط، تكشف هذه الحكايات عن مساحات من التجريب والاختلاف، مهددة اليوم بالنسيان مع ما تتعرّض له هذه الأمكنة من محاولات محو.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">بعد عام 2000، تفرّقت الطرق. من هاجر، ومن تزوّج، ومن انشغل بالعمل. انتهت تلك المرحلة كما تنتهي مراحل كثيرة. بالنسبة إلى علي ومحمّد ويوسف، كانت تلك السنوات زمن البدايات والحلم، وزمن التعلّم والانشغال بالصوت والحفلات، قبل أن تدخل حياتهم في إيقاع آخر.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">ومع ذلك، بعض الأشياء بقيت. ما زال يوسف يحتفظ بتسجيلات من تلك الفترة. يقول: &#8220;لليوم عندي بلاي ليست من هديك الفترة. أوّل ما أسمعها برجع لهيديك الليالي وبعيش اللحظة&#8221;. مع هذه الأغاني، يعود يوسف إلى زمن كامل، بإيقاعه وتفاصيله، وبما حمله من إمكانيات وحدود. </span></p>
<p>The post <a rel="nofollow" href="https://untoldmag.org/ar/%d8%b0%d9%83%d8%b1%d9%8a%d8%a7%d8%aa-%d8%a7%d9%84%d8%af%d9%8a-%d8%ac%d8%a7%d9%8a-%d8%a8%d9%8a%d9%86-%d8%a8%d9%8a%d8%b1%d9%88%d8%aa-%d9%88%d8%ac%d9%86%d9%88%d8%a8-%d9%84%d8%a8%d9%86%d8%a7%d9%86-%d8%a7/">ذكريات الدي جاي بين بيروت وجنوب لبنان: الكاسيت وما تبقّى من أصواته</a> appeared first on <a rel="nofollow" href="https://untoldmag.org/ar/">Untold</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>2013 – الشروع في العملية: مقتطف من رواية لقد كانت أياماً</title>
		<link>https://untoldmag.org/ar/2013-getting-the-process-going-an-excerpt-of-the-novel-there-were-days/</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[لونا علي]]></dc:creator>
		<pubDate>Thu, 22 May 2025 12:03:21 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[أبدٌ يتفكك]]></category>
		<category><![CDATA[تعليق]]></category>
		<category><![CDATA[ثقافة]]></category>
		<category><![CDATA[حكاية]]></category>
		<category><![CDATA[سياسة]]></category>
		<category><![CDATA[مجتمع]]></category>
		<category><![CDATA[مراجعة]]></category>
		<category><![CDATA[Berlin]]></category>
		<category><![CDATA[Borders]]></category>
		<category><![CDATA[Displacement]]></category>
		<category><![CDATA[Exile]]></category>
		<category><![CDATA[Literature]]></category>
		<category><![CDATA[Prose]]></category>
		<category><![CDATA[اوروبا]]></category>
		<category><![CDATA[حرب]]></category>
		<category><![CDATA[سوريا]]></category>
		<category><![CDATA[هجرة]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://untoldmag.org/2013-getting-the-process-going-an-excerpt-of-the-novel-there-were-days/</guid>

					<description><![CDATA[<p>بين البلاط المتشقق لمكتب الأجانب الألماني، يشعر آراس بثقل شعب وقع في دائرة من الاضطرابات الثورية، وقمعه المروع وبيروقراطية المنفى.</p>
<p>The post <a rel="nofollow" href="https://untoldmag.org/ar/2013-getting-the-process-going-an-excerpt-of-the-novel-there-were-days/">2013 – الشروع في العملية: مقتطف من رواية لقد كانت أياماً</a> appeared first on <a rel="nofollow" href="https://untoldmag.org/ar/">Untold</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p><span style="font-weight: 400;">كانت الأرض المرصوفة غير مستوية، شقّت الجذور في أماكنٍ طريقها نحو الأعلى، فبرز بعضُ بلاط الأرصفة، والتفّ الطحلب حول الأطراف، يعانق الحجر. بعدها يأتِ شارع بلا سيارات، أعمدة لصفّ الدراجات، قليل منها، سلّم، و درابزين معدني. ثمّ واجهة حجرية بنيّة أطلَقت من صدر آراس تنهيدة ثقيلة. لقد كره هذا المبنى بشدة، وكرهت عيناه هذا المشهد، هذه الواجهة الحجرية الفظّة. وامتدت كراهيته لكل ما هو حوله، حتى قليلاً لنفسه. لم يكن آراس وحيدأً في ذلك، ولربما حتى في هذا الكره. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">أفسحت الحجارة المرصوفة إلى جانبه الطريقَ لوالدته ومعلمته السابقة في اللغة الألمانية. &#8220;شكراً لانضمامك إلينا. هذا يعني لنا الكثير!&#8221; قال آراس للسيدة هوفمان، ممتنًا ومومئاً برأسه.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">كانت السيدة هوفمان امرأة طويلة القامة، قصيرة الشعر الأجعد الرمادي. كانت منتفخةَ الجفون. إذ أصبحت الليالي أقصر مع تقدم العمر. كان وجهها طويل ومجعد وكانت لديها وقفة مائلة بعض الشيء، ليس بسبب الإنهاك أو عناء العمل المدرسي والضغوط المرتبطة به. إنما كان معظم طلابها صغار القامة، يجلسون في مقاعدهم أمامها. وكانت قد اعتادت على ألا تتحدث إليهم من علو. كان آراس قد شكر السيدة هوفمان حينها ربما لمئات من المرات، بينما طلبت منه هي أن يناديها، دون تكلّف، بـإسمها الأول. لكن الوقت كان لايزال مبكراً، وكانت هي في مخيلة آراس لا تزال معلمة اللغة الألمانية، شخصاً يجب احترامه. &#8220;أنا أفعل ذلك بسرور!&#8221;، أكّدت السيدة هوفمان.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">كانت والدته تقف بجانبها، تحمل ملفاً مليئاً بالأوراق. استدارت السيدة هوفمان إلى نادية: &#8220;لا أعرف ما إذا كان آراس قد أخبركِ، لكنني في الحقيقة قضيت عطلة مع عائلتي في حلب. مدينة رائعة للغاية، مدينة جميلة جداً.&#8221; مالت نادية برأسها وسألت: &#8220;هل زرتم القصر؟&#8221; – &#8220;القلعة&#8221;، صحّح آراس. &#8220;نعم، بالطبع سمعت أنها دُمرت&#8221; – &#8220;فقط الجهة الخلفية&#8221;، أجاب آراس. &#8220;فقط الجهة الخلفية&#8221;، أومأت نادية برأسها.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">عندما كان آراس صبياً صغيراً، كان يتوه باستمرار في أروقة القلعة، باحثًا دائمًا عن مشهد جديد لاكتشافه. ذات مرة، كان برفقة أحد أقاربه، يبحثان عن التلة التي يُقال إن إبراهيم قد حلب فيها بقرة، وهو السبب الذي نالت بسببه المدينة التي عاشوا فيها اسم &#8220;حلب&#8221;، الشهباء، مثل الحليب الذي حلبه. كان الضياع في القلعة أشبه بطقس معتاد، حيث يتلاشى الزمن، ويظهر في كل مرة شيء جديد يستحق الاكتشاف. في إحدى المرات، مع قريب آخر، عثرا على قبر الابن الثالث لصلاح الدين. وفي مرة أخرى، تسلّقا إلى الزنزانات التي كانت تُستخدم سابقًا لتخزين الحمضيات. قادهم البحث في النهاية إلى قاعة العرش، واحدة من الغرفتين الوحيدتين اللتين بقيتا على حالتهما الأصلية، على الرغم من أن أحدًا لم يكن يعتقد بصحة ذلك. أما النقوش والهندسة المعمارية فقد كانت بالفعل بتصميمها الأول. كان آراس يجلس هناك محاولاً دائمًا عدّ المربعات والمثلثات المتداخلة، لكنه لم يصل يوماً إلى النهاية. كانت القلعة بالنسبة له متاهة شاسعة، ملعبًا مليئًا بالمغامرات. لم يكن آراس يضيع حقًا هناك، فقد اعتاد الزوار الآخرون رؤية أطفال مثله يتجولون دون ذويهم، وكان يتم إعادته في كل مرة إلى المدخل الرئيسي، حيث كان ينتظر مع الحراس. وأثناء الإنتظار، كان يتخيل المعارك التي استعصت فيها القلعة على السقوط، بفضل خندقها العميق، إلى أن تصل عائلته ويعود للانضمام إليهم. في ذلك الوقت، لم يدرك أحد أن القلعة ستتعرض لمزيد من الأضرار، وأن الدمار المتزايد للمدينة لن يكون سوى نبوءة زائفة لماضٍ كان فيه لقب &#8220;حلب الشهباء&#8221;، الذي كان يعني في السابق الرخام الأبيض المخلوط بالأسود، أما الآن فهو يعني الرماد والأنقاض.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">كانت الأرض تمنح سطحها الثابت وغير المستوي للناس المتجمعين حولها. كانت الأنظار تتوجه إلى الساعات على المعاصم وإلى الهواتف المحمولة، نظرات قلقة تملأ المكان. كانت السجائر تجد طريقها إلى بعض الأفواه، بينما كان آخرون منهمكين في أحاديث جانبية مع رفقائهم. قلة فقط كانوا قد حضروا بمفردهم، وهؤلاء الذين جاؤوا وحدهم كانوا يلتفتون حولهم. أن تكون وحيدًا هنا يتطلب أعصابًا قوية، فكر آراس وابتسم لنفسه. سيتم إدخال نظام المواعيد لاحقًا، وسيتم تحويل كل شخص إلى قائمة انتظار مرتبة أبجدياً عبر هاتفه المحمول.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">عندما فُتحت الأبواب، وإذ بها ابتلعت من كان يقف مباشرة أمامها. من دخل أولاً كان كالذي طُحن في مطاحن بطيئة الحركة. استقبل المدخل كلاً من السيدة هوفمان وآراس ونادية. كانوا يسيرون بخطى هادئة وغير مستعجلة، خالية من التردد، لكن بلا ثقة كبيرة. الأرضية كانت تعكس صدى خطواتهم، مكسوة بالبلاط، وفي مواجهتهم كان مكتب الاستقبال. إلى اليمين كان الطريق يؤدي إلى مكتب المواطنين، بينما اتجهوا هم إلى اليسار، صاعدين الدرج. كان السيليكون على درابزين الدرج باللون الأحمر وقد بدا مهترئاً. الباب الذي وقفوا أمامه الآن كان بلون أخضر نعناعي، بمقبض فضي خالٍ من الزخارف. تجمّع حول الباب خمسة أشخاص، دون ترتيب واضح. سجّل آراس الوجوه في ذاكرته، آملاً أن تتذكر هذه الوجوه بدورها وربما الباب كذلك وجهَه أيضاً، عندما يظهر الوجه السادس ليحدد من سيكون التالي.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">آخر مرة غادر فيها آراس هذا المبنى كانت قبل أربع سنوات، وقد اعتقد حينها أنها ستكون المرة الأخيرة بالفعل. كان وداعاً سعيداً، رغم أنه لم يكن من السهل عليه تصديق ذلك. عندما بدأت أسماء الموتى تضاف، كل يوم جمعة، واحداً تلو الآخر إلى الأغاني. عندما انقطعت الكهرباء والمياه ووسائل الاتصال عن المدن، وازدادت الاعتقالات وبدأ الناس يختفون بشكل متزايد. حين قرر الديكتاتور، الذي وصف شعبه بأنه غير متعلم بما يكفي للإصلاحات، قمعَ الثورة تحت سماء محصنة بالرصاص، رافعاً شعار &#8220;الأسد أو نحرق البلد&#8221;. كانت الجدران تردد: &#8220;الأسد إلى الأبد&#8221;، تكراراً ومراراً. وعندما اتحد الجنود الذين رفضوا إطلاق النار على إخوتهم وأخواتهم وأصدقائهم وجيرانهم وأقاربهم وشكلوا الجيش السوري الحر، كانت نادية تتنقل بين شاشة الكمبيوتر والشوارع، أمام السفارات والمباني البرلمانية أو البلدية، على أمل سماع رسالة واحدة تنهي كل شيء. في ذلك الوقت، أدرك آراس أنه لن يطول الأمر قبل أن يستعيد هذا المبنى نظرته إليه. والآن، بعد عامين، حدث ذلك بالفعل؛ فالوداعات ليست أبداً للأبد.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">بينما كان الاتحاد الأوروبي في مثل هذا اليوم يناقش مسألة تزويد الثوار السوريين بالأسلحة، وكانت ألمانيا ترى أن هذه الخطوة ليست بفكرة جيدة لأنها ستدفع الطرف الآخر إلى تعزيز تسلحه أيضاً، كان الدرابزين المقابل للباب الأخضر النعناعي يمنح آراس بعض الدعم. أما البلاط تحت قدميه، فقد أثار قلقه. فقد جذب انتباهه بتشققه وتمزقه في بعض الأماكن، وكأنه شهد مقاومة عنيفة، كما لو أن شخصاً ما حاول تدمير هذا المكان بقدميه مراراً، محاولات يائسة. هل كانت هذه الشقوق علامة على اتفاق ضمني بين الشرطة والأرض، حيث تقدم الشرطة وجوهاً مختلفة، بينما تمارس الأرض صرامة السلطة؟ امتلأ مجال رؤية آراس باللون الأحمر.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">إلى جانبه، كانت نادية والسيدة هوفمان تتحدثان. &#8220;هل يمكنك من فضلك الترجمة؟&#8221;، طلبت والدته منه. بدأ آراس بالترجمة: &#8220;رجل يقف أمام المحكمة، وقد حكم عليه القضاة الثلاثة بالإعدام.&#8221; &#8220;مُنح الرجل أمنية أخيرة، كما هو المعتاد. معظم الناس يطلبون رؤية والدتهم مرة أخرى، أو الطعام، أو ما شابه. لكن الرجل اعتقد أنه ذكي، وطلب أن يتعلم اللغة الألمانية.&#8221; نادية كانت تستعد لإلقاء النكتة بابتسامة. &#8220;قال القاضي الأول: &#8216;لا، لا يمكننا تلبية هذه الأمنية.&#8217; وافقه القاضي الثاني قائلاً: &#8216;سيستغرق ذلك وقتاً طويلاً للغاية. ولن يتم تنفيذ الحكم بهذه الطريقة أبداً.'&#8221; تذكر آراس أنه يعرف النكتة بالفعل، واستعد لرد فعل السيدة هوفمان. &#8220;قال القاضي الثالث: &#8216;ينبغي علينا تلبية أمنيته. سيكون هو من ينفذ حكم الإعدام بنفسه.'&#8221; شارك الناس الواقفون حولهم في الضحك، بينما ضحكت السيدة هوفمان وقالت: &#8220;سأروي هذه النكتة لطلابي، إنها رائعة&#8221;.</span></p>
<hr />
<p><span style="font-weight: 400;">لقد كانت أياماً (العنوان الأصلي باللغة الألمانية، &#8220;Da waren Tage&#8221;) هي أول رواية للكاتبة لونا علي، كتبت ونشرت باللغة الألمانية بواسطة S. Fischer عام 2024.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">يراقب آراس بطل الرواية، الثورة السورية من مسافة بعيدة. ولد آراس في حلب لكنه نشأ في ألمانيا، وكان في الفصل الدراسي الأول بكلية الحقوق في عام 2011 عندما بدأت الثورة. ومع تصاعد العنف في سوريا، يتغلغل الصراع بشكل متزايد في حياته في ألمانيا. من قاعات المحاضرات إلى مكاتب الهجرة، أثناء التدريب في الأردن، أو كضيف في برنامج حواري سياسي، يستعيد آراس ذكرى الثورة كل عام باعتبارها اندماجًا بين الواقع والخيال. وبالتالي، تتساءل رواية لقد كانت أياماً كيف تشكل الرغبة في الحرية &#8211; وقمع تلك الرغبة &#8211; حياة وأفعال ولغة بطل الرواية في الشتات.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">المقتطف من الفصل الثالث. يتناول الفصل التأثير الأكثر مباشرة لقمع الثورة السورية على آراس: رغبة عائلته في الهروب من الحرب. تدور أحداث الفصل في 15 مارس 2013، في مكتب الأجانب (Ausländerbehörde)، حيث يحاول آراس ووالدته نادية و السيدة هوفمان، معلمة الألماني السابقة، تقديم إعلان التزام لتأمين لم شمل الأسرة &#8211; الممر الآمن الوحيد بين سوريا وألمانيا في ذلك الوقت. لتحقيق هذه الغاية، يعتمدون على السيدة هوفمان، التي يؤهلها دخلها لتقديم ضمان (Bürgschaft). يستكشف الفصل البيروقراطية اللاإنسانية لمكتب الأجانب، والتي تقلل من شأن الأفراد وتحولهم الى خاضعين بينما تفكك أيضًا شبكة معقدة من السياسة، و(ما بعد) الاستعمار، والقرابة، مما يعزز في نهاية المطاف التضامن.</span></p>
<p>&nbsp;</p>
<hr />
<h6 style="text-align: right;" data-start="0" data-end="111"><strong>كُتب هذا النص قبل فبراير 2025.</strong><br data-start="30" data-end="33" /><strong>النص جزء من ملف “<a href="https://untoldmag.org/ar/category/archive-writing-ar/">أبدٌ يتفكك</a>“، من إعداد وتنسيق فيرونيكا فيريري وإنانا عثمان.</strong></h6>
<p style="text-align: right;"><strong><img loading="lazy" decoding="async" class="wp-image-79463 size-full alignleft" src="http://untoldmag.org/wp-content/uploads/2025/05/Screenshot-2025-05-23-at-12.50.11 p.m.png" alt="" width="132" height="82" /></strong></p>
<h6 style="text-align: right;" data-start="113" data-end="169"><strong>الملف ثمرة تعاون بين “Archivwar” و”Untoldmag” و”<a href="https://www.arabpop.it/" target="_blank" rel="noopener">Arabpop</a>“</strong></h6>
<h6 style="text-align: right;" data-start="171" data-end="196"><strong>التنسيق البصري: غريغ أولا</strong></h6>
<h6 style="font-weight: 400; text-align: right;"></h6>
<p>&nbsp;</p>
<h6 style="text-align: right;"><span style="font-weight: 400;"><img loading="lazy" decoding="async" class="wp-image-79465 alignleft" src="http://untoldmag.org/wp-content/uploads/2025/05/Screenshot-2025-05-23-at-12.50.27 p.m-300x97.png" alt="" width="254" height="82" srcset="https://untoldmag.org/wp-content/uploads/2025/05/Screenshot-2025-05-23-at-12.50.27 p.m-300x97.png 300w, https://untoldmag.org/wp-content/uploads/2025/05/Screenshot-2025-05-23-at-12.50.27 p.m.png 438w" sizes="(max-width: 254px) 100vw, 254px" /></span></h6>
<h6 style="text-align: right;" data-start="282" data-end="555">حصل هذا المشروع على تمويل من برنامج الاتحاد الأوروبي “هورايزون أوروبا” للبحوث والابتكار، في إطار اتفاقية منحة “ماري سكلودوفسكا-كوري” رقم 101064513 تحت عنوان:<br data-start="439" data-end="442" /><strong data-start="442" data-end="526">“ARCHIVWAR – الأرشيف في زمن الحرب: عائلات متفرقة وماضٍ يتلاشى في سوريا المعاصرة”</strong>، بتمويل من الاتحاد الأوروبي.</h6>
<h6 style="text-align: right;"></h6>
<h6 style="text-align: right;"><span style="font-weight: 400;"><img loading="lazy" decoding="async" class="wp-image-79467 alignleft" src="http://untoldmag.org/wp-content/uploads/2025/05/Screenshot-2025-05-23-at-12.50.19 p.m-300x105.png" alt="" width="240" height="84" srcset="https://untoldmag.org/wp-content/uploads/2025/05/Screenshot-2025-05-23-at-12.50.19 p.m-300x105.png 300w, https://untoldmag.org/wp-content/uploads/2025/05/Screenshot-2025-05-23-at-12.50.19 p.m.png 388w" sizes="(max-width: 240px) 100vw, 240px" /></span></h6>
<h6 style="text-align: right;" data-start="557" data-end="754">الآراء والمواقف المعبر عنها في هذا المشروع تعود حصريًا للمؤلفين ولا تعكس بالضرورة آراء الاتحاد الأوروبي أو الوكالة الأوروبية التنفيذية. ولا يتحمل الاتحاد الأوروبي ولا الجهة المانحة أي مسؤولية عنها.</h6>
<h6 style="text-align: right;"></h6>
<p>The post <a rel="nofollow" href="https://untoldmag.org/ar/2013-getting-the-process-going-an-excerpt-of-the-novel-there-were-days/">2013 – الشروع في العملية: مقتطف من رواية لقد كانت أياماً</a> appeared first on <a rel="nofollow" href="https://untoldmag.org/ar/">Untold</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>أن تقرأ بيل هوكس في باريس</title>
		<link>https://untoldmag.org/ar/%d8%a3%d9%86-%d8%aa%d9%82%d8%b1%d8%a3-%d8%a8%d9%8a%d9%84-%d9%87%d9%88%d9%83%d8%b3-%d9%81%d9%8a-%d8%a8%d8%a7%d8%b1%d9%8a%d8%b3/</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[آية بازين]]></dc:creator>
		<pubDate>Tue, 05 Nov 2024 10:54:51 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[تعليق]]></category>
		<category><![CDATA[ثقافة]]></category>
		<category><![CDATA[جندر]]></category>
		<category><![CDATA[الجزائر]]></category>
		<category><![CDATA[تقاطعية]]></category>
		<category><![CDATA[فرنسا]]></category>
		<category><![CDATA[مهجر]]></category>
		<category><![CDATA[نسوية]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://untoldmag.org/?p=78262</guid>

					<description><![CDATA[<p>تجربة ايمان خليف ليست حادثة منعزلة بل تعكس نمطًا أوسع من الإقصاء الذي واجهته النساء من الجنوب العالمي، والنساء الملوّنات، والمجموعات المهمّشة الأخرى لعدّة قرون.</p>
<p>The post <a rel="nofollow" href="https://untoldmag.org/ar/%d8%a3%d9%86-%d8%aa%d9%82%d8%b1%d8%a3-%d8%a8%d9%8a%d9%84-%d9%87%d9%88%d9%83%d8%b3-%d9%81%d9%8a-%d8%a8%d8%a7%d8%b1%d9%8a%d8%b3/">أن تقرأ بيل هوكس في باريس</a> appeared first on <a rel="nofollow" href="https://untoldmag.org/ar/">Untold</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p><span style="font-weight: 400;">شهدت أولمبياد باريس المُقامة هذا الصيف لحظات من النصر والتفوّق الرياضيّ، لكنّها أيضًا سلّطت الضوء على فجوة عميقة في كيفيّة الاحتفال بالنجاح، خاصّة عندما يتعلّق الأمر بالرياضيين من الجنوب العالمي. حقّقت الملاكمة الجزائرية إيمان خليف فوزًا مذهلًا بالميدالية الذهبية في أولمبياد باريس، وهو بلا شكّ إنجاز تاريخي. ومع ذلك، طغى على الاحتفاء بها موجة من الجدل – دارت ليس حول مهاراتها أو إصرارها، بل حول جنسها. الشائعات والتكهنات حول هويّة خليف، التي نفتها مرارًا وتكرارًا كل من الاتحاد الجزائري واللجنة الأولمبية، أصبحت محور الاهتمام لكثيرين، ما يكشف عن الطرق الخبيثة التي تستمرّ بها العنصرية والتمييز الجنسي في تشكيل الخطاب في الفضاءات الرياضية والنسويّة على حد سواء.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">تعامل الإعلام والجمهور مع إيمان خليف يسلّط الضوء على مشكلة أعمق تتعلّق بمن يُسمح له بأن يجسّد النجاح والأنوثة، خاصة ضمن الحدود الضيقة للأفكار النسويّة الغربية. في دراسة هذا الجدل، تقدّم الكاتبة النسويّة الأميركية بيل هوكس إطارًا حيويّا لفهم كيفيّة استمرار الممارسات الإقصائيّة داخل الحركات النسويّة في تهميش النساء الملوّنات. تقول هوكس في كتابها &#8220;</span><b>نظرية نسوية: من الهامش إلى المركز</b><span style="font-weight: 400;">&#8221; ، أن أي نسويّة لا تتعامل مع قضايا العرق والطبقة والإمبريالية تفشل في تقديم رؤية شاملة للعدالة. حالة خليف توضّح كيف تظهر هذه الممارسات الإقصائيّة في السيناريوهات الواقعيّة، حيث يتم نزع الشرعيّة عن إنجازات النساء من الجنوب العالمي من خلال عدسات عنصريّة وجنسيّة.</span></p>
<h3><b>بيل هوكس حول التقاطعية: جوهر النضال النسوي</b></h3>
<p><span style="font-weight: 400;">في كتابها &#8220;النظريّة النسويّة: من الهامش الى المركز&#8221; تعتبر بيل هوكس أن النسويّة فعل تقاطعيّ صرف، قائم بشكل كامل وتام على دفع الظلم عن كل النساء. أن تتماهى مع تلك وتنسى الأُخرى، أن تدافع عن واحدة وتتهجّم على الثانية، أن تكون هنا ولا تكون هناك، كلها أفعال مجانبة لجوهر النسويّة وخيانة للكفاح الجماعي من أجل المساواة. وتوضّح أن أي نضال نسويّ يسعى إلى المساواة دون مكافحة العنصريّة والتفوّق الأبيض هو أعرج بطبيعته. وبهكذا يفشل هذا الحراك القاصر عن إدراك الترابط بين الاضطهاد والحاجة إلى نهج تقاطعيّ حقيقي.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">إنّ التقاطعيّة ليست مجرد فكرة أكاديمية، بل إنّها ضرورة عملية وأن الفشل في معالجة الطبيعة المترابطة للعرق والطبقة والجنس من شأنه أن يؤدي إلى نسويّة لا تخدم سوى قلّة مختارة محظوظة، تاركة وراءها النساء الأكثر تهميشا. وتعتبر بيل هوكس أن الحركة النسويّة ليست حركة متجانسة، إنه كفاح متنوّع وديناميكي يجب أن يتطوّر باستمرار لمعالجة واقع جميع النساء، وخاصة اللّاتي تم تهميشهنّ تاريخيّا.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">إن الجدل المحيط بإيمان خليف يتحدث مباشرة عن أهمية التقاطعية في الفكر والنشاط النسوي. إن التشكيك في جنس خليف متجذر في مزيج من الافتراضات العنصرية والجنسية حول ما &#8220;يجب&#8221; أن تبدو عليه المرأة وكيف يتم تعريف الأنوثة. بالنسبة للنساء الملونات، وخاصة أولئك من الجنوب العالمي، غالبًا ما تستبعد هذه التعريفات الضيّقة من اعتبارهن مشاركات شرعيات في كل من المساحات النسويّة والمؤسسات المجتمعيّة الأوسع. إن نقد بيل هوكس للنسوية البيضاء ضروري لفهم كيف شُوّه إنجاز خليف باتهامات لم تكن تتعلق بجنسها الفعلي بقدر ما كانت تتعلق بالحفاظ على التسلسل الهرمي العنصري والجندري.</span></p>
<h3><b>النسويّة البيضاء وعقدة المُنقِذ</b></h3>
<p><span style="font-weight: 400;">حتى وإن سعت النسويّة البيضاء لنفي هذه التهم عنها وحاولت أن تعطي انطباعًا بأنها تقاطعيّة فإنّها غالبًا ما تتبنّى موقف المنقذ الأبيض، وتضع نفسها كمدافع خير وليس حليفًا حقيقيًا في النضال من أجل المساواة. هذا النهج الركيك يعزّز اختلال توازن القوى بدلاً من تفكيكه والنتيجة هي شكل من أشكال الحركة النسويّة التي قد تبدو شاملة على السطح، ولكنّها في الواقع تعمل على استدامة ذات أنظمة عدم المساواة التي تدّعي أنها تعارضها.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">في حالة خليف، يكشف ردّ فعل النسويّات البيض – أو عدمه – على الجدل حول جنسها عن كيفيّة تجلّ هذه الديناميكيّة. بدلًا من التحدّث علنًا لدعم خليف وإدانة الافتراضات العنصريّة والجندريّة الكامنة وراء الاتّهامات ضدّها، بقيت العديد من الفضاءات النسوية صامتة أو متواطئة. يمكن اعتبار هذا الصمت جزءًا من نمط أوسع حيث تعطي النسويات البيض الأولويّة لمعاناة النساء اللاتي يشبهنهن بينما يتركن النساء مثل خليف يواجهن بيئات معادية وإقصائية بمفردهن.</span></p>
<h3><b>النمط الأوسع للإقصاء في الفضاءات النسوية</b></h3>
<p><span style="font-weight: 400;">تجربة إيمان خليف ليست حادثة منعزلة. إنها تعكس نمطًا أوسع من الإقصاء الذي واجهته النساء من الجنوب العالمي، والنساء الملوّنات، والمجموعات المهمّشة الأخرى لعدّة قرون. النسويّة، خاصة في شكلها السائد والحالي، غالبًا ما أعطت الأولويّة لتجارب النساء البيض من الطبقة المتوسطة، مهمّشة بذلك الأخريات. هذا الإقصاء ليس مجرد مسألة إغفال – إنّه يظهر الطرق التي كانت بها النسويّة متواطئة في الحفاظ على الأنظمة العنصرية والطبقية.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">في حين أن البعض قد ينظر إلى تجربة إيمان على أنّها حادثة معزولة، إلّا أنّها تعكس في الواقع نمطًا أوسع من الإقصاء المستمرّ الذي تواجهه النّساء في الجنوب العالمي. ومن خلال التركيز في المقام الأول على تجارب ونضالات النساء البيض، وحصر النساء ضمن هذه المُثُل الضيّقة، يتم تهميش وإسكات أصوات مثل إيمان. هذا الإقصاء ليس مجرد مسألة إغفال – إنّه يعكس الطرق التي كانت بها النسويّة متواطئة في الحفاظ على الأنظمة العنصرية والطبقية.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">لطالما جادلت بيل هوكس بأن النسوية يجب أن تواجه تناقضاتها الداخلية إذا كانت تريد أن تكون حركة تحرير حقيقية. تهميش النساء مثل خليف داخل الفضاءات النسوية ليس فقط فشلًا في التضامن – إنه خيانة للمبادئ الأساسية للنسوية. من خلال استبعاد النساء اللواتي لا يتناسبن مع التعريفات الضيقة للأنوثة أو اللواتي لا يشاركن نفس الخلفية العرقية أو الثقافية، تصبح النسوية أداة للقمع بدلًا من أن تكون قوة للتحرير.</span></p>
<h3><b>انتصار إيمان خليف: دعوة لنسوية أكثر شمولا</b></h3>
<p><span style="font-weight: 400;">كان ينبغي أن يُحتفل بفوز إيمان خليف بالميدالية الذهبية كتأكيد لقوتها وصمودها وإصرارها. عوضا من ذلك، أصبحت لحظة للجدل حول العرق والجنس والإقصاء في كل من الفضاءات الرياضية والنسوية. تجربة خليف تمثل تذكيرًا قويًا بالحاجة الملحة للنسوية للعودة إلى مبادئها الأساسية واحتضان مقاربة حقيقية للتقاطعية. لا يمكن للنسوية أن تدعي النضال من أجل العدالة إذا استمرت في دعم الأنظمة التي تقمع النساء الأكثر تهميشًا.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">رؤية بيل هوكس للنسوية تدعو إلى حركة شاملة لجميع النساء، بغض النظر عن العرق أو الطبقة أو التعبير الجندري. هذا يعني تحدي السرديات الثقافية التي تملي من ينتمي إلى الفضاءات النسوية ومن يتم دفعه إلى الهامش. يتطلب الاعتراف بأن الحركات النسوية كانت في كثير من الأحيان متواطئة في الحفاظ على الهياكل السلطوية والامتيازات التي تستبعد النساء مثل خليف. لتكريم انتصارها بشكل حقيقي، يجب علينا مواجهة هذه القضايا المجتمعية الأوسع والعمل على خلق نسوية شاملة وعادلة ومتساوية لجميع النساء.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">انتصار خليف ليس فقط انتصارًا في الحلبة – إنه رمز للصمود ودليل على القوة التي تأتي من احتضان الهوِيَّة بشكل كامل. إنه انتصار يتحدانا جميعًا لنكون أفضل، ونعمل بشكل أفضل، لضمان أن تفي الحركة النسوية بوعدها بالعدالة والمساواة لجميع النساء, بكل تمظهراتهن</span></p>
<p>The post <a rel="nofollow" href="https://untoldmag.org/ar/%d8%a3%d9%86-%d8%aa%d9%82%d8%b1%d8%a3-%d8%a8%d9%8a%d9%84-%d9%87%d9%88%d9%83%d8%b3-%d9%81%d9%8a-%d8%a8%d8%a7%d8%b1%d9%8a%d8%b3/">أن تقرأ بيل هوكس في باريس</a> appeared first on <a rel="nofollow" href="https://untoldmag.org/ar/">Untold</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>الراب بين الغربة والمقاومة والشفاء في زمن الإبادة: حوار مع بو ناصر الطفار</title>
		<link>https://untoldmag.org/ar/%d8%a7%d9%84%d8%b1%d8%a7%d8%a8-%d8%a8%d9%8a%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%ba%d8%b1%d8%a8%d8%a9-%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%82%d8%a7%d9%88%d9%85%d8%a9-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%b4%d9%81%d8%a7%d8%a1-%d9%81%d9%8a/</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[ديانا عباني]]></dc:creator>
		<pubDate>Tue, 25 Jun 2024 09:15:22 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[ثقافة]]></category>
		<category><![CDATA[محادثة]]></category>
		<category><![CDATA[Featured 2]]></category>
		<category><![CDATA[إبادة]]></category>
		<category><![CDATA[لبنان]]></category>
		<category><![CDATA[مهجر]]></category>
		<category><![CDATA[موسيقى]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://untoldmag.org/?p=77483</guid>

					<description><![CDATA[<p>عن أهمية وتحديات القدوم إلى أوروبا، والعلاقة مع بيروت والغربة، ورؤيته للموسيقى والراب واللغة في زمن الإبادة</p>
<p>The post <a rel="nofollow" href="https://untoldmag.org/ar/%d8%a7%d9%84%d8%b1%d8%a7%d8%a8-%d8%a8%d9%8a%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%ba%d8%b1%d8%a8%d8%a9-%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%82%d8%a7%d9%88%d9%85%d8%a9-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%b4%d9%81%d8%a7%d8%a1-%d9%81%d9%8a/">الراب بين الغربة والمقاومة والشفاء في زمن الإبادة: حوار مع بو ناصر الطفار</a> appeared first on <a rel="nofollow" href="https://untoldmag.org/ar/">Untold</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p><em><a href="https://www.youtube.com/channel/UCRKH1G0PdXJc1kIoeKspgkA" target="_blank" rel="noopener">بو ناصر الطفار</a>، كاتب ومغني راب لبناني مقيم في تركيا، عُرف بأغانيه التي تتناول قضايا المهمشين وصراعاتهم بواقعية وصراحة فجة، حيث أصبحت بعض أغانيه وكلماتها شعارات وأناشيد للمظاهرات والاحتجاجات الشعبية اللبنانية. بمناسبة مجيئه إلى برلين، لإحياء حفلة مع<a href="https://www.youtube.com/channel/UC1a29_FwiH6l1P-3IBY1qvg" target="_blank" rel="noopener"> هالو سايكلبو</a> من تنظيم<a href="https://alberlin.com/homepage/bu-nasser-hello-psychaleppo/" target="_blank" rel="noopener"> أل برلين</a>، تحدثت معه ديانا عبّاني عن أهمية وتحديات القدوم إلى أوروبا، والعلاقة مع بيروت والغربة، ورؤيته للموسيقى والراب واللغة في زمن الإبادة.</em></p>
<p><em>يرفع بو ناصر صوته لكسر صمت المجتمع المهمش الذي أمعنت الدولة في إفقاره وإسكاته. بدأ مشروعه عام 2009 مع إصدار ألبوم &#8220;صحاب الأرض&#8221;، تلاه العديد من الأغاني المنفردة والتعاون مع آخرين ممن يشاركونه الأمل والأسئلة والثورة والشغف الموسيقي من فناني الراب ومنتجي الموسيقى المحليين والعالميين. قدم العشرات من العروض الحية الناجحة في مختلف المناطق اللبنانية، وأحيا العديد من الحفلات التي بيعت تذاكرها بالكامل في تركيا وأوروبا، قبل أن يعود إلى بيروت في أبريل 2023 لإحياء أول حفل له هناك منذ 5 سنوات، في إحدى أكبر حفلات الراب على الساحة المحلية اللبنانية، والتي كانت بداية لسلسلة من الحفلات الناجحة في لبنان والخارج. بالإضافة إلى أعماله الموسيقية، أصدر بو ناصر بشكل مستقل روايتين &#8220;الحرايق&#8221; عام 2016، و&#8221;القشنود&#8221; عام 2018. وقد حقق الكتابان نجاحًا حقيقيًا ووجدا لهما مكانًا في العديد من المعارض الدولية.</em></p>
<p>&nbsp;</p>
<p><strong>بالرغم من رفض تأشيرتك (٣ مرّات) لأوروبا، حصلت عليها مؤخرًا بعد الوساطات والضغوطات، مما سمح لك بإحياء حفلات في أوروبا. ما أهمية المجيء إلى أوروبا وإحياء حفلات هنا في ظل الإبادة في غزة وصعود الخطاب الفاشي، وحظر التظاهرات المؤيدة للفلسطينيين وإسكات أصواتهم؟</strong></p>
<p>هناك عدة مستويات للإجابة على هذا السؤال. على الصعيد المهني، تُعد الحفلات في أوروبا أكثر احترافية وأهمية من حيث التنظيم والعائدات، وتفتح الأبواب لعلاقات ومشاريع أكبر. من جهة أخرى، مع القمع الذي نواجهه جميعًا قبل مجزرة غزة، كموسيقيين أو فنانين من العالم &#8220;السفلي&#8221;، نجد أنفسنا تحت شروط وتمويل مؤسسات تابعة للحكومات، مما يجعل رحلتنا صعبة جدًا. لذا، أن أكون خارج هذا النظام وأستطيع تحقيق هذا الاختراق يعني لي الكثير على الصعيد الشخصي، ويمكن أن يكون إلهامًا لكثير من الفنانين الآخرين الذين يفكرون في طرق مختلفة لإيصال صوتهم بعيدًا عن السبل المفروضة علينا.</p>
<p>أيضًا، في ظل ما نعيشه في غزة وجنوب لبنان وفي أي مكان بالعالم حيث تُقمع المظاهرات، من المهم أن يصل المحتوى الذي نقدمه إلى الناس في أوروبا ليشعروا بأنهم مرتبطون بما يحدث هناك. والتفاعل مع الجمهور من خلال هذه الحفلات يمنحهم شعورًا بأنهم ليسوا معزولين عما يحدث في البلاد. وهذا الشعور بالاتصال العاطفي مهم جدًا، فحفلاتنا ليست مجرد حفلات، بل هي تظاهرات فيها تفاعل كبير وشعارات سياسية. في السياق الأوروبي، حين تَحشدُ حفلات كهذه مغتربين ومهاجرين و&#8221;ملونين&#8221; تحت هذه الشعارات، فهذا بالطبع لن يُعجب الحكومات في تلك البلدان. لذا هو انتصار متعدد المستويات. أخيرًا، على الصعيد الشخصي، والدتي سعيدة جدا بأنني أحيي حفلات في أوروبا، وهذا يضيف بعداً آخرًا لي.</p>
<p>بشكل عام، من المهم لي إحياء هذه الحفلات حاليًا، خاصة أنني أعيش في تركيا وأعرف تمامًا قيمة التواصل مع أي حدث من بعيد. لذا، أن أكون أنا من يقوم بهذا التواصل في بلدان أخرى وأخفف من ثقل الغربة، يُعدّ إنجازًا كبيرًا. لقد قمت برحلة إلى سويسرا في بداية هذا الشهر، ولم أكن أعرف أحدًا هناك، ولكن التواصل مع فريق الإنتاج والجمهور كان رائعًا، وأصبح لي عائلة هناك. وكوني أحييت حفلتين هناك، جعلني أدرك أهمية هذا التفاعل.</p>
<p>ففي لبنان الوضع صعب، وفي تركيا الأوراق مرعبة. الذهاب إلى أوروبا مستحيل تقريبًا بسبب التعقيدات في الحصول على التأشيرة. لديّ تاريخ حافل مع التأشيرات، فقد سبق أن رُفضت تأشيرتي من السفارة الألمانية مرتّين ثم الفرنسية. مؤخرًا نجحت في الحصول عليها من السفارة السويسرية بوساطة الأصدقاء. حصلت على تأشيرة لثلاثة أشهر، ولكن يُسمح لي بالبقاء 45 يومًا فقط، مما يُجبرني على الذهاب والعودة عدة مرات. في المقابل، هناك أشخاص في أوروبا يمكنهم السفر بسهولة وإقامة الحفلات في بلادنا أو القدوم لأكل شاورما والعودة دون معاناة، بسبب امتيازاتهم التي ورثوها عن تاريخهم الاستعماري الدموي.</p>
<p>لذا بالنسبة لي، عدم إحياء حفلات في أوروبا أصبح موضوعًا حساسًا، يُعيد سيناريو بيروت، حيث كنت أضع كل جهدي في المدينة، ومع ذلك كانوا يقولون لي إنه لا يمكنني الاستمرار. الآن أحاول أن أعيش من موسيقاي وأقوم بمسؤولياتي تجاه الأشخاص الذين أنا مسؤول عنهم. لا أستطيع القيام بذلك من خلال حفلات قليلة، فهي لا تكفي لتغطية التكاليف. لذا لا يتعلق الأمر فقط بإقامة حفلة في مدينة أوروبية ما، بل بالحصول على تأشيرة تسمح لي بالتنقل والعمل والقول للعالم إننا هنا.</p>
<p><strong>كتبتَ في عام 2020 نصًا بعنوان &#8220;<a href="https://daraj.media/%d8%ba%d8%b1%d8%a8%d8%a7%d8%a1/" target="_blank" rel="noopener">غرباء</a>&#8221; عن علاقتك الملتبسة ببيروت، وقلت &#8220;لقد أحببنا بيروت بصدق، لكنّنا لم نستطع إليها سبيلًا&#8221;. كما تحدثت في مقابلات عن أن وجودك في تركيا كان فرصة للإنتاج و&#8221;راحة البال&#8221; رغم مصاعب الغربة. من جهة أخرى، أغانيك عن بيروت، مثل &#8220;<a href="https://www.youtube.com/watch?v=iPgDp2z3n-c" target="_blank" rel="noopener">بيروت خيبتنا</a>&#8220;، &#8220;<a href="https://www.youtube.com/watch?v=zWGQf8O4Scs" target="_blank" rel="noopener">بيروت خنقتنا</a>&#8220;، &#8220;<a href="https://www.youtube.com/watch?v=2eN2cryINTY" target="_blank" rel="noopener">عهد التغيير</a>&#8221; و&#8221;<a href="https://www.youtube.com/watch?v=CLmtwDSzei4" target="_blank" rel="noopener">تار</a>&#8220;، وأخيرا &#8220;<a href="https://www.youtube.com/watch?v=zE7D0XqXK78" target="_blank" rel="noopener">بِلبَلِد</a>ْ&#8221;، تعكس التغييرات في علاقتنا مع المدينة على مر الزمن. فرغم الثأر الشخصي والعام معها، هناك شيء عزيز ومعقد في علاقتنا مع بيروت، نبحث باستمرار عن أماكن تشبهها رغم قبحها وقسوتها، وقد ظهر ذلك مثلًا بسعادتك بعد آخر حفلة لك في بيروت منذ أقل من سنة. هل ما زلت تقول كما في أغنية &#8220;<a href="https://www.youtube.com/watch?v=oIMREtsNRdo" target="_blank" rel="noopener">هيكسافوبيا</a>&#8220;، &#8220;ألف غربة ولا ببلدي مرّة موت&#8221;؟ وكيف تطورت صورة بيروت بالنسبة لك اليوم؟ كيف تتعامل مع واقع الغربة والإحساس بالإبعاد والانسلاخ المتواصل؟</strong></p>
<p>في الراب نتحدث كثيرًا، والأغنية تكون مليئة بالنصوص، وقد تترك الكثير من الشواهد على تجاربنا السابقة. بدأت في عمر 19 سنة، والآن عمري 37. خلال هذه المدّة، كنت أسجل الأغاني، ومع مرور الوقت تغيرت المواضيع التي أتحدث عنها بشكل كبير. في البداية، كانت بيروت مكانًا نضطر للنزول إليه من الضيعة لعدم وجود فرص عمل وخيارات، غير الانخراط بالجيش أو حزب الله، وكنا نصطدم بالرفض هناك. بيروت كانت عدوتنا.</p>
<p>بعد فترة، عشت في بيروت وضواحيها وفهمت علاقاتها بالأطراف والأحزمة المحيطة بها. ثم بدأت اختبار العيش ضمن هذا الحزام، في ظل أحزاب الأمر الواقع، والغربة التي تبدأ من البيت والبيئة والمحيط الذي أنتمي إليه، قبل أن تكون غربة عن البلد بِرُمَّته. هي غربة قد أشعر بها وأنا في بيتي، عندما أضطر لتغيير شكلي أو ملابسي حتى أعود إلى البيت. فالغربة نسبية، وليست مرتبطة بالجغرافيا والبعد، بل بالشعور بالأمان والحصول على الحد الأدنى من الحقوق. لذا طبعًا، &#8220;ألف غربة ولا مرة أموت بأي مكان&#8221;. لا أريد الموت، بل النجاة، النجاة عبر الموسيقى، التي هي الشيء الوحيد الذي نجحت فيه في حياتي.</p>
<p>عندما تركت المدينة أواخر عام 2018، وجئت إلى تركيا، كنت غاضبًا ومتشوقًا للهروب. كنت أعتبر نفسي مهاجر ناجٍ. لكن الانتقال إلى تركيا أثّر على طريقة تعبيري وفتح أبعادًا مختلفة. تعلمت لغة جديدة وتعرفت على ثقافة موسيقية جديدة، مما سمح لي بتطوير شخصيتي وفهم الأمور من زاوية جديدة، إذ تحررت من الضغط المستمر الذي كنت أشعر به في لبنان.</p>
<p>مع الوقت والبعد، عادت المودّة تجاه ذلك المكان، خفّ الغضب ولم يعد للعتاب من معنى. للأسف، بعد انفجار بيروت والأزمات المتتالية، بدأت أشعر لأول مرة بأنني أنتمي لهذا المكان وأنا في تركيا. لم يكن سهلًا أن أُعيد حساباتي، خصوصًا أنّه في الوقت ذاته، كنت أرافق والدي المريض، ورأيت كيف تسير الأمور في المستشفيات، وصعوبات الأزمة اليومية. هذا جعلني أفهم أن المشكلة ليست فقط مع المدينة والعلاقات الاجتماعية، وليست فقط مع حزب الله أو الحكومة، بل هي أكبر من ذلك. نحن نخلق أعداء وهميين وندخل في صراعات لا فائدة منها. يجب أن نبدأ بإصلاح أنفسنا. لذالك لم أعد أربط نفسي بصورة الرابر البعلبكي أو اللبناني، بل بشخص يُعبّر بطريقة معينة ولديه رسالة. وهذا يُخفف من غربتي، فنحن غرباء منذ أن نولد، ونبحث باستمرار عن مكان ننتمي إليه.</p>
<p>&nbsp;</p>
<p><strong>نظرًا لبعدك عن لبنان وإقامتك في تركيا، كيف تغيرت المواضيع التي تطرحها في موسيقاك وهل تقاطعت مع نضالات عالمية أخرى؟ ما هي العلاقات الموسيقية التي تمكنت من بنائها؟</strong></p>
<p>بحكم وجودي منذ فترة طويلة نسبيًا في تركيا، أصبح الأفق الموسيقي هنا واضح بالنسبة لي. معظم الأشخاص الذين أعمل معهم الآن هم في تركيا، أو أتواصل مع آخرين عن بعد عبر الإنترنت، الذي هو أسهل بكثير مقارنة بلبنان. في تركيا، كانت الأمور جيدة بالنسبة لي كمحطة انتقالية، فهي ليست بلدًا أوروبيًا بحتًا، ولا بلدًا عربيًا بحتًا، بل هي مكان مناسب يمكنني أن أكون فيه. الموسيقى هنا تشبه الموسيقى التي أعمل عليها، أدواتها شرقية نعمل على دمجها مع الموسيقى الغربية بطريقة منطقية دون أن نبتعد كثيرًا عن هويتنا. تعلمت الكثير وبنيت علاقات جيدة هنا. رغم ذلك، أواجه صعوبة في العمل مع الأتراك، لأن المحتوى الخاص بي غير مناسب، وسقف الحرية هنا ليس مرتفعًا، خصوصًا لشخص عربي.</p>
<p>وجودي في تركيا أعطاني فرصة لرؤية الأمور من زاوية أخرى، بدلًا من أن أكون منغمسًا في مشاكل البلاد وأحاول فقط التنفيس عن غضب ما، أستطيع الآن في أعمالي أن أفهمها وأبحث عن حلول لها. في عام 2022، عملت على مقطع موسيقي بعنوان &#8220;<a href="https://www.youtube.com/watch?v=DTLTO_bvlEE&amp;rco=1" target="_blank" rel="noopener">سفاري</a>&#8220;، تناولت فيه موضوع الاستعلاء الأبيض والتاريخ الاستعماري في العالم الثالث، وربطت بين جلب العبيد من إفريقيا والإبادات الجماعية في كندا وإندونيسيا وأستراليا، وبين ما نعيشه ونضالاتنا في لبنان وفلسطين والمنطقة. رغم نقد البعض آنذاك، إلا انه بعد حرب غزة، والدعوة لإبادة شعوب منطقتنا، عاد الناس للتواصل مع نفس المحتوى الذي كنت أتحدث عنه.</p>
<p>أدركت أن الموسيقى ليست فقط أداة للتنفيس عن الغضب، بل يمكن أن تكون مشروعًا بحثيًا جديًا يطرح أسئلة مهمة ويشجع الناس على التفكير. وهذا يعطيني دفعة للاستمرار في هذا المسار.</p>
<p><strong>كيف ترى دور الموسيقى والراب في زمن الإبادة الجماعية وتجريد الفلسطينيين من إنسانيتهم وفضح النفاق العالمي، ولا سيما الأوروبي، بموضوع حقوق الإنسان؟ وهل يمكن أن تكون الموسيقى والحفلات وسيلة للمقاومة والشفاء والعلاج الجماعي في مثل هذه الأوقات؟</strong></p>
<p>هناك جانبين لدور الموسيقى. الجانب الأول شخصي جدًا، حيث أستطيع التعبير عما أستطيع فعله وما هو دوري. على الأقل، أكون قادرًا على القول بأنني فعلت شيئًا، سواء بالكلمة التي أقولها أو بالطاقة التي أعطيها في الحفلة. بالطبع، هذا لا يكفي، لكنه على الأقل يمنحني الشعور بأنني لست مجرد شاهد سلبي على ما يحدث. من ناحية أخرى، الموسيقى، وخاصة الراب، تحمل الكثير من الكلام، من دون ان تكون مقالة تُنشر في جريدة أو مؤتمر، لكن لها القدرة على البقاء لمدة طويلة. في حفلاتي الحالية، أحيانًا أعود لأغاني قديمة صنعتها في عام 2015 خلال ذروة الثورة السورية. هذه الأغاني تُستخدم كشواهد على أحداث معينة، حتى لا تُنسى. في زمن نشهد فيه عمليات غسل أدمغة وإعادة ترتيب أولوياتنا باستمرار، يمكنني استخدام هذه الموسيقى كوسيلة لإعادة شحن الناس ورفع وعيهم تجاه مواضيع معينة.</p>
<p>حاليًا قد لا تكون هناك حاجة لشحن الناس تجاه القضية الفلسطينية، ولكن ربما بعد خمس أو عشر سنوات، ستعيد هذه الأغاني القضية إلى واجهة ذكرياتنا ووعينا، وتؤثر على قراراتنا.</p>
<p>على الصعيد الجماعي، الموسيقى تجمعنا وتُشعرنا بقيمتنا كجماعة. في الحفلات، يشعر الشخص بالانتماء الكامل في الرأي وبالأمان، وبأنه ليس وحيدًا في مواجهة ما يحدث، بل إن صوته يتضاعف بفضل عدد الأشخاص من حوله، مما يُعزز من الثقة كأفراد وجماعة، ويشحن قوة الغضب الموجود داخلنا، ويخلق مساحة للتعبير. لطالما كانت الموسيقى محفزًا شرسًا للنضال، ولطالما تعرض الفنانين والشعراء للقمع بسبب تأثيرهم الكبير على المدى القصير والطويل. فعلى سبيل المثال، دور الموسيقى كان أساسيًا في وضع أسس التحرر للأفارقة الأمريكيين، وفي الثورات في تونس ومصر وإيران وسوريا، من هنا تقاطعية هذه النضالات.</p>
<p><strong>لا يُعد الراب العربي فناً دخيلاً على منطقتنا، إذ يمكن ربطه بالزجل ولغته والتقاليد الموسيقية والشعرية المحلية. كيف تصف نوع اللغة التي ترغب بتقديمها من خلال الراب؟ وما هي اللغة التي قد تفرضها اللحظة الحالية ويمكنك من خلالها تخيّل مستقبل مختلف؟</strong></p>
<p>في التسعينيات، استوردنا موسيقى معينة لفهم الراب. بدأت إنتاجي الموسيقي الرسمي في عام 2009، ولكن قبل ذلك كنت أعمل على تجارِب موسيقية مختلفة وأطلقت أغانٍ بشكل غير رسمي. كنت أستمع إلى تجارِب سابقة من المنطقة، مثلًا من الجزائر، حيث كان هناك فنانون يعملون على الراب منذ الثمانينات وأوائل التسعينات.</p>
<p>الهوية المحلية كانت دائمًا حاضرة في موسيقاي، كما في آخر عمل موسيقي لي &#8220;<a href="https://www.youtube.com/watch?v=yK79g4J9EDg" target="_blank" rel="noopener">ميلاتونين</a>&#8220;، حيث يمكن سماعها في إيقاع الطبل. لكن الراب الذي أفضل الاستماع إليه وصنعه، هو الراب الفج المباشر، الذي لا يحتوي على تشبيهات أو صور شعرية، مثل Keny Arkana وImmortal Technique وDead Prez. هؤلاء الفنانون يتحدثون عن السياسة بشكل مباشر، كما لو كانوا يكتبون مقالات صحفية، ولكن الفرق أنهم يقومون بذلك بشكل موسيقي.</p>
<p>نشأت على الاستماع إلى هذا النوع من الموسيقى، لذلك هذا هو الاتجاه الذي أكتب فيه. في السنة الماضية، عندما أقمت حفلًا في بيروت، كانت أول مرة أتعاون مع<a href="https://www.youtube.com/@beirutrecords" target="_blank" rel="noopener"> Beirut Records</a>، الذين نظموا الحفل. كان هذا التعاون مختلفًا عن حفلات الراب السابقة في البلد. أغلب الحضور لم يكن من الجَمهور المعتاد، بل كانوا أشخاصًا جاؤوا لأنهم تفاعلوا مع المحتوى الذي أقدمه ويرغبون في الاستماع إليه. هذا الأمر يجعلني أشعر بالراحة عندما أكتب، فقد أدركت أنني لا أحتاج إلى التلاعب بالكلمات للوصول إلى الجمهور. هناك جمهور يريد أن يسمع القصة كما هي، وهذا يعطيني مساحة أمان.</p>
<p>أما فيما يخص ما يحدث الآن، فهو منطقي بالنسبة لي ولم أكن أتوقع غير ذلك، أرى فقط أمثلة حية على ما تحدثت عنه مسبقًا، حين قال البعض إن الموسيقى التي أقدمها مظلمة وكئيبة وعنيفة. بعد الأزمة وتغيّر الأحوال، العديد من الذين كانوا ينتمون إلى الطبقة الوسطى وأزعجهم آنذاك هذا المحتوى، أصبحوا الآن يفهمونه ويتفاعلون معه.</p>
<p>البؤس كان موجودًا، لكنه توسع ليشمل المزيد من الناس، والأشخاص الذين تحدثوا عن هذا الصراع لن تتغير لغتهم، بل ستزداد وقاحتها وحِدّتها. لم نعد بحاجة إلى الشرح، فالأحداث الحالية تتحدث عن نفسها. نشاهد قصصًا مروعة وصورًا وفيديوهات، ونقرأ تعليقات حول من يتحمل مسؤوليتها، وفي النهاية نُحمَّل دائمًا مسؤولية موتنا.</p>
<p>بشع أن نضطر في موسيقانا، التي يُفترض أن يكون فيها وجه مشرق، إلى الحديث دائمًا، ليس فقط عن محاولات نجاتنا، بل عن محاولات منع قتلنا بهذه الوقاحة، دون أن نملك أي خيار آخر.</p>
<p>The post <a rel="nofollow" href="https://untoldmag.org/ar/%d8%a7%d9%84%d8%b1%d8%a7%d8%a8-%d8%a8%d9%8a%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%ba%d8%b1%d8%a8%d8%a9-%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%82%d8%a7%d9%88%d9%85%d8%a9-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%b4%d9%81%d8%a7%d8%a1-%d9%81%d9%8a/">الراب بين الغربة والمقاومة والشفاء في زمن الإبادة: حوار مع بو ناصر الطفار</a> appeared first on <a rel="nofollow" href="https://untoldmag.org/ar/">Untold</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>المقبرة الإسلاميّة في بارسيا: شهادة على الاستعمار والذّاكرة المحجوبة للحرب الأهليّة في إسبانيا</title>
		<link>https://untoldmag.org/ar/the-muslim-cemetery-of-barcia-a-testament-to-colonialism-and-the-obscured-memory-of-spains-civil-war/</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[Bernardo Alvarez Villar]]></dc:creator>
		<pubDate>Thu, 09 May 2024 13:38:10 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[ثقافة]]></category>
		<category><![CDATA[حكاية]]></category>
		<category><![CDATA[Colonialism]]></category>
		<category><![CDATA[Featured 1]]></category>
		<category><![CDATA[Morocco]]></category>
		<category><![CDATA[Spain]]></category>
		<category><![CDATA[بروباغندا]]></category>
		<category><![CDATA[هوية]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://untoldmag.org/the-muslim-cemetery-of-barcia-a-testament-to-colonialism-and-the-obscured-memory-of-spains-civil-war/</guid>

					<description><![CDATA[<p>القصّة الغريبة لمقبرة المور المهجورة في أستورياس، حيث دُفن مئات الجنود من المغاربة الذين لقوا حتفهم وهم يقاتلون إلى جانب فرانكو خلال الحرب الأهليّة الإسبانيّة.</p>
<p>The post <a rel="nofollow" href="https://untoldmag.org/ar/the-muslim-cemetery-of-barcia-a-testament-to-colonialism-and-the-obscured-memory-of-spains-civil-war/">المقبرة الإسلاميّة في بارسيا: شهادة على الاستعمار والذّاكرة المحجوبة للحرب الأهليّة في إسبانيا</a> appeared first on <a rel="nofollow" href="https://untoldmag.org/ar/">Untold</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p><span style="font-weight: 400;">إذا كان هناك أسطورة تأسيسيّة للأمّة الإسبانيّة، فمكانها هو أستورياس، وهي منطقة واقعة على ساحل كانتابريا في شمال إسبانيا بين غاليسيا وإقليم الباسك. تقول الأسطورة، خارج كتب التّاريخ، أنّ الملك الأستوريّ دون بيلايو قاوم الغزوات العربيّة، وبمساعدة بتول كوفادونجا، قدّيس أستورياس، هزم الجيش الإسلاميّ حوالي عام 722، وبهذا بدأتْ &#8220;الاستعادة&#8221;.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">أمّا بالنسبة للفخر القوميّ، فإنّ أستورياس هي &#8220;مهدُ إسبانيا&#8221;، وهي أرضُ المسيحيّين القُدامى التي لم يدسها الغُزاة المسلمون أبداً. ولعلّ هذا هو السّبب وراء أنّ معظم الأستوريّين، والزوّار أيضاً، لا يعرفون أنّه في غرب المنطقة على بعد بضعة كيلومترات من مدينة لواركا، وعند سفح كامينو دي سانتياغو، توجد <a href="https://www.google.com/maps/place/Cementerio+de+los+mouros/@43.5369498,-6.4902203,17z/data=!3m1!4b1!4m6!3m5!1s0xd315403ad142aaf:0xb1859f8ad83f56e8!8m2!3d43.5369498!4d-6.4902203!16s%2Fg%2F112yfgz1h?entry=ttu&amp;g_ep=EgoyMDI1MDMwMy4wIKXMDSoASAFQAw%3D%3D" target="_blank" rel="noopener">مقبرة إسلاميّة</a> ذات بلاط عربيّ وقوس على شكل حدوة حصان. مع عدم وجود لافتة معلومات تُساعد الزوّار على فهم الأمر، تظهر هذه المقبرة المغاربيّة في بارسيا وهي شبه مُدمَّرة، وسط غابة على بُعد أمتارٍ قليلة من السّاحل.</span></p>
<figure id="attachment_77185" aria-describedby="caption-attachment-77185" style="width: 656px" class="wp-caption aligncenter"><img loading="lazy" decoding="async" class=" wp-image-77185" src="https://untoldmag.org/wp-content/uploads/2024/05/IMG_1016-1024x573.jpg" alt="" width="656" height="367" srcset="https://untoldmag.org/wp-content/uploads/2024/05/IMG_1016-1024x573.jpg 1024w, https://untoldmag.org/wp-content/uploads/2024/05/IMG_1016-300x168.jpg 300w, https://untoldmag.org/wp-content/uploads/2024/05/IMG_1016-768x430.jpg 768w, https://untoldmag.org/wp-content/uploads/2024/05/IMG_1016-1536x860.jpg 1536w, https://untoldmag.org/wp-content/uploads/2024/05/IMG_1016-2048x1147.jpg 2048w, https://untoldmag.org/wp-content/uploads/2024/05/IMG_1016-750x420.jpg 750w, https://untoldmag.org/wp-content/uploads/2024/05/IMG_1016-1140x638.jpg 1140w" sizes="(max-width: 656px) 100vw, 656px" /><figcaption id="caption-attachment-77185" class="wp-caption-text"><span style="font-weight: 400;">جدران المقبرة المغاربية المهجورة في بارسيا &#8211; تصوير برناردو ألفاريز فيلار.</span></figcaption></figure>
<p><span style="font-weight: 400;">إنّ الأشياء غير المعروفة عن هذه المقبرة أكثر بكثير من المعروفة. ولا يُعرف حتّى عدد الأشخاص المدفونين هناك، لكن يتراوح عددهم تقديرياً بين 100 و300 مسلم ريفيّ من مليلية ومناطق أُخرى من المحميّة الإسبانية السّابقة في المغرب. وكانوا جزءاً من Grupos de Regulares de Melilla (القوّات الأهليّة النّظاميّة)، وهي وحدة من القوّات المحليّة التي تأسّستْ عام 1911 وجنّدها جيش فرانسيسكو فرانكو كي تُقاتل في الحرب الأهليّة الإسبانيّة (1936-1939).</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">&#8220;كان غزو المغاربة (المور) أحد الرّموز العظيمة للبروباغاندا الحربيّة الجمهوريّة، الذي مثّل عودة غزاة عام 711&#8221;. هذا ما قاله خوسيه مانويل نونيز سيكساس، وهو مؤرّخ ومؤلّف كتاب &#8220;</span><a href="https://www.routledge.com/Sites-of-the-Dictators-Memories-of-Authoritarian-Europe-1945-2020/NunezSeixas/p/book/9780367684112" target="_blank" rel="noopener"><span style="font-weight: 400;">مواقع الدّكتاتوريين: ذكريات أوروبا الاستبداديّة، 1945-2020</span></a><span style="font-weight: 400;">&#8220;.</span></p>
<figure id="attachment_77181" aria-describedby="caption-attachment-77181" style="width: 635px" class="wp-caption aligncenter"><img loading="lazy" decoding="async" class="wp-image-77181" src="https://untoldmag.org/wp-content/uploads/2024/05/Moors-soldiers-in-Luarca-during-civil-war-2.jpg" alt="" width="635" height="416" srcset="https://untoldmag.org/wp-content/uploads/2024/05/Moors-soldiers-in-Luarca-during-civil-war-2.jpg 650w, https://untoldmag.org/wp-content/uploads/2024/05/Moors-soldiers-in-Luarca-during-civil-war-2-300x197.jpg 300w" sizes="(max-width: 635px) 100vw, 635px" /><figcaption id="caption-attachment-77181" class="wp-caption-text"><span style="font-weight: 400;">جنود مغاربة في لواركا خلال الحرب الأهليّة الإسبانيّة. الصّورة مستعارة من كلوديا ماديلون من مجموعتها الخاصّة &#8220;ميموريا ديجيتال أستورياس&#8221;.</span></figcaption></figure>
<p><span style="font-weight: 400;">يوافق على ذلك فرانسيسك تور، الذي كتب كتاب &#8220;</span><a href="http://calumnia-edicions.net/product/la-guerra-invisible-moros-afroamericanos-y-gitanos-en-la-guerra-civil-1936-1939-francesc-tur-balaguer" target="_blank" rel="noopener"><span style="font-weight: 400;">الحرب الخفيّة. المغاربة والأميركيين الأفارقة والغجر في الحرب الأهليّة</span></a><span style="font-weight: 400;">&#8220;: &#8220;تمّت شيطنة العرب بشكل كبير في الصّحافة الجمهوريّة، فكانوا يُعاملون كما لو أنّهم همجيّون، وحوش جاءوا لاغتصاب النّساء الإسبانيّات&#8221;.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">عند بدايةِ الحرب في أكتوبر 1936، وصلتْ عدّة وحدات من الجنود المغاربة من سبتة ومليلية وتطوان والعرائش في غاليسيا. كان انقلابُ فرانكو قد نجحَ في غاليسيا، ولكن ليس في أستورياس، وهي المنطقة ذات التّقاليد العُمّاليّة واليساريّة. في الواقع، كان العديد من الجنود الذين نظّموا انقلاب عام 1936 الذي أوصل فرانكو إلى السّلطة جزءاً ممّا يُسمّى بـ &#8220;الوحدويين الأفارقة&#8221;، وهم جنود إسبان لديهم خبرة في القتال والقمع في المستعمرات الإسبانيّة في المغرب.</span></p>
<figure id="attachment_77183" aria-describedby="caption-attachment-77183" style="width: 556px" class="wp-caption aligncenter"><img loading="lazy" decoding="async" class="wp-image-77183" src="https://untoldmag.org/wp-content/uploads/2024/05/Moroccan-regulars-awaiting-embarkation-to-the-mainland-to-fight-in-the-civil-war.jpg" alt="" width="556" height="397" srcset="https://untoldmag.org/wp-content/uploads/2024/05/Moroccan-regulars-awaiting-embarkation-to-the-mainland-to-fight-in-the-civil-war.jpg 649w, https://untoldmag.org/wp-content/uploads/2024/05/Moroccan-regulars-awaiting-embarkation-to-the-mainland-to-fight-in-the-civil-war-300x214.jpg 300w, https://untoldmag.org/wp-content/uploads/2024/05/Moroccan-regulars-awaiting-embarkation-to-the-mainland-to-fight-in-the-civil-war-120x86.jpg 120w, https://untoldmag.org/wp-content/uploads/2024/05/Moroccan-regulars-awaiting-embarkation-to-the-mainland-to-fight-in-the-civil-war-350x250.jpg 350w" sizes="(max-width: 556px) 100vw, 556px" /><figcaption id="caption-attachment-77183" class="wp-caption-text"><span style="font-weight: 400;">حرس فرانكو المغاربيّ الرّابع تابور من الحسيمة في انتظار الانطلاق إلى البرّ الرّئيسيّ للقتال في الحرب الأهليّة.</span></figcaption></figure>
<p><span style="font-weight: 400;">قبل ذلك بعامين، نظّم عمّال المناجم الأستوريّون </span><a href="https://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%A5%D8%B6%D8%B1%D8%A7%D8%A8_%D8%B9%D9%85%D8%A7%D9%84_%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%86%D8%A7%D8%AC%D9%85_%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%B3%D8%AA%D9%88%D8%B1%D9%8A%D9%8A%D9%86_%D9%81%D9%8A_1934" target="_blank" rel="noopener"><span style="font-weight: 400;">ثورة أكتوبر 1934،</span></a><span style="font-weight: 400;"> وأنشأوا جمهوريّة اشتراكيّة أستوريّة مؤقّتة، والتي قمعها الجيش الجمهوريّ في غضون أسابيع. تُشير التّقديرات إلى أنّ 2000 شخص قُتلوا على يدِ الجنود الأفارقة والقوّات المغاربيّة النّظاميّة، وفقاً لمؤرّخين مثل غابرييل جاكسون أو جوليان كازانوفا، على الرّغم من أنّ مؤرّخين آخرين طرحوا أرقاماً أعلى.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">تسبّبتْ قسوة هؤلاء الجنود في إثارة الرّعبِ بين السُّكّان الأستوريّين، لدرجة أنّ الصّورة النّمطيّة عن خُبث المغاربة بدأتْ بالترسُّخ، واستخدمها الجانب التابع لفرانكو في الوقت المناسب كسلاحٍ للحرب النّفسيّة، كما غذّتها قرونٌ من الأساطير والأغاني الشّعبية المتعلّقة بمعركة كوفادونجا.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">سمع أوريليو ديل لانو، أحد أشهر فنّانيّ الفولكلور الأستوريّين، في عام 1920 راعية تُنشدُ أغنية Romance de la cristiana cautiva، وكلماتها: &#8220;Romance de la cristiana cautiva Caballero yo no soy mora,/ soy cristiana cautiva, me cautivaron los moros/ siendo niña chiquitita&#8221;، (سيّدي، أنا لستُ مغربيّة، أنا أسيرة مسيحيّة، أسرني المغاربة عندما كنتُ طفلة صغيرة). في الأيام الأخيرة من ثورة 1934، كتب </span><a href="https://www.elsaltodiario.com/memoria-historica/asturies-1934-sangriento-laboratorio-guerra-colonial-suelo-europeo" target="_blank" rel="noopener"><span style="font-weight: 400;">الزّعيمُ الاشتراكيّ الثّوريّ</span></a><span style="font-weight: 400;"> بيلارمينو توماس عن الجيش المغربيّ قائلاً إنّ &#8220;سلوكهم لا يليق بأيّ أمّة متحضّرة&#8221;.</span></p>
<figure id="attachment_77187" aria-describedby="caption-attachment-77187" style="width: 278px" class="wp-caption aligncenter"><img loading="lazy" decoding="async" class="wp-image-77187" src="https://untoldmag.org/wp-content/uploads/2024/05/Propaganda1.jpg" alt="" width="278" height="397" srcset="https://untoldmag.org/wp-content/uploads/2024/05/Propaganda1.jpg 576w, https://untoldmag.org/wp-content/uploads/2024/05/Propaganda1-210x300.jpg 210w" sizes="(max-width: 278px) 100vw, 278px" /><figcaption id="caption-attachment-77187" class="wp-caption-text"><span style="font-weight: 400;">لوس ناسيوناليس، وزارة الدّعاية. أنصار فرانكو خلال الحرب الأهليّة الإسبانيّة، 1938.</span></figcaption></figure>
<p><span style="font-weight: 400;">كان هذا هو السّبب وراء اختيار مدبّري الانقلاب العسكريّ لهذه القوّات للسير من غاليسيا إلى أوفييدو، العاصمة الأستريّة، حيث كان كورونيل أنطونيو أراندا، زعيم الانقلاب في المنطقة، صامداً في مدينة يُحاصرها الجمهوريّون. أثناء التقدّم نحو أوفييدو، أصبحتْ مدينة لواركا الواقعة على بُعد حوالي 90 كم غربًا، المركز العصبيّ لمؤخرة الجيش الوطنيّ ومقراً للحكومة العسكريّة للمنطقة. وقعتْ أكثرُ المعارك دمويّةً على سفوح جبل نارانكو في ضواحي أوفييدو، قُتل فيها الجنود المغاربيّون بالمئات. &#8220;لقد كانوا في الطّليعة لأنّهم من النُّخبة&#8221; كما يوضّح خوسيه مانويل رينا، أحد سكان بارسيا ومدرّس التّاريخ المُتقاعد، وأيضاً: &#8220;لقد كانوا في الخطوط الأماميّة، وحدثتْ هناك مجزرة حقيقيّة&#8221;.</span></p>
<h3><span style="font-weight: 400;">قوّات السّكّان الأصليّين، وقوداً للمدافع</span></h3>
<p><span style="font-weight: 400;">كان المرتّب اليوميّ الذي تلقّاهُ هؤلاء الجنود المغاربة هو السّبب الرّئيسيّ وراء رغبتهم بالمشاركة، &#8220;حوالي أربعة بيزيتا في اليوم، وهو أجر جيّد للناس العاديين&#8221;، كما كتب ستانلي ج. باين في كتابه &#8220;</span><a href="https://www.amazon.com/preguntas-fundamentales-Fundamental-Questions-Spanish/dp/8497345738" target="_blank" rel="noopener"><span style="font-weight: 400;">40 سؤالاً أساسيّاً حول الحرب الأهليّة الإسبانيّة</span></a><span style="font-weight: 400;">&#8220;. وكانت هناك فوائد لعائلاتهم أيضاً في حالة وفاتهم في المعركة.</span></p>
<figure id="attachment_77189" aria-describedby="caption-attachment-77189" style="width: 604px" class="wp-caption aligncenter"><img loading="lazy" decoding="async" class=" wp-image-77189" src="https://untoldmag.org/wp-content/uploads/2024/05/North-African-troops-entering-Gijon-after-the-crushing-of-the-1934-revolution-1024x627.jpg" alt="" width="604" height="370" srcset="https://untoldmag.org/wp-content/uploads/2024/05/North-African-troops-entering-Gijon-after-the-crushing-of-the-1934-revolution-1024x627.jpg 1024w, https://untoldmag.org/wp-content/uploads/2024/05/North-African-troops-entering-Gijon-after-the-crushing-of-the-1934-revolution-300x184.jpg 300w, https://untoldmag.org/wp-content/uploads/2024/05/North-African-troops-entering-Gijon-after-the-crushing-of-the-1934-revolution-768x470.jpg 768w, https://untoldmag.org/wp-content/uploads/2024/05/North-African-troops-entering-Gijon-after-the-crushing-of-the-1934-revolution-750x459.jpg 750w, https://untoldmag.org/wp-content/uploads/2024/05/North-African-troops-entering-Gijon-after-the-crushing-of-the-1934-revolution-1140x698.jpg 1140w, https://untoldmag.org/wp-content/uploads/2024/05/North-African-troops-entering-Gijon-after-the-crushing-of-the-1934-revolution.jpg 1500w" sizes="(max-width: 604px) 100vw, 604px" /><figcaption id="caption-attachment-77189" class="wp-caption-text"><span style="font-weight: 400;">قوّات شمال أفريقيا تدخل خيخون بعد هزيمة ثورة 1934.</span></figcaption></figure>
<p><span style="font-weight: 400;">بعيداً عن الأسباب الاقتصاديّة، يرى باين أيضاً أنّ بعض هؤلاء الرّعاة والفلّاحين الرّيفيّين المتقشّفين قد اقتنعوا بأيديولوجيّة فرانكو القوميّة والكاثوليكيّة والرّجعيّة بأنّ الحرب التي تُشنُّ في إسبانيا كانت ضدّ الملحدين وأعداء الدّين. ووفقاً له، انجذب هؤلاء الشّباب المغاربة إلى &#8220;المناشدات التي أكّدتْ على القيم شبه الجهاديّة التي تكمن وراء الحرب ضدّ &#8220;الإلحاد الأحمر&#8221; و&#8221;الكُفر&#8221;، لذلك لم يكن لدى المتطوعين أدنى شكٍّ بأنّهم يقاتلون أناساً أشراراً حقّاً&#8221;.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">وبما يتماشى مع هذا الإيمان الدّينيّ المشترك، زُوّد الجنود المسلمون الملتحقون بجيش فرانكو بأشخاص وموارد لتلبية احتياجاتهم. كما جُهّز مسرح في لواركا ليكون ثكنة للقوّات المغربيّة، التي كان يرافقها دائماً أئمّة وفقهاء، خبراءٌ في الشّريعة الإسلاميّة مسؤولين عن الدّفن وفقاً للطقوس الإسلاميّة. ويُعتقد أنّ أحد هؤلاء الفقهاء هو الذي أشرف على بناء مقبرة بارسيا في خريف عام 1936، باستخدام العمالة المحليّة التّطوعيّة والقسريّة.</span></p>
<figure id="attachment_77213" aria-describedby="caption-attachment-77213" style="width: 312px" class="wp-caption aligncenter"><img loading="lazy" decoding="async" class=" wp-image-77213" src="https://untoldmag.org/wp-content/uploads/2024/05/Propaganda2.jpg" alt="" width="312" height="476" srcset="https://untoldmag.org/wp-content/uploads/2024/05/Propaganda2.jpg 524w, https://untoldmag.org/wp-content/uploads/2024/05/Propaganda2-197x300.jpg 197w" sizes="(max-width: 312px) 100vw, 312px" /><figcaption id="caption-attachment-77213" class="wp-caption-text"><span style="font-weight: 400;">ملصق دعائي جمهوري للواء 28 (بريجادا ميكستا)، مدريد، مجموعة أ. بنسالم.</span></figcaption></figure>
<p><span style="font-weight: 400;">إنّه انقلابٌ أيديولوجيّ مُثير للاهتمام: فبينما كان اليسار الجمهوريّ المستنير والعالميّ يروّج صورة وحشيّة عن المغاربة، لجأ اليمين الفاشيّ في دعايته إلى المغاربة &#8220;كرمز كان جزءاً من صورة فرانكو كأمير حرب وحدويّ أفريقيّ&#8221;، كما وضّح بابلو ليون جاسالا، المدير العام للثقافة والتّراث في إمارة أستورياس، احتفل المثقّفون والدّعاة من جانب فرانكو بوحدة الشّعبين الإسبانيّ والمغربيّ في نضالهما دفاعاً عن الحضارة التّقليديّة. ومع ذلك، خلف ذاك الخطاب، كان الواقع مختلفاً تماماً. ويوضّح ليون جاسالا قائلاً: &#8220;لقد استُخدم الجنود المغاربة كوقود للمدافع على خطَّ المواجهة&#8221;.</span></p>
<h3><span style="font-weight: 400;">الخراب والهجر</span></h3>
<p><span style="font-weight: 400;">تقع المقبرة المغاربيّة في بارسيا، الأثر الوحيد للعمارة الإسلاميّة في أستورياس، فوق مساحة إجماليّة قدرها 4500 متر مربّع في جزأين متميّزين. من جهة، يمكن الوصول إلى منطقة الدّفن، وهي مستطيلةُ الشّكل وفي زواياها الأربع أبراج حراسة، من خلال المرور أسفل القوس على شكل حدوة الحصان الذي كان مغطّى ببابٍ خشبيّ يزيدُ ارتفاعه عن مترين. وأمامه بدأ بناء مسجدٍ مخصّص لغسل ولفِّ الجُثث على الطّريقة الإسلاميّة، لكنّه لم يكتمل أبداً.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">تتذكّر رينا، إحدى سكّان قرية بارسيا، قائلة: «كان هناك إمامٌ يُدعى عمر، وكان يأتي كلّ عام بعد انتهاء الحرب لتنظيف المقبرة والعناية بها. توفّي حوالي عام 1970 ولم يعد أبداً&#8221;. منذ ذلك الحين نمتْ الشّجيرات حتّى أصبح من الصّعب رؤية القبور. لقد انهارتْ أجزاءٌ من الجدار وامتلأتْ أبراجُ المراقبة بالقمامة.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">يتذكّر المؤرّخ نونيز سيكساس: &#8220;كان عمري ١٣ عاماً تقريباً عندما زرتُ المقبرة للمرّة الأولى حوالي عام ١٩٧٩، وكان يلفّها شيءٌ من الغموض. ثمّ عدتُ عندما كبرتُ مع زوجتي، وكانت في حالة مزرية، إنّه مكان نصف خفيٍّ&#8221;.</span></p>
<p>&nbsp;</p>
<figure id="attachment_77195" aria-describedby="caption-attachment-77195" style="width: 667px" class="wp-caption aligncenter"><img loading="lazy" decoding="async" class=" wp-image-77195" src="https://untoldmag.org/wp-content/uploads/2024/05/IMG_1043-1024x573.jpg" alt="" width="667" height="373" srcset="https://untoldmag.org/wp-content/uploads/2024/05/IMG_1043-1024x573.jpg 1024w, https://untoldmag.org/wp-content/uploads/2024/05/IMG_1043-300x168.jpg 300w, https://untoldmag.org/wp-content/uploads/2024/05/IMG_1043-768x430.jpg 768w, https://untoldmag.org/wp-content/uploads/2024/05/IMG_1043-1536x860.jpg 1536w, https://untoldmag.org/wp-content/uploads/2024/05/IMG_1043-2048x1147.jpg 2048w, https://untoldmag.org/wp-content/uploads/2024/05/IMG_1043-750x420.jpg 750w, https://untoldmag.org/wp-content/uploads/2024/05/IMG_1043-1140x638.jpg 1140w" sizes="(max-width: 667px) 100vw, 667px" /><figcaption id="caption-attachment-77195" class="wp-caption-text"><span style="font-weight: 400;">بعض تفاصيل المقبرة المغاربيّة في بارسيا – تصوير برناردو ألفاريز فيلار</span></figcaption></figure>
<p><span style="font-weight: 400;">إنّ قرية بارسيا، وهي بلديّة يبلغُ عدد سكانها 579 نسمة، هي الجهة المالكة والمسؤولة عن المقبرة. يتذكّر ريكاردو غارسيا باروندو، الذي كان رئيساً لها بين عاميّ 2007 و2023: &#8220;عندما انضممتُ، قمنا بتنظيفها لأنّها كانت أرضاً مليئة بالشُّجيرات. حاولنا الحفاظ عليها هكذا، وكُنّا نرغب في تنظيف المكان أكثر، لكن لدينا ميزانيّة مُنخفضة للغاية ولا نستطيع تحمّل نفقة ذلك لأنّها مهمّة مُعقّدة. نحاولُ منذ سنوات ونطرقُ أبواب كافّة الجهات الرسميّة&#8221;.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">إسماعيل غونزاليس، مستشار السّياحة في مجلس مدينة فالديس، حيث توجدُ مقبرة بارسيا، لا يُخفي حقيقة أنّ هذه المساحة &#8220;ليست من بين أولويّات العمل من حيث إعادة تأهيل التّراث أو الاستخدام السّياحيّ&#8221;، وبالتالي يستبعد تدخّل البلديّة لإنقاذ المقبرة من الخراب الذي يبدو أنّه حُكم عليها به. كانت المقبرة جزءاً من قائمة التّراث الثّقافي لأستورياس منذ عام 2012، ممّا يفتح الباب أمام تلقّي المنح لإعادة تأهيلها.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">ومع ذلك، وفقاً لليون جاسالا، مدير التّراث في المنطقة، &#8220;لم تُطلب أيّ مساعدة&#8221;، ممّا يدلُّ على عدم الاهتمام بمساحة لا تتناسب مع الفئات المعتادة للذّاكرة التّاريخيّة في إسبانيا. ليس من الواضح تماماً ما هو الاعتبار الذي ستحظى به هذه المقبرة في </span><a href="https://english.elpais.com/spain/2021-07-22/spain-drafts-more-ambitious-historical-memory-bill-amid-wave-of-revisionism.html" target="_blank" rel="noopener"><span style="font-weight: 400;">قانون الذّاكرة الدّيمقراطيّة</span></a><span style="font-weight: 400;"> الذي تمّت الموافقة عليه مؤخّراً، والذي ينظر في إزالة تلك &#8220;المباني والإنشاءات والدّروع والشّارات واللّوحات وأيّ عناصر أو أشياء أُخرى ملحقة بالمباني العامّة أو الموجودة على الطُّرق العامّة التي تحتوي على إشارات تذكاريّة تمجّد الانتفاضة العسكريّة والدّيكتاتوريّة، سواء كانت شخصيّة أو جماعيّة&#8221;.</span></p>
<figure id="attachment_77197" aria-describedby="caption-attachment-77197" style="width: 656px" class="wp-caption aligncenter"><img loading="lazy" decoding="async" class=" wp-image-77197" src="https://untoldmag.org/wp-content/uploads/2024/05/IMG_1021-1024x573.jpg" alt="" width="656" height="367" srcset="https://untoldmag.org/wp-content/uploads/2024/05/IMG_1021-1024x573.jpg 1024w, https://untoldmag.org/wp-content/uploads/2024/05/IMG_1021-300x168.jpg 300w, https://untoldmag.org/wp-content/uploads/2024/05/IMG_1021-768x430.jpg 768w, https://untoldmag.org/wp-content/uploads/2024/05/IMG_1021-1536x860.jpg 1536w, https://untoldmag.org/wp-content/uploads/2024/05/IMG_1021-2048x1147.jpg 2048w, https://untoldmag.org/wp-content/uploads/2024/05/IMG_1021-750x420.jpg 750w, https://untoldmag.org/wp-content/uploads/2024/05/IMG_1021-1140x638.jpg 1140w" sizes="(max-width: 656px) 100vw, 656px" /><figcaption id="caption-attachment-77197" class="wp-caption-text"><span style="font-weight: 400;">القوس الرّئيسيّ على شكل حدوة حصان لمقبرة المسلمين في بارسيا – تصوير برناردو ألفاريز فيلار</span></figcaption></figure>
<p><span style="font-weight: 400;">وفي الأشهر الأخيرة، كان هناك </span><a href="https://elpais.com/cultura/2024-02-29/castilla-y-leon-declara-bien-de-interes-cultural-la-piramide-de-los-italianos-un-monumento-fascista-de-burgos.html" target="_blank" rel="noopener"><span style="font-weight: 400;">جدل عام ساخن في إسبانيا حول &#8220;هرم الإيطاليين&#8221;،</span></a><span style="font-weight: 400;"> وهو ضريح جنائزيّ يضمّ جثث الجنود الإيطاليين الذين أرسلهم موسوليني للقتال في الحرب الأهليّة الإسبانيّة. وقد أمرتْ حكومة قشتالة وليون المتمتّعة بالحكم الذّاتيّ، والتي يرأسها الحزب الشّعبيّ الليبراليّ المحافظ في ائتلاف مع حزب فوكس اليمينيّ المتطرّف، بحماية النُّصب التذكاري من أجل تجنّب ما يعتبرونه &#8220;إعادة كتابة التّاريخ&#8221; النّاتجة عن الموافقة على القانون المذكور. بُنيت كلّ من المقبرة المغاربيّة في بارسيا وهرم الإيطاليين لدفن القتلى من الجنود الذين قاتلوا إلى جانب الانقلاب، ولكن هناك فرق جوهريّ بين الاثنين: الأولى هي مقبرة بسيطة، بينما صُممت الثّانية كضريح يفتخر بالأيديولوجيّة الفاشيّة.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">حتّى الآن لم تكن هناك سوى محاولة واحدة لترميم المقبرة. لقد كانت مبادرة من مدينة مليلية المتمتّعة بالحكم الذاتيّ بمناسبة الذّكرى المئويّة لتأسيس القوّات الأهليّة النّظاميّة، وهي وحدة متمركزة في مليلية. يقول غارسيا باروندو إنّه أجرى محادثات مع مستشار مليلية، وأنّه في عام 2011 وُضعت خطّة بميزانيّة قدرها 200 ألف يورو لإعادة تأهيلها بالكامل. لكن تلك كانت سنوات الأزمة الاقتصاديّة، وتمّ تجاهل المشروع بسبب تكلفته العالية.</span></p>
<figure id="attachment_77201" aria-describedby="caption-attachment-77201" style="width: 640px" class="wp-caption aligncenter"><img loading="lazy" decoding="async" class=" wp-image-77201" src="https://untoldmag.org/wp-content/uploads/2024/05/IMG_1049-1024x573.jpg" alt="" width="640" height="358" srcset="https://untoldmag.org/wp-content/uploads/2024/05/IMG_1049-1024x573.jpg 1024w, https://untoldmag.org/wp-content/uploads/2024/05/IMG_1049-300x168.jpg 300w, https://untoldmag.org/wp-content/uploads/2024/05/IMG_1049-768x430.jpg 768w, https://untoldmag.org/wp-content/uploads/2024/05/IMG_1049-1536x860.jpg 1536w, https://untoldmag.org/wp-content/uploads/2024/05/IMG_1049-2048x1147.jpg 2048w, https://untoldmag.org/wp-content/uploads/2024/05/IMG_1049-750x420.jpg 750w, https://untoldmag.org/wp-content/uploads/2024/05/IMG_1049-1140x638.jpg 1140w" sizes="(max-width: 640px) 100vw, 640px" /><figcaption id="caption-attachment-77201" class="wp-caption-text"><span style="font-weight: 400;">الجدران المُهدّمة في منطقة مقبرة المسلمين في بارسيا – تصوير برناردو ألفاريز فيلار.</span></figcaption></figure>
<p><span style="font-weight: 400;">لا يقتصرُ هذا الازدراء للمقبرة المغاربيّة في بارسيا على الإدارات. يتذكّر غارسيا باروندو: &#8220;وُضعت لافتةٍ صغيرة على الجدار وامتلأتْ بالرّسوم الغرافيتيّة، لأنّ هناك أشخاص يعتقدون أنّ أولئك المدفونين فيها قاتلوا ضدّ عائلاتهم، وعلينا أن نُحاربهم مهما جرى&#8221;.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">من ناحية أُخرى، يجد نونيز سيكساس تناقضاً غريباً مع المقابر الأُخرى للجنود المتحالفين مع فرانكو، مثل المسكن العسكريّ الإيطاليّ في سرقسطة. ويشرح قائلاً: &#8220;أود أن أضيف أنّ عدم اهتمام المغرب، وربّما افتقاره إلى الوسائل، واضح أيضاً، فهو في النهاية، سيُخلّد بذلك المقاتلين الذين حاربوا إلى جانب المستعمر&#8221;.</span></p>
<h3>لا أحد يتذكّر الجنود المغاربيّين</h3>
<p><span style="font-weight: 400;">وتحتلّ مقبرة بارسيا مكاناً مُحيّراً يصعب تصنيفه في الذّاكرة الجماعيّة. يعتقد غارسيا باروندو أنّ &#8220;مشكلة المغاربة في الحرب الأهليّة هي أنّ الجانب الفائز لم يُعاملهم بشكل جيّد، وأنّ الجانب الخاسر لم يكن يُريدهم أبداً. وعندما انتهتْ الحرب، بقوا في وضع مُعلّق&#8221;.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">ويوافق نونيز سيكساس على أنّها &#8220;ذكرى غير مرغوبٍ فيها وغير مريحةٍ إلى حدٍّ ما. هناك رفضٌ مزدوج، إذ يعترفُ الجانب الفائز بوجود قوّات مرتزقة وغير مسيحيّة في صفوفه، وتشعر الحركة التّذكاريّة بالصّدمة للحفاظ على مكان دفنٍ لطائفة أُخرى&#8221;.</span></p>
<figure id="attachment_77203" aria-describedby="caption-attachment-77203" style="width: 633px" class="wp-caption aligncenter"><img loading="lazy" decoding="async" class="wp-image-77203" src="https://untoldmag.org/wp-content/uploads/2024/05/Moors-soldiers-in-Luarca-during-civil-war.jpg" alt="" width="633" height="418" srcset="https://untoldmag.org/wp-content/uploads/2024/05/Moors-soldiers-in-Luarca-during-civil-war.jpg 650w, https://untoldmag.org/wp-content/uploads/2024/05/Moors-soldiers-in-Luarca-during-civil-war-300x198.jpg 300w" sizes="(max-width: 633px) 100vw, 633px" /><figcaption id="caption-attachment-77203" class="wp-caption-text"><span style="font-weight: 400;">جنود المغاربة في لواركا خلال الحرب الأهلية الإسبانية. ميموريا ديجيتال أستورياس.</span></figcaption></figure>
<p><span style="font-weight: 400;">ويعتقد ليون جاسالا أيضاً أنّ هذا &#8220;جزءٌ مؤلمٌ للغاية من الماضي، وهو أمرٌ مثيرٌ للجدل والخلاف&#8221;. لكنّ إحدى طُرق التّعامل معها هي الحفاظ على المقبرة ومحاولة وضعِ سياقٍ لها وشرح سبب وجودها هناك. يُضيف نونيز سيكساس: &#8220;إنّ القضايا المتعلّقة بالموتى حسّاسة، وفي غرب أستورياس كان هناك عدد لا بأس به من عمليات الإعدام. إنّ ذكرى المغاربة سلبيّة للغاية في الذّاكرة الشّعبية لأستورياس بسبب دورهم في القمع، ولكن من ناحية أُخرى، كانوا في الغالب أشخاصاً جُندوا بالقوّة. ويمكن اعتبارهم ضحايا جزئياً. إذن، ما هو الاعتراف الذي يجب أن نُقدّمه لهم؟</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">بالنسبة لغارسيا باروندو، فإنّ الحلّ الأمثل هو ترميم المكان باعتباره &#8220;مكاناً للذّاكرة التّاريخيّة، لتذكير الشّباب بما حدث، ولكيلا يتكرّر الأمر مرّة أُخرى.&#8221;</span></p>
<figure id="attachment_77205" aria-describedby="caption-attachment-77205" style="width: 558px" class="wp-caption aligncenter"><img loading="lazy" decoding="async" class="wp-image-77205" src="https://untoldmag.org/wp-content/uploads/2024/05/Propaganda3-1024x713.jpg" alt="" width="558" height="388" srcset="https://untoldmag.org/wp-content/uploads/2024/05/Propaganda3-1024x713.jpg 1024w, https://untoldmag.org/wp-content/uploads/2024/05/Propaganda3-300x209.jpg 300w, https://untoldmag.org/wp-content/uploads/2024/05/Propaganda3-768x535.jpg 768w, https://untoldmag.org/wp-content/uploads/2024/05/Propaganda3-750x522.jpg 750w, https://untoldmag.org/wp-content/uploads/2024/05/Propaganda3-1140x794.jpg 1140w, https://untoldmag.org/wp-content/uploads/2024/05/Propaganda3.jpg 1149w" sizes="(max-width: 558px) 100vw, 558px" /><figcaption id="caption-attachment-77205" class="wp-caption-text"><span style="font-weight: 400;">ملصق يصوّر القوّات المغربيّة كتجسيد للهمجيّة والفاشيّة، مدريد. المؤلّف: مارجالو. المصدر: الخدمة التاريخيّة العسكريّة.</span></figcaption></figure>
<p><span style="font-weight: 400;">ويوافق نونيز سيكساس على أنّه &#8220;يجبُ على السلطات إعادة تفسيرها بذكاء، دون ادّعاء مشاركة القوّات المغربيّة في الحرب، بل تفسير مشاركتهم عوضاً عن ذلك. فهم غالباً ما يخشون إثارة الجدل، لكنّها يمكن أن تكون مكاناً مثيراً للاهتمام للسياحة الثّقافيّة. يجب ترتيبه وإعادة تعريفه والتحقيق فيه. وإذا كان أحد يرغب في أداء طقوس جنائزيّة، يجب أن يكون ذلك ممكناً&#8221;.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">لسنوات، طلبتْ الجالية المسلمة في أستورياس، المكوّنة من حوالي 9000 شخص، أن يُسمح لها باستخدام المقبرة، وعرضتْ تولّي مسؤولية إعادة تأهيل وصيانة المساحة. وطالبوا باستخدامها كمكان لدفن المسلمين من أستورياس وغاليسيا وكانتابريا وليون. يقول يحيى زنابيلي، وهو طبيب سوريّ متقاعد جاء إلى إسبانيا عام 1970 وهو مندوب اللّجنة الإسلاميّة في أستورياس: &#8220;في أستورياس بأكملها، لدينا قطعة أرضٍ واحدة فقط في مقبرة أوفييدو، وهي ممتلئة تقريباً&#8221;. &#8220;وفضلاً عن ذلك، فإنّ القبور لا تتجه كلّها نحو مكة. كمواطنين إسبان، لدينا الحقّ في أن نُدفن وفقاً لمعتقداتنا الدّينيّة، وهذا غير مضمون في أستورياس&#8221;. وفيما بعد، أُعيد تأهيل المقبرة الإسلاميّة في إشبيلية، التي بُنيت أيضاً خلال الحرب الأهليّة، وتمّ تسليمها إلى الجالية المسلمة كمكان للدفن.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">في العقود الأخيرة، كان استخدام مقبرة بارسيا مختلفاً تماماً. وبحسب رينا، وهي من سكّان بارسيا، كان هناك جيران أخذوا الحجارة من المسجد غير المكتمل لاستخدامها كأساسٍ لمنازلهم. وأثناء زيارتنا للمقبرة، أخبرنا أحدُ الجيران المارّة أنّه هُدّم جزء من الجدار لإخراج عربات محمّلة بالحطب من أشجار الصّنوبر المزروعة داخل السّياج. تُلخّص رينا الأمر في كلمة واحدة: &#8220;نهب&#8221;.</span></p>
<p>The post <a rel="nofollow" href="https://untoldmag.org/ar/the-muslim-cemetery-of-barcia-a-testament-to-colonialism-and-the-obscured-memory-of-spains-civil-war/">المقبرة الإسلاميّة في بارسيا: شهادة على الاستعمار والذّاكرة المحجوبة للحرب الأهليّة في إسبانيا</a> appeared first on <a rel="nofollow" href="https://untoldmag.org/ar/">Untold</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>مهرجان الفيلم العربي برلين: فلسطين في قلب البرنامج</title>
		<link>https://untoldmag.org/ar/%d9%85%d9%87%d8%b1%d8%ac%d8%a7%d9%86-%d8%a7%d9%84%d9%81%d9%8a%d9%84%d9%85-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%b1%d8%a8%d9%8a-%d8%a8%d8%b1%d9%84%d9%8a%d9%86-%d9%81%d9%84%d8%b3%d8%b7%d9%8a%d9%86-%d9%81%d9%8a-%d9%82/</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[ نزيهة سعيد ]]></dc:creator>
		<pubDate>Mon, 22 Apr 2024 13:15:41 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[ثقافة]]></category>
		<category><![CDATA[مرئي]]></category>
		<category><![CDATA[مراجعة]]></category>
		<category><![CDATA[سينما]]></category>
		<category><![CDATA[فلسطين]]></category>
		<category><![CDATA[فن]]></category>
		<category><![CDATA[مهرجان]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://untoldmag.org/?p=77018</guid>

					<description><![CDATA[<p>يأتي المهرجان هذا العام في ظل انتقادات وُجّهت للسلطات الألمانية وعلى رأسها مجلس الشيوخ ببرلين بتسكيت الأصوات الفلسطينية الداعمة لها.</p>
<p>The post <a rel="nofollow" href="https://untoldmag.org/ar/%d9%85%d9%87%d8%b1%d8%ac%d8%a7%d9%86-%d8%a7%d9%84%d9%81%d9%8a%d9%84%d9%85-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%b1%d8%a8%d9%8a-%d8%a8%d8%b1%d9%84%d9%8a%d9%86-%d9%81%d9%84%d8%b3%d8%b7%d9%8a%d9%86-%d9%81%d9%8a-%d9%82/">مهرجان الفيلم العربي برلين: فلسطين في قلب البرنامج</a> appeared first on <a rel="nofollow" href="https://untoldmag.org/ar/">Untold</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p>على مدى الخمسة عشر عامًا الماضية، سعى مهرجان الفيلم العربي برلين &#8220;<a href="https://alfilm.berlin/" target="_blank" rel="noopener">الفيلم</a>&#8221; إلى طرح القضايا والمشكلات من العالم العربي من وجهة نظر سكان المنطقة من مختلف الأقاليم، لتعريف الجمهور الألماني عامة والبرليني خاصة بهذه القضايا بعيدًا عن التناول السطحي أو الفوقي أو الاستشراقي. ويعود هذا العام في الفترة من 24 إلى 30 أبريل/ نيسان الحالي ليحتفي ببلوغه العام الخامس عشر من فتح مساحة الحوار والتفاهم هذه بين الثقافتين العربية والألمانية عبر السينما العربية وانتاجاتها المتنوعة.</p>
<h3><b>فلسطين في البال</b></h3>
<p>لم تغب فلسطين عن المهرجان منذ نسخته الأولى، فقد كرس &#8220;الفيلم&#8221; نفسه أيضًا لعرض السينما الفلسطينية في برلين، حيث عمل المهرجان على استقطاب أفلام من فلسطين عُرضت في أبرز المهرجانات السينمائية الدولية حول العالم، وحازت على جوائز مرموقة. تعلق مديرة المهرجان باسكال فخري: &#8220;لأسباب عديدة، نادرًا ما تُعرض هذه الأفلام على الشاشات الكبيرة في ألمانيا، لذا اعتبر &#8220;الفيلم&#8221; كونه مهرجانًا سينمائيًا عربيًا، أن دوره يتمثّل في عرض هذه الأفلام وتوفير منصة لصانعي/ات الأفلام الفلسطينيين/ات لإسماع قصصهم/ن في ألمانيا&#8221;.</p>
<p>يفتتح المهرجان هذا العام فيلم &#8220;باي باي طبريا&#8221;، وهو فيلم وثائقي من إخراج لينا السوالم، ومن إنتاج فرنسي، فلسطيني، بلجيكي، قطري (2023)، والذي يعرض للمرة الأولى في برلين، ويحكي قصة لينا الشخصية التي تصور نضالات وآمال ومخاوف النساء على مدى أربعة أجيال – وهي قصة تُعيد سرد تاريخ فلسطين بشكل وثيق، وتشكيل تجارب شعبها بشكل عميق مع التهجير والسلب والنفي، عبر لقطات أرشيفية ومقاطع الفيديو العائلية القديمة والصور الفوتوغرافية.</p>
<p>عُرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان البندقية السينمائي الدولي وقام بجولة في العديد من المهرجانات حول العالم، وفاز بالعديد من الجوائز، بما في ذلك أفضل فيلم وثائقي في مهرجان لندن السينمائي وجائزة لجنة التحكيم في مهرجان مراكش الدولي للسينما. &#8220;باي باي طبريا&#8221; هو الفيلم الروائي الثاني للينا سوالم.</p>
<p>وأشارت فخري إلى أنه على مر السنين، دُعي جمهور المهرجان للتفاعل مع وجهات النظر العربية المؤيدة للفلسطينيين/ات حول الصراع العربي الإسرائيلي، &#8220;حيث أن فلسطين ونضالات شعبها كانت وستظل مركزية في بناء الهويات العربية، ولذلك يوفر المهرجان لجمهوره وضيوفه مساحة لإجراء نقاش محترم ومفتوح، حول هذه الأسئلة أيضًا&#8221; كما قالت.</p>
<p>يأتي المهرجان هذا العام في ظل انتقادات وُجّهت للسلطات الألمانية وعلى رأسها مجلس الشيوخ ببرلين بتسكيت الأصوات الفلسطينية الداعمة لها. عن ذلك تقول فخري: &#8220;خلق المهرجان مساحة آمنة للحديث وتناول القضية الفلسطينية في برلين، دون أن تكون تحت تأثير الرواية الألمانية، بالإضافة لمنح مساحة من الحرية للحديث عن هذه القضية دون حواجز ومحظورات، ومن وجهة نظر الأشخاص الذين يعيشونها ولهم تجارب من داخلها&#8221;.</p>
<p>يسلط قسم بقعة ضوء &#8220;الفيلم&#8221; لهذا العام على فلسطين كسبب للتداعيات الإقليمية والعالمية، وليس فقط مرتبطة بالسيادة الإقليمية، تحت عنوان &#8220;هنا هو مكان آخر: فلسطين في السينما العربية وخارجها&#8221;، حيث يستكشف برنامج المهرجان الطرق المتنوعة التي تتكشف بها أشواق ونضالات الشعب الفلسطيني من خلال اللقاءات الحميمية، وقصص التضامن، ورحلات استكشاف الذات، ليضم مجموعة متنوعة من الإنتاجات السينمائية العربية والعالمية، بما في ذلك أعمال جان لوك جودار، وكوستا جافراس.</p>
<p>وأشار  فادي عبدالنور، أحد مؤسسي/ات المهرجان وعضو اللجنة المنظمة إلى أن وجود هذا المهرجان ومن وراءه مؤسسة قوية هو أمر مهم في الوقت الحالي &#8220;وإلا لكان المحتوى العربي والفلسطيني محدود جدًا&#8221; حسب تعبيره، وأضاف: &#8220;تعتبر هذه الفعالية مهمة  في مثل هذا الوقت ليس فقط بسبب المحتوى، ولكن أيضًا لأنها تقدم شكلًا من أشكال التضامن والتمكين للجالية العربية التي تنتظم مؤخرًا، وبشكل مكثف، في عمل سياسي وتضامني مع غزة في الحرب المستمرة عليها منذ نصف عام، ولم يعد لديها الوقت أو الطاقة لتصارع على بقائها وهويتها&#8221;.</p>
<p>ومن الفعاليات المميزة التي يستضيفها المهرجان هذا العام هو فيلم (<b>فلسطين – سردية منقّحة</b>) من إنتاج المهرجان والذي سيعرض يوم الأحد 28 أبريل/ نيسان في سايلنت غرين الثقافي، وهو فيلم مدته 30 دقيقة يتكون من مقاطع صامتة صورتها القوات البريطانية في فلسطين بين عامي 1914 و1918، مصحوبة بتصميم صوتي خاص لرنا عيد وموسيقى من تأليف سينثيا زافين.</p>
<h3><b> خمسة عشر عامًا</b></h3>
<p>أنطلق &#8220;الفيلم&#8221; في 2009 بجهود مهتمين/ات بصناعة السينما العربية وأهميتها في صياغة الوعي العام والثقافة، لتقديم صور متنوعة للثقافات المختلفة الموجودة في المنطقة العربية، من وجهة نظر سكان المنطقة وصناع/ صانعات الأفلام فيها. وقد استمر هذا المهرجان في النمو والتوسع كل عام، حتى إنه حصل على تمويلًا مستدامًا مرتين، في 2020 و2024، من إدارة الثقافة وأوروبا بمجلس الشيوخ في برلين.</p>
<p>يحتفي المهرجان هذا العام بمناسبة مرور خمسة عشر عامًا على انطلاقته ببرنامج خاص تحت عنوان <i>&#8220;الفيلم&#8221;: 15 عامًا من السينما العربية في برلين،</i> والذي يتضمن حلقة نقاشية بالتعاون مع أفريكاميرا، والتي ستُعقد يوم الجمعة 27 أبريل/ نيسان في سينما ترانستوبيا، حول مسألة وجهات النظر العربية والإفريقية في المشهد السينمائي الألماني الحالي.</p>
<p>يقول عبدالنور: &#8220;استمر المهرجان طوال هذه السنوات بجهود العاملين/ات فيه، بشغفهم/ن واهتمامهم/ن، وفي الوقت نفسه، بفضل شغف الجمهور وإقباله، حتى في السنوات التي عمل فيها المهرجان بدون تمويل كان تجاوب الجمهور كافيًا ليرفد المهرجان بدعم صغير، ولكنه كان كافيًا للمنظمين/ات ليستمروا/ن.</p>
<p>وعن أهمية المهرجان أوضح عبدالنور: &#8220;خلال السنوات القليلة الماضية، كان مهرجان الفيلم العربي في برلين هو الفعالية العربية الوحيدة السنوية في المدينة التي استمرت بنفس الوتيرة، وتحسنت وتطورت، كعمل مؤسساتي، وكالمهرجان نفسه وتفاعل الجمهور معه، وسمعته في العالم العربي كمهرجان مميز من حيث المضمون والشكل&#8221;.</p>
<p>وأضاف: &#8220;تزداد أهمية هذا المهرجان الآن، في وقت يخشى فيه الكثيرون/ات من تقديم محتوى فلسطيني أو أحيانًا عربي ومسلم. هناك هيبة وخوف من المشاكل التي قد تواجههم/ن أو عدم تفاعل الجمهور معها، فالعديد من الفعاليات التي ألغيت خلال الأشهر الستة الأخيرة لم تكن جميعها فلسطينية، ولا جميعها تنتقد إسرائيل، ولكنها ألغيت لكونها عربية و/أو مرتبطة بالإسلام و/أو البلدان الإسلامية&#8221;.</p>
<p>يعمل في المهرجان طاقم صغير الحجم مؤمن برسالته ودوره في المشهد الثقافي العربي البرليني والألماني، ويسعى الطاقم لإيصال هذه الرسالة والتواصل مع جمهوره في برلين والمدن المجاورة بالإضافة إلى خلق جمهور جديد ممن يودون التعرف على العالم العربي عن قرب واستكشاف قضاياه ومشكلاته.</p>
<h3><b>هوية المهرجان</b></h3>
<p>&#8220;استطاع المهرجان أن يأخذ موقعه بين بقية المهرجانات في أوروبا والمنطقة العربية، لما يقدمه من سينما تمثل وجهة نظر المجتمعات العربية إلى جانب الأقليات والثقافات المتنوعة&#8221; كما قالت فخري.</p>
<p>يركّز المهرجان على ابراز صور متنوعة للمنطقة العربية بما فيها التنوع الثقافي، والديني، والسياسي، والجندري، وقد استطاع أن يقوم بذلك خلال الخمسة عشر عامًا، مستندًا إلى خبرات أشخاص قادمين/ات من رحم السينما العربية وخبراء/ خبيرات فيها.</p>
<p>تقول فخري: &#8220;يسعى المهرجان من خلال مجموعة نشطاء/ ناشطات ثقافيين/ات وسينمائين/ات للاستجابة للفقر في تمثيل المحتوى السينمائي العربي في برلين أو تمثيله بصورة سيئة لا تمثل الواقع، وغياب النقاش حوله والفرص والتحديات التي يحتاجها ويواجهها&#8221;.</p>
<p>تطور المهرجان عبر السنوات الماضية، واستطاع استقطاب جيل جديد من المهاجرين/ات الذين/ اللواتي وجدن أنفسهم/ن في مبادئ المهرجان وما يدعو إليه وأصبح يمثلهم/ن، كما أوضحت مديرة المهرجان، &#8220;كما إن هناك علاقة خاصة تطورت بين المهرجان والمخرجين/ات المهاجرين/ات الذين/ اللواتي يعيشون في الخارج وفي برلين بشكل خاص، فأصبح المهرجان منصة لعرض أعمالهم/ن واستضافتهم/ن في نقاشات وورش عمل ضمن تخصصاتهم/ن&#8221;.</p>
<p>وتصّر فخري على أن المهرجان، الذي يتخذ هذا العام من ست قاعات سينما مكانًا لعرض أفلامه الخمسين، &#8220;قدم صورة مختلفة عن تلك التي يقدمها الإعلام الألماني والأوروبي بشكل عام عن العرب، كما أن المهرجان أساسي للجمهور غير العربي، للأسباب ذاتها، لوجود رواية مختلفة ومعقدة وتتناول موضوعات مختلفة عن العالم العربي، كما إنه يفتح المجال للنقاش عن هذه الموضوعات مع صناع/ صانعات السينما ومخرجي/ات الأفلام، وهو مهم لصناعة السينما بحيث يُناقش تطورها وتناولها للموضوعات القريبة من واقع المجتمعات، بالإضافة للحديث عن التمويل والإنتاج داخل وخارج الوطن العربي&#8221;.</p>
<p>مهرجان الفيلم العربي برلين هو مهرجان جماهيري يستهدفهم/ن ويسعى لإيصال رسالته من خلالهم/ن، وليس مهرجانًا يقدم الجوائز وليس لديه لجان تحكيم، بل يسعى لتقديم صورة العرب والمنطقة من منظور العرب والمنطقة ذاتها.</p>
<h3><b>نظرة عامة على البرنامج</b></h3>
<p>في قسم اختيارات الأفلام، رُكّز على تنوع المشهد المعاصر للسينما العربية في إنتاجات الأفلام من العامين الماضيين في قسم خاص بعنوان &#8220;برسونا نون غراتا&#8221; أو &#8220;منبوذون ومنبوذات&#8221;، الذي يركز على تمثيل الأفراد المهمشين والمضطهدين لأسباب متعددة، منها الاجتماعية والاقتصادية العرقية والجندرية التي تغذي الوصمة والتهميش من ناحية، وتتميز من ناحية أخرى بالمحاولات الفردية للمقاومة، والتنقل عبر الحدود وعبر الروايات الشخصية.</p>
<p>تستضيف نسخة هذا العام من المهرجان العديد من الدروس المتخصصة وحلقات النقاش والمحادثات السينمائية، والتي ستختتم بحفل ختامي بعروض سمعية وبصرية حية لفنانين/ات عرب وفلسطينيين/ات، يُنظّم بالتعاون مع المجموعة الثقافية &#8220;آل.برلين&#8221;، يوم الثلاثاء 30 أبريل/ نيسان في جريتشن.</p>
<p>كما يتضمن المهرجان أفلامًا من السودان، كفيلم &#8220;وداعًا جوليا&#8221; من إخراج محمد كردفاني، الذي يحكي قصة سيدة من شمال السودان تتسبب عن غير قصد في وفاة رجل من جنوب السودان. بدافع من شعور عميق بالندم، تحاول التعويض عن أفعالها من خلال توفير اللجوء لجوليا، أرملة الضحية، وابنها، وتمنحها وظيفة الخادمة المنزلية في منزلها، فتبدأ ديناميكية غير تقليدية في الظهور.</p>
<p>فيما يحكي الفيلم الوثائقي &#8220;الحياة حلوة&#8221; قصة المخرج محمد جبالي، الذي شارك في مهرجان سينمائي في ترومسو بالنرويج في ٢٠٠٤، في الوقت الذي اندلعت فيه حرب في بلده، فلسطين، وتحديدًا، غزة، فعاش مخاوف عذبته وقلبت حياته إلى جحيم على عائلته ومخاوف من طرده من قبل الحكومة النرويجية التي تعتبره عديم الجنسية، وتضمن معه زملاؤه/ زميلاته وأصدقاؤه/ صديقاته وجمهوره والعاملين/ العاملات في القطاع السينمائي النرويجي مصممين/ات على دعم سعيه لتحقيق العدالة.</p>
<p><a href="https://alfilm.berlin/" target="_blank" rel="noopener"><b>مهرجان الفيلم العربي برلين 24-30 أبريل/نيسان</b></a></p>
<p>The post <a rel="nofollow" href="https://untoldmag.org/ar/%d9%85%d9%87%d8%b1%d8%ac%d8%a7%d9%86-%d8%a7%d9%84%d9%81%d9%8a%d9%84%d9%85-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%b1%d8%a8%d9%8a-%d8%a8%d8%b1%d9%84%d9%8a%d9%86-%d9%81%d9%84%d8%b3%d8%b7%d9%8a%d9%86-%d9%81%d9%8a-%d9%82/">مهرجان الفيلم العربي برلين: فلسطين في قلب البرنامج</a> appeared first on <a rel="nofollow" href="https://untoldmag.org/ar/">Untold</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>صورة المحرقة بعد غزَّة</title>
		<link>https://untoldmag.org/ar/%d8%b5%d9%88%d8%b1%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%ad%d8%b1%d9%82%d8%a9-%d8%a8%d8%b9%d8%af-%d8%ba%d8%b2%d9%8e%d9%91%d8%a9/</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[بانكاج ميشرا]]></dc:creator>
		<pubDate>Mon, 18 Mar 2024 17:22:18 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[في العمق]]></category>
		<category><![CDATA[إبادة جماعية في فلسطين]]></category>
		<category><![CDATA[ثقافة]]></category>
		<category><![CDATA[سياسة]]></category>
		<category><![CDATA[إبادة]]></category>
		<category><![CDATA[اسرائيل]]></category>
		<category><![CDATA[حرب]]></category>
		<category><![CDATA[فلسطين]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://untoldmag.org/?p=76857</guid>

					<description><![CDATA[<p>كيف تمكَّنت إسرائيل من مُمارسة هذه السلطة المفزِعة على حياة مجموعة سُكَّانٍ من اللاجئين وموتهم؛ وكيف بمقدور التيَّارين السائدين في الغرب، سياسيًّا وإعلاميًّا، تجاهل، بل وتبرير، ما ترتكبُه من فظائع ومظالم ممنهجةٍ بصورةٍ لا تقبل الشكّ؟</p>
<p>The post <a rel="nofollow" href="https://untoldmag.org/ar/%d8%b5%d9%88%d8%b1%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%ad%d8%b1%d9%82%d8%a9-%d8%a8%d8%b9%d8%af-%d8%ba%d8%b2%d9%8e%d9%91%d8%a9/">صورة المحرقة بعد غزَّة</a> appeared first on <a rel="nofollow" href="https://untoldmag.org/ar/">Untold</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p dir="rtl" align="right"><strong>*نُشر هذا المقال في الأصل باللغة الإنجليزية في London Review of Books وقد تمت الترجمة بموافقة الناشر. يمكن قراءة النسخة الأصلية <a href="https://www.lrb.co.uk/the-paper/v46/n06/pankaj-mishra/the-shoah-after-gaza" target="_blank" rel="noopener">هنا</a>.</strong></p>
<p dir="rtl" align="right"><span lang="ar-SA">في عامِ </span>1977<span lang="ar-SA">، أي قبل انتحاره بعام، عثرَ الكاتب النمساويّ جان أمري على تقاريرَ صحافيَّةٍ عن التعذيب الممنهجِ الذي يتعرَّض إليه المعتقلون العرب في السجون الإسرائيليَّة</span>. <span lang="ar-SA">كان أمري نفسه قد تعرَّضَ للاعتقال والتعذيب الوحشيِّ من قِبل جهاز الشرطة السرِّيَّة الألمانيَّة </span>(<span lang="ar-SA">غِستابو</span>) <span lang="ar-SA">في عام </span>1943 <span lang="ar-SA">في بلجيكا، وذلك أثناء توزيعه منشوراتٍ مُناهضةً للنازيَّة، قبل اقتيادِه إلى أوشفيتز</span>. <span lang="ar-SA">بقي أمري على قيد الحياة بعد تلك التجربة، لكن دون أن يتمكَّن من النظر إلى عذاباته باعتبارها أحداثاً من الماضي</span>. <span lang="ar-SA">كان يصرُّ على أنَّ أولئك الذين تعرَّضوا إلى التعذيب يَظلّون مُعذَّبين، وأنَّه لا شفاء لهم من هول تلك الصدمة</span>. <span lang="ar-SA">على غرار العديد من الناجين من معسكرات الموت النازيَّة، تطوَّرَ لدى أمري </span>&#8220;<span lang="ar-SA">رابطٌ وجودَّيٌّ</span>&#8221; <span lang="ar-SA">بإسرائيل في ستينيَّات القرن المنصرم</span>. <span lang="ar-SA">هاجمَ بضراوةٍ مُنتقدي الدولة اليهوديَّة من اليسار، واصفاً إيَّاهم </span>&#8220;<span lang="ar-SA">بالطيش وانعدام الضمير</span>&#8220;<span lang="ar-SA">، وكان ربَّما واحداً من أوائل الذين تبنّوا الحجَّة، التي عادةً ما يلجأ الزعماء الإسرائيليَّون ومؤيِّدوهم إلى تعظيم شأنها اليوم، بصدد أنَّ الخبثاء من المعادين للساميَّة إنَّما يتنكَّرون في صورة شرفاء مناهضين للإمبرياليَّة والصهيونيَّ<span lang="ar-SY">ة</span></span>. <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">ومع ذلك، كانت تلك التقارير </span></span>&#8220;<span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">غير الكافية، باعتراف الجميع</span></span>&#8221; <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">عن التعذيب في السجون الإسرائيليَّة كفيلةً بدفع أمري إلى إعادة التفكير في حدود تضامنه مع الدولة اليهوديَّة؛ إذ كتبَ في إحدى مقالاته الأخيرة يقول</span></span>: &#8220;<span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">إنَّني أناشد جميع اليهود، الذي يريدون أن يصبحوا بشرًا، الانضمام إليَّ في توجيه الإدانة الشديدة للتعذيب الممنهج</span></span>. <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">فحينما تبدأ الهمجيَّة، لا بدَّ من إنهاء كلِّ شيءٍ، بما في ذلك الارتباطات الوجوديَّة</span></span>&#8220;.</p>
<p dir="rtl" align="right"><span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">كان أمري منزعجًا بصفةٍ خاصَّةٍ من تمجيد مناحيم بيغن الذي تجلَّى في تنصيبه كرئيسٍ لوزراء إسرائيل في عام </span></span>1977. <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">كان بيغن العقل المدبِّر وراء تفجير فندق الملك داوود في القدس في عام </span></span>1946<span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">، والذي أزهق أرواح </span></span>91 <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">شخصًا، ومن أوائل المنادين علانيةً بالتفوُّقِ اليهوديِّ والذين ما زالوا يحكمون إسرائيل</span></span>. <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">شكَّل بيغن أيضًا سابقةً لأولئك الذين يستحضرون على نحوٍ روتينيّ كلَّاً من هتلر والهولوكوست والكتاب المقدَّس إبَّان الاعتداء على العرب وبناء المستوطنات في الأراضي المحتلَّة</span></span>. <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">في أعوامها الأولى، كانت علاقةُ دولة إسرائيل بالمحرقة وضحاياها ملتبسة وغامضة</span></span>. <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">في بادئ الأمر، اعتبرَ ديفيد بن غوريون، أوَّل رئيس وزراء لإسرائيل، أنَّ الناجين من المحرقة </span></span>&#8220;<span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">حُطامٌ بشريّ</span></span>&#8220;<span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">، زاعماً أنَّهم لم ينجوا سوى لكونهم </span></span>&#8220;<span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">سيِّئين، وقساة، وأنانيِّين</span></span>&#8220;. <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">وكان بيغن، خصم بن غوريون الشعبويّ الآتي من بولندا، من حوَّل مقتل ستَّة ملايين يهوديّ إلى هاجسٍ وطنيٍّ مُكثَّف وركيزةٍ جديدةٍ لهويَّة إسرائيل</span></span>. <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">شرعت المؤسَّسة الإسرائيليَّة في إنتاج روايةٍ خاصَّةٍ جدًّا للمحرقة وتعميمها، بغية استخدامها في شرعنةِ صُهيونيَّةٍ مُتشدِّدةٍ وتوسُّعيَّة</span></span>.</p>
<p dir="rtl" align="right"><span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">انتبه أمري إلى الخطاب الجديد، وكان موقفه حاسمًا بصدد عواقبه المدمِّرة على اليهود الذين يعيشون خارج إسرائيل</span></span>. <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">فكتب أنَّ بيغن، </span></span>&#8220;<span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">الذي يحمل التوراة في يمينه ويتذرَّع بالوعود التوراتيَّة</span></span>&#8220;<span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">، ويتحدَّث بصراحةٍ عن سرقة الأراضي الفلسطينيَّة </span></span>&#8220;<span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">والتي ستكون وحدها سببًا كافيًا كي يعيد اليهود في الشتات النظر في علاقتهم بإسرائيل</span></span>&#8220;. <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">وناشد أمري زعماء إسرائيل </span></span>&#8220;<span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">الاعتراف بأنَّه لا يمكن تحقيق حرِّيَّتكم إلَّا إلى جانب ابن عمِّكم الفلسطينيِّ، وليس على حسابه</span></span>&#8220;.</p>
<p dir="rtl" align="right"><span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">بعد خمسة أعوامٍ أصَّر طوالها على فكرة أنَّ العرب هُم النازيّون الجدد، وياسر عرفات هو هتلر الجديد</span></span>: <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">هاجمَ بيغن لبنان</span></span>. <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">وبحلول الوقت الذي اتَّهم فيه رونالد ريغان الأخير بارتكاب </span></span>&#8220;<span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">هولوكوست</span></span>&#8221; <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">آمرًا إيَّاه بالتراجع، كانت القوَّات الإسرائيليَّة قد أزهقت أرواح عشرات الآلاف من الفلسطينيِّين واللبنانيِّين، ومسحَت أجزاءً واسعةً من بيروت عن بكرة أبيها</span></span>. <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">في روايته </span></span>&#8220;<span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">كابو</span></span>&#8221; <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">الصادرة في عام </span></span>1993<span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">، يلتقط الروائيِّ اليهوديّ</span></span>&#8211;<span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">الصربيّ ألكسندر تيسما الاشمئزازَ الذي شعرَ به العديد من الناجين من المحرقة إزاء الصور القادمة من لبنان</span></span>: &#8220;<span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">يهود، وأقاربه، وأبناءُ معاصريه وأحفادهم، ومعتقلون سابقون في المعسكرات، انتصبوا جميعاً في بُرجيَّات الدبَّابات، قادوها، والأعلام تلوّح، عبر مساكن غير مُحصَّنة، عبر لحمٍ بشريّ، مزَّقوه إلى أشلاء برصاص رشَّاشاتهم، واعتقلوا الناجين في معسكراتٍ مُسيَّجةٍ بأسلاك شائكة</span></span>&#8220;.</p>
<p dir="rtl" align="right"><span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">خاضَ بريمو ليفي أهوال أوشفيتز في الفترة نفسها مثل أمري، وشعرَ أيضاً بتقاربٍ عاطفيٍّ إزاء الدولة اليهوديَّة حديثة العهد، لكنَّه سرعان ما نظَّم رسالةً احتجاجيَّةً مفتوحةً وأجرى مقابلةً قال فيها </span></span>&#8220;<span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">إنَّ إسرائيل تسقطُ، بوتيرةٍ متسارعة، في عزلةٍ تامَّة</span></span>&#8230; <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">لا بدَّ من كبح نوازعنا إلى التضامن العاطفيِّ مع إسرائيل كي يتسنَّى لنا الإصغاء إلى صوت العقل حيال ما ترتكبه الطبقة الحاكمة الحاليَّة في إسرائيل من أخطاء</span></span>. <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">لا مَناص من التخلُّص من تلك الطبقة الحاكمة</span></span>&#8220;. <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">وفي عددٍ من أعماله الروائيَّة وغير الروائيَّة، لم يكتفِ ليفي بإمعان التفكير في الفترة التي قضاها في معسكر الموت وإرثها الأليم والمستعصي على الغياب وحسب، بل أيضًا في التهديدات المستمرَّة للياقة البشر وكرامتهم</span></span>. <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">كان شديد الغضب أيضًا من استغلال بيغن للمحرقة</span></span>. <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">بعد عامين، صرَّح ليفي أنَّه </span></span>&#8220;<span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">لا بدَّ لمركز الثقل في العالم اليهوديِّ من العودة خلفًا؛ أي يجب أن يخرج من أيدي إسرائيل ويعود إلى الشتات</span></span>&#8220;.</p>
<p dir="rtl" align="right"><span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">اليوم، تدُان المخاوفُ المشابهة لتلك التي عبَّر عنه كلٌّ من أمري وليفي باعتبارها معاديةً للساميَّة على نحوٍ صارخ</span></span>. <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">لكن من الجدير بالذكر أنَّ العديد من الطروحات بصدد إعادة النظر في الصهيونيَّة والتخوُّفات بشأن نظرة العالم لليهود إنَّما تتأتَّى عن تحفيزٍ من ناجين من المحرقة، وشهودٍ عليها، بسبب احتلال إسرائيل للأراضي الفلسطينيَّة وأساطيرها الجديدة المُغرِضة</span></span>. <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">بالفعل، ومنذ عام </span></span>1969<span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">، حذَّر عالم اللاهوت يشعياهو ليبوفيتش، الفائز بجائزة إسرائيل في عام </span></span>1993<span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">، من </span></span>&#8220;<span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">تحوُّل إسرائيل إلى النازيَّة</span></span>&#8220;. <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">وفي عام </span></span>1980<span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">، وصَّف الكاتب الصحافيّ الإسرائيليّ بوعز إيفرون مراحل هذا التآكل الأخلاقيّ</span></span>: <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">إذ عبَّر عن خشيته من أنَّ انتهاج الخلط بين الفلسطينيِّين والنازيِّين، والصراخ بأنَّ محرقةً أخرى على وشك الحدوث، إنَّما سيُحرِّر الإسرائيليِّين العاديِّين من </span></span>&#8220;<span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">أيِّ ضوابط أخلاقيَّة؛ فمن يواجهُ خطر الإبادة يرى نفسه معفيًا من أيِّ اعتباراتٍ أخلاقيَّةٍ قد تحدُّ من جهوده لإنقاذ نفسه</span></span>&#8220;. <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">وبحسب تعبير إيفرون، قد ينتهي المطاف باليهود بمعاملة </span></span>&#8220;<span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">غير اليهود بوصفهم أدنى من البشر</span></span>&#8220;<span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">، واستنساخ </span></span>&#8220;<span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">سلوكيَّاتٍ نازيَّةٍ عُنصريَّة</span></span>&#8220;.</p>
<p dir="rtl" align="right"><span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">حذَّر إيفرون، أيضًا، من مؤيِّدي إسرائيل </span></span>(<span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">الجدد والمتحمِّسين آنذاك</span></span>) <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">في أوساط يهود أميركا</span></span>. <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">فهو يرى أنَّ دعم إسرائيل، بالنسبة إليهم، قد تحوَّل إلى </span></span>&#8220;<span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">ضرورةٍ بسبب غياب أيِّ نقطةٍ مركزيَّةٍ أخرى لهويَّتهم اليهوديَّة</span></span>&#8220;- <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">في الواقع، كان افتقارهم الوجوديّ هذا عظيمًا إلى درجة أنَّهم، وفقًا لإيفرون، لم يرغبوا حتَّى برؤية إسرائيل حرَّةً من اعتمادها المتزايد على الدعم اليهوديِّ الأميركيّ</span></span>.</p>
<p dir="rtl" align="right"><span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">كانوا بحاجةٍ إلى الشعور بأنَّ هناك من يحتاج إليهم</span></span>. <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">كانوا بحاجةٍ أيضًا إلى </span></span>&#8220;<span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">البطل الإسرائيليّ</span></span>&#8221; <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">باعتبارِه تعويضًا اجتماعيًّا وعاطفيًّا في إطار مُجتمعٍ لا ينظُر عادةً إلى اليهوديِّ كتجسيدٍ لخصائص المحارِب الباسل</span></span>. <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">وهكذا، قدَّم الإسرائيليُّ لليهوديِّ الأميركيّ صورةً متناقضةً مزدوجة</span></span>&#8211; <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">رجوليَّة البطل الخارق، وضحيَّة المحرقة المحتملة؛ مع العلم أنَّ مُكوِّنات الصورتين كلتيهما بعيدةٌ كلَّ البعد عن الواقع</span></span>.</p>
<p dir="rtl" align="right"><span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">اعترى زيغمونت باومان، الفيلسوف اليهوديِّ بولنديُّ المولد واللاجئ من النازيَّة، والذي أمضى ثلاثة أعوامٍ في إسرائيل إبَّان سبعينيَّات القرن المنصرم قبل الفرار من مناخها المتعصِّب والعدوانيّ، يأسٌ شديدٌ من جرَّاء ما اعتبر أنَّه </span></span>&#8220;<span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">خصخصةٌ</span></span>&#8221; <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">للمحرقة من قِبل إسرائيل ومناصريها</span></span>. <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">فكتبَ في </span></span>1988<span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">، واصفاً أنَّه يجري تذكُّرها الآن باعتبارها </span></span>&#8220;<span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">تجربةً تخصُّ اليهود وحدهُم؛ كقضيَّةٍ ما بين اليهود وكارهيهم</span></span>&#8220;<span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">، مع العلم أنَّ الشروط التي جعلت حدوثها مُمكناً قد عادت للظهور مجدَّداً في جميع أنحاء العالم</span></span>. <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">لقد استشعرَ هؤلاء الناجون من المحرقة، الذين انحدروا من الإيمان السامي بالنزعة الإنسانيَّة العلمانيَّة إلى الجنون الجمعيّ، أنَّ العنف الذي نجوا منه، وهو عنف غير مسبوق في حجمه، لم يكُن انحرافًا في حضارةٍ معاصرةٍ سويَّةٍ في الأصل</span></span>. <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">وأنَّه لا يمكن عزوه بالكامل أيضًا إلى تحيُّزٍ عتيقٍ ضدَّ اليهود</span></span>. <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">لقد مكَّنت كلٌّ من التكنولوجيا، والتوزيع العقلانيّ للعمل، الناس العاديِّين من المساهمة في أفعال الإبادة الجماعيَّة بضميرٍ مرتاح، بل حتَّى بشعورٍ غامرٍ من الفضيلة، وصارَت الجهود الوقائيَّة ضدَّ هذه الأنماط غير الشخصيَّة والمتاحة للقتل تستلزمُ ما هو أكثر من اليقظة والحذر من معاداة الساميَّة</span></span>.</p>
<p dir="rtl" align="right"><span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">حين عدتُ مؤخَّرًا إلى كُتبي من أجل إعداد هذه المقالة، وجدتُ أنَّني قد رسمتُ خطوطًا بالفعل تحت العديد من الفقرات التي أقتبسُها الآن هُنا</span></span>. <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">وفي مذكَّراتي، هناك سطورٌ نقلتُها عن جورج شتاينر </span></span>(&#8220;<span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">ليسَت الدولة القوميَّة التي تعجُّ بالسلاح سوى بقايا ماضٍ مرير، وعبثيَّةٌ في قرنِ اكتظاظ الرجال</span></span>&#8220;)<span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">؛ وأبا إيبان </span></span>(&#8220;<span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">لقد آن الأوان لنقفَ على أقدامنا، وليس على أقدام أولئك الملايين الستَّة من القتلى</span></span>). <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">يعود تاريخ معظم هذه التعليقات التوضيحيَّة إلى زيارتي الأولى إلى إسرائيل والأراضي الواقعة تحت احتلالها، عندما كنتُ أبحثُ، بسذاجة، عن إجابةٍ لسؤالين مُحيِّرَين</span></span>: <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">كيف تمكَّنت إسرائيل من مُمارسة هذه السلطة المفزِعة على حياة مجموعة سُكَّانٍ من اللاجئين وموتهم؛ وكيف بمقدور التيَّارين السائدين في الغرب، سياسيًّا وإعلاميًّا، تجاهل، بل وتبرير، ما ترتكبُه من فظائع ومظالم ممنهجةٍ بصورةٍ لا تقبل الشكّ؟</span></span></p>
<p dir="rtl" align="right"><span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">تشَّربتُ في سنوات نشأتي بعضًا من الصهيونيَّة التبجيليَّة التي واظبَتْ عليها عائلتي التي تنتمي بدورها إلى الطبقة العليا من القوميِّين الهندوس في الهند</span></span>. <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">انبثقَت كلٌّ من الصهيونيَّة والقوميَّة الهندوسيَّة في أواخر القرن التاسع عشر من تجارب ذات صلةٍ بالإذلال؛ كان هناك توقٌ لدى العديد من مُنظِّري الحركتين إلى التغلُّب على ما اعتبروا أنَّه افتقارٌ مخزٍ في الإنسانيَّة لدى اليهود والهندوس</span></span>. <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">بالنسبة إلى القوميِّين الهندوس في سبعينيَّات القرن الفائت، والذين كانوا معارضين ضعفاء لحزب المؤتمر الوطنيِّ الحاكم آنذاك، والداعم للفلسطينيِّين، بدا أنَّ الصهاينة العنيدين من أمثال بيغن وآرييل شارون وإسحاق شامير، قد انتصروا في السباق نحو إقامة دولةٍ قوميَّةٍ قويَّة</span></span>. (<span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">لم يعد هذا الحسد خفيًّا على أحدٍ اليوم</span></span>: <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">إذ يُشكِّل الترول، أو المتصيِّدون الهندوسيّون، أكبر نادٍ للمعجبين ببنيامين نتنياهو في العالم</span></span>). <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">أذكُر أنَّه كانت على حائط غرفتي صورةٌ لموشيه ديان، الذي كان رئيس أركان الجيش الإسرائيليّ ووزير الدفاع إبَّان حرب الأيَّام الستَّة؛ وحتَّى بعد فترةٍ طويلةٍ من تلاشي ولعي الطفوليّ بالقوَّة الغاشمة، ظلَّت نظرتي إلى إسرائيل متناغمة مع رؤى زعمائها لها منذ ستينيَّات القرن الفائت، أي باعتبارها خلاصًا لضحايا المحرقة، وضمانةً منيعةً في وجه تكرارها</span></span>.</p>
<p dir="rtl" align="right"><span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">أدركتُ مدى ضآلة الأثر الذي خلَّفتهُ مأساة اليهود، الذين عومِلوا ككبش فداءٍ خلال الانهيار الاجتماعيِّ والاقتصاديِّ في ألمانيا خلال عشرينيَّات القرن الفائت وثلاثينيَّاته، في ضمير زعماء أميركا وأوروبا الغربيَّة، وكيف استُقبِل الناجون أنفسهم من المحرقة بتجاهلٍ وجفاء، بل وبمذابحَ جديدةٍ في أوروبا الشرقيَّة</span></span>. <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">وعلى الرغم من اقتناعي بعدالة القضيَّة الفلسطينيَّة، إلَّا أنَّني كنتُ أجد صعوبةً في مقاومة المنطق الصهيونيِّ القائل</span></span>: <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">إنَّه لا سبيل لنجاة اليهود في بلادٍ غير يهوديَّة، ولا بدَّ أن يحظوا بدولةٍ خاصَّةٍ بهم</span></span>. <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">بل كنتُ أظنُّ أيضاً أنَّه من الإجحاف أنَّ إسرائيل وحدها مُضطرَّة، بخلاف سائر دول العالم، لتبرير حقِّها في الوجود</span></span>.</p>
<p dir="rtl" align="right"><span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">لم أكن ساذجًا لدرجة الاعتقاد بأنَّ المعاناة ترفعُ من قدر ضحايا الفظائع الجسيمة أو تُمكِّنهم من التصرُّف على نحوٍ أخلاقيٍ متفوِّق</span></span>. <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">إنَّ إمكانيَّة تحوُّل ضحايا الأمس إلى جلَّادي اليوم هو الدرس المستفاد من العنف المنظَّم في كلٍّ من يوغوسلافيا السابقة، والسودان، والكونغو، ورواندا، وسريلانكا، وأفغانستان، وأمثلة أخرى عديدة</span></span>. <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">كنتُ لا أزال مصدومًا من الخلاصة المظلمة التي استقتها الدولة الإسرائيليَّة من المحرقة، ومن ثمَّ مأسستُها في آليَّةٍ قمعيَّة</span></span>. <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">أعمال القتل التي تستهدف الفلسطينيِّين، ونقاط التفتيش، وهدم المنازل، وسرقة الأراضي، والاعتقالات العشوائيَّة وغير محدَّدة المدَّة، واستشراء التعذيب في السجون؛ بدت كلُّها إعلانًا عن منظومةٍ قيمٍ وطنيَّةٍ عديمة الرحمة</span></span>: <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">أنَّ البشر مُقسَّمون إلى أقوياء وضعفاء، وبالتالي فإنَّه ينبغي على أولئك الذين كانوا ضحايا، أو من المتوقَّع أن يصبحوا كذلك، أن يسحقوا أعداءهم المُفترَضين بصورةٍ استباقيَّة</span></span>.</p>
<p dir="rtl" align="right"><span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">على الرغم من اطِّلاعي على أعمال إدوارد سعيد، إلَّا أنَّني صدِمتُ باكتشافي شخصيًّا لمدى التستُّر الخبيث الذي يمارسه مناصرو إسرائيل رفيعو المستوى على أيديولوجيَّة البقاء للأقوى العدميَّة، التي تعيدُ كافَّة الأنظمة الإسرائيليَّة إنتاجها منذ عهد بيغن</span></span>. <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">ومع أنَّ المصلحة الذاتيَّة تقتضي تسليط الضوء على جرائم المحتلِّين، فضلًا عن نقل معاناة المحرومين والمجرَّدين من إنسانيَّتهم؛ نجد أنَّ الأمرين كليهما لا يَلقيان الكثير من المعاينة في وسائل الإعلام الغربيَّة المرموقة</span></span>. <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">كلُّ شخصٍ يشيرُ بالبنان إلى مشهد التزام واشنطن الأعمى تجاه إسرائيل مُتَّهمٌ بمعاداة الساميَّة وتجاهل العبر المستخلَصة من المحرقة</span></span>. <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">وأمَّا الفهم المشوَّه للمحرقة، فيضمن أنَّه كلَّما انتفض ضحايا إسرائيل بضراوةٍ مُتوقَّعةٍ ضدَّ جلَّاديهم، بعد أن تبلُغ قدرتهم على تحمُّل المعاناة أقصاها، فإنَّهم سيوصمون كنازيِّين عازمين على ارتكابِ محرقةٍ جديدة</span></span>.</p>
<p dir="rtl" align="right"><span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">من خلال قراءتي لأعمال أمري وليفي وآخرين والتعليق عليها، حاولتُ بطريقةٍ ما كبحَ الإحساس الطاغي بالخطأ الذي شعرتُ به بعد أن انفتحتُ على كلٍّ من التأويل القاتم الذي قدَّمته إسرائيل للمحرقة، وشهادات الجدارة الأخلاقيَّة الرفيعة التي أسبغها عليها حلفاؤها الغربيّون</span></span>. <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">كنتُ أبحثُ عن الطمأنينة من أشخاصٍ اختبروا، بأجسادهم الواهنة، الرعب الوحشيَّ الذي حلَّ بملايين البشر على يد ما يفترض أنَّها دولةٌ قوميَّةٌ أوروبيَّة مُتحضِّرة، والذين عزموا على أن يكونوا درعًا أبديًّا في وجه تشويه معنى المحرقة والإساءة إلى ذكراها</span></span>.</p>
<p dir="rtl" align="right"><span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">على الرغم من تحفُّظاتها المتزايدة إزاء إسرائيل، تظلُّ هناك طبقةٌ سياسيَّةٌ وإعلاميَّةٌ في الغرب لا تنفكُّ تُجمِّلُ الحقائق الصارخة للاحتلال العسكريِّ والضمِّ غير المشروط للأراضي على أيدي ديماغوجيِّين قوميِّين</span></span>&#8211;<span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">عرقيِّين</span></span>: <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">لإسرائيل، بحسب تلك الجوقة، الحقّ، باعتبارها الديموقراطيَّة الوحيدة في الشرق الأوسط، بالدفاع عن نفسها، ولا سيما في وجه الوحوش الإباديِّين</span></span>. <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">ونتيجةً لهذا، فإنَّ ليس بمقدور ضحايا الهمجيَّة الإسرائيليَّة في غزَّة اليوم أن يضمنوا حتَّى اعترافًا صريحًا بكارثتهم من قبل النخب الغربيَّة، ناهيك عن إغاثتهم</span></span>. <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">خلال الأشهر الأخيرة، يشهد مليارات البشر في جميع أنحاء العالم على مذبحةٍ غير مسبوقةٍ، حيثُ ضحاياها، بحسب وصف بليني ني غرالايغ، وهي محاميةٌ أيرلنديَّة وممثِّلةٌ عن جنوب أفريقيا لدى محكمة العدل الدوليَّة في لاهاي</span></span>: &#8220;<span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">يبثُّون على الهواء مباشرةً هلاكهم بأنفسهم، على أملٍ يائس، وغير مجدٍ إلى الآن، بأنَّ العالمَ قد يفعل شيئاً ما حيال ذلك</span></span>&#8220;.</p>
<p dir="rtl" align="right"><span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">لكنَّ العالم، أو الغرب كي نكون أكثر تحديدًا، لا يُحرِّك ساكنًا</span></span>. <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">الأسوأ من ذلك هو التعتيم على ما يجري في غزَّة من تصفية، إن لم يكن إنكارها، على الرغم من دأب مرتكبيها على تفصيلها وبثِّها، من خلال أدوات الهيمنة العسكريَّة والثقافيَّة في الغرب</span></span>: <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">من مزاعم رئيس الولايات المتَّحدة أنَّ الفلسطينيِّين كاذبون، وترديد سياسيِّين أوروبيِّين لفكرة أنَّ لإسرائيل الحقّ في الدفاع عن نفسها، ومنافذ إعلاميَّة مرموقة تعمدُ إلى استخدام نبرةٍ سلبيَّةٍ للحديث عن المجازر المرتكبة في غزَّة</span></span>. <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">نجدُ أنفسنا أمام حالةٍ غير مسبوقة</span></span>. <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">لم يحدُث من قبل قطّ أن ارتُكِبت مذبحةٌ بهذا الحجم الهائل، على مرأى من هذا الكمِّ الكبير من البشر، لحظة بلحظة</span></span>. <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">ومع ذلك، فإنَّ كلًَّا من الصرامة والجُبن والرقابة التي تسود المشهد، لا تتيحُ مجالًا لصدمتنا وحزننا، بل وتستهزئ بهما أيضًا</span></span>. <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">إنَّ الكثير منَّا، ممَّن شاهدوا الصور ومقاطع الفيديو القادمة من غزَّة، تلك المناظر الجهنَّميَّة لجثثٍ متشابكةٍ ومدفونةٍ في مقابر جماعيَّة، وأخرى أصغر حجمًا تحمِلها أيادي آباء مكلومين، أو مُسجَّاة على الأرض في طوابير مُنتظَمة، قد أصيبوا بالجنون في صمتٍ على امتداد الأشهر القليلة الفائتة</span></span>. <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">كلُّ أيَّامنا مسمومةٌ بإدراكٍ مفاده أنَّنا بينما نمضي قدماً في حياتنا، فإنَّ هناك المئات من البشر العاديِّين، مثلنا، يتعرَّضون للقتل، أو يُجبَرون على مشاهدة مقتل أطفالهم</span></span>.</p>
<p dir="rtl" align="right"><span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">يرى أولئك المتحمِّسون للبحث في ملامح وجه جو بايدن عن أيِّ إشارةٍ للشفقة أو وضع حدٍّ لإراقة الدماء، صلادةً ناعمةً إلى حدٍّ مخيف، تتخلَّلها ابتسامةٌ متكلِّفةٌ مُقتضَبة ومتوتِّرة فقط حينما يتفوَّه بالأكاذيب الإسرائيليَّة عن أطفالٍ مقطوعي الرؤوس</span></span>. <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">حقدُ بايدن وقسوته ضدَّ الفلسطينيِّين ليست سوى واحدٍ من بين العديد من الألغاز المروِّعة التي يطرحها أمامنا سياسيّون وصحافيّون غربيّون</span></span>. <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">لقد حلَّت صدمة المحرقة بجيلين يهوديِّين على أقلّ تقدير، وأمَّا المذابح واحتجاز الأسرى في إسرائيل، في السابع من تشرين الأوَّل، على أيدي حماس وجماعاتٍ فلسطينيَّةٍ أخرى، فقد أجَّجت لدى العديد من اليهود مشاعر الخوف من إبادةٍ جماعيَّة</span></span>. <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">لكن، كان جليًّا منذ البداية أنَّ القيادة الإسرائيليَّة الأشدّ تعصُّبًا في التاريخ لن تتوانى عن استغلال الشعور المتفشِّي بالانتهاك والفاجعة والذعر</span></span>. <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">كان يسيرًا على الزعماء الغربيِّين أن يكبحوا رغبتهم بالتضامن غير المشروط مع نظامٍ مُتطرِّف، وفي الوقت نفسه الإقرار بضرورة ملاحقة أولئك المذنبين بارتكاب جرائم حربٍ في السابع من تشرين الأوَّل وتقديمهم إلى العدالة</span></span>. <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">إذًا، ما الذي يدفع كير ستارمر، وهو محامٍ سابق في مجال حقوق الإنسان، للتأكيد على حقِّ إسرائيل بـ </span></span>&#8220;<span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">منع الطاقة والمياه</span></span>&#8221; <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">عن الفلسطينيِّين؟ ولماذا شرعَت ألمانيا على نحوٍ محمومٍ ببيع المزيد من الأسلحة إلى إسرائيل </span></span>(<span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">ومع انتشار الافتراءات في أجهزتها الإعلاميَّة، وحملات القمع الرسميَّة الشرسة، لا سيما ضدَّ فنَّانين ومفكِّرين يهود، والتي تُقدِّم درسًا جديدًا للعالم بصدد الصعود السريع لتيَّار القوميَّة العرقيَّة هُناك</span></span>)<span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">؟ كيف نفسِّرُ عناوين رئيسيَّةً في بي بي سي ونيويورك تايمز على غرار </span></span>&#8220;<span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">هند رجب، طفلةٌ في السادسة من عمرها، عُثِر عليها متوفِّيةً في غزَّة عقب أيَّامٍ من اتصِّالاتها الهاتفيَّة طلباً للنجدة</span></span>&#8220;<span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">، أو </span></span>&#8220;<span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">دموعُ أبٍ من غزَّة خسر </span></span>103 <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">من أقاربه</span></span>&#8220;<span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">، أو </span></span>&#8220;<span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">وفاة رجلٍ بعد أن أضرم النار في نفسه خارج السفارة الإسرائيليَّة في واشنطن، بحسب ما أعلنته الشرطة</span></span>&#8220;<span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">؟ لماذا يواظب الصحافيّون والسياسيّون الغربيّون على تقديم عشرات الآلاف من القتلى والمصابين الفلسطينيِّين باعتبارهم أضرارًا جانبيَّةً في حرب الدفاع عن النفس المفروضة على الجيش الأكثر أخلاقيَّة في العالم، بحسب مزاعم الجيش الإسرائيليّ؟</span></span></p>
<p dir="rtl" align="right"><span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">لا مجال إلَّا أن تشوب إجاباتُ الكثيرين في جميع أرجاء العالم مرارةٌ عنصريَّةٌ تستعرُ منذ أمدٍ طويل</span></span>. <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">ففلسطين </span></span>&#8220;<span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">قضيَّة لون</span></span>&#8220;<span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">، كما أوضح جورج أورويل في عام </span></span>1945<span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">، وكذلك كان منظور غاندي حتمًا؛ والذي ناشد الزعماء الصهاينة ألَّا يلجؤوا إلى الإرهاب ضدَّ العرب باستخدام أسلحةٍ غربيَّة، ولا ضدَّ أمم ما بعد الاستعمار التي رفضت معظمها الاعتراف بدولة إسرائيل</span></span>. <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">توصيفُ وليم دو بويز للمشكلة المركزيَّة للسياسات الدوليَّة، ألا وهي </span></span>&#8220;<span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">خطُّ</span></span>/ <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">حدّ اللون</span></span>&#8220;<span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">، شكَّل حافزاً لنِلسون مانديلا ليقول إنَّ حرِّيَّة جنوب أفريقيا من نظام الفصل العنصريِّ </span></span>&#8220;<span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">منقوصةٌ ما لم يتحرَّر الفلسطينيّون</span></span>&#8220;. <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">جيمس بولدوِن طالبَ بالحطِّ من قدر ما اصطلحَ له تسمية </span></span>&#8220;<span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">الصمت المرائي</span></span>&#8221; <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">إزاء سلوكيَّات إسرائيل؛ عندما قال إنَّ الدولة اليهوديَّة، التي كانت تبيع الأسلحة لنظام الفصل العنصريِّ في جنوب أفريقيا، تجسيدٌ لتفوُّقِ البيض وليس الديموقراطيَّة</span></span>. <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">محمَّد علي اعتبرَ فلسطينَ نموذجاً للظلم العنصريِّ السافر</span></span>. <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">وبالمثل، نرى اليوم موقف زعماء أقدمِ الجاليات المسيحيَّة السوداء وأبرزها في الولايات المتَّحدة؛ حيثُ اتَّهموا إسرائيل بارتكاب إبادةٍ جماعيَّةٍ وطالبوا بايدن بقطع كلِّ المعونات الماليَّة والعسكريَّة عنها</span></span>.</p>
<p dir="rtl" align="right"><span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">في عام </span></span>1967<span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">، بلغَ بولدوِن من الفظاظة إلى درجة القول إنَّ معاناة الشعب اليهوديّ </span></span>&#8220;<span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">معترفٌ بها كجزءٍ من التاريخ الأخلاقيِّ للعالم</span></span>&#8220;<span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">، في حين </span></span>&#8220;<span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">أنَّ هذا ليس هو الحال بالنسبة إلى السود</span></span>&#8220;. <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">وفي عام </span></span>2024<span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">، يدركُ المزيد من الناس أنَّه، ومقارنةً بضحايا النازيَّة من اليهود، فإنَّه بالكاد هناك إشارةٌ إلى الملايين العديدة من الأرواح التي أزهقتها العبوديَّة، ومحارق أواخر العصر الفيكتوريِّ الكثيرة في كلٍّ من آسيا وأفريقيا، والهجمات النوويَّة على هيروشيما وناغازاكي</span></span>. <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">لقد شهِدت الأعوام الأخيرة تسييسًا محمومًا لمليارات البشر من غير الغربيِّين، كنتيجةٍ لحرب الغرب الكارثيَّة على الإرهاب، و</span></span>&#8220;<span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">أبارتايد التطعيم</span></span>&#8221; <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">إبَّان الجائحة، والنفاق الصارخ إزاء محنة كلٍّ من الأوكرانيِّين والفلسطينيِّين؛ بينما يَصعُب عليهم عدم التنبُّه إلى انتشار نسخةٍ عدائيَّةٍ من </span></span>&#8220;<span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">إنكار الهولوكوست</span></span>&#8221; <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">بين صفوف نُخَب الدول الإمبرياليَّة السابقة، التي ترفض التعاطي مع ماضي دولِها الحافل بالوحشيَّة الإباديَّة والنهب، وتحاول جاهدةً نزع الشرعيَّة عن أيِّ نقاشٍ بهذا الصدد باعتباره نابعًا عن </span></span>&#8220;<span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">صحوةٍ</span></span>&#8221; <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">مُشوَّشة</span></span>. <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">وما زالت سرديَّاتُ تفوُّق الغرب السائدةُ عن الشموليَّة تتجاهل التوصيفات الثاقبة للنازيَّة </span></span>(<span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">التي قدَّمها جواهر لال نهرو وإيمي سيزير، فضلًا عن رعايا إمبرياليِّين آخرين</span></span>) <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">بوصفها </span></span>&#8220;<span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">التوأم</span></span>&#8221; <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">الراديكاليِّ للإمبرياليَّة الغربيَّة؛ وكذلك تتهرَّب من استكشاف الرابط الواضح ما بين كلٍّ من المذابح الإمبرياليَّة للسكَّان الأصليِّين في المستعمرات، والأهوال الإباديَّة التي ارتُكِبت ضدَّ اليهود على أراضي أوروبا</span></span>.</p>
<p dir="rtl" align="right"><span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">واحدٌ من أعظم الأخطار التي تتهدَّد عالمنا اليوم يتمثَّل في ازدياد حدِّ اللون ثخنًا، ليصبح أشبه بخطِّ ماجينو جديد</span></span>. <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">إنَّ معظم البشر خارج الغرب، الذين كانت تجربتهم الأوَّليَّة مع الحضارة الأوروبيَّة على هيئة استعمار وحشيٍّ من قبل مُمثِّليها، لا ينظرون إلى المحرقة باعتبارها عملًا فظيعًا غير مسبوق</span></span>. <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">وفي أثناء تعافيها من ويلات الإمبرياليَّة التي حلَّت ببلادها، فإنَّ الشعوب غير الغربيَّة لم تكن في وضعٍ يسمحُ لها بتقدير حجم الأهوال التي ألحقَّها ذلك التوأم الراديكاليُّ للإمبرياليَّة باليهود في أوروبا</span></span>. <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">لذا عندما يُقارِن الزعماء الإسرائيليُّون حركة حماس بالنازيِّة، ويتقلَّدُ الدبلوماسيّون الإسرائيليّون النجوم الصفراء في الأمم المتَّحدة، فإنَّ جمهورهم يقتصر غالبًا على الغربيِّين وحسب</span></span>. <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">لا تتحمَّل معظم شعوب العالم عبء الذنب الأوروبيِّ المسيحيّ الناجم عن المحرقة، كما لا يعتبرون نشوء إسرائيل ضرورةً أخلاقيَّةً للتكفير عمَّا ارتكبه أوروبيّو القرن العشرين من خطايا</span></span>. <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">لأكثر من سبعة عقود حتَّى الآن، ظلَّ النقاش لدى </span></span>&#8220;<span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">الشعوب ذوي البشرة الداكنة</span></span>&#8221; <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">على النحوِ الآتي</span></span>: <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">لماذا ينبغي حرمان الفلسطينيِّين ومعاقبتهم على جرائم لم يتواطأ على ارتكابهم أحدٌ عدا الأوروبيِّين؟ ولا يسعهم إلَّا النفور باشمئزازٍ من الزعم الضمنيِّ الذي مفادُه أنَّ لإسرائيل الحقّ في ذبح </span></span>13,000 <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">طفل، ليس من باب الدفاع عن النفس وحسب، لكن باعتبارها دولةً خُلِقت من رحم المحرقة</span></span>.</p>
<p dir="rtl" align="right"><span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">في عام </span></span>2006<span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">، حذَّر توني جدت بالفعل من أنَّه </span></span>&#8220;<span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">لم يعُد واردًا توظيف المحرقة كذريعةٍ لسلوكيَّات إسرائيل</span></span>&#8220;<span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">، لأنَّ المزيد من البشر </span></span>&#8220;<span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">غير قادرين ببساطةٍ على فهم كيف يمكن استحضار أهوال الحرب الأوروبيَّة الأخيرة كرخصةٍ لسلوكيَّات غير مقبولة، أو لغضِّ الطرف عنها، في زمانٍ ومكانٍ آخرين</span></span>&#8220;. <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">حذَّر أيضًا من أنَه لم يعد بمقدور </span></span>(<span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">هوس الاضطهاد طويل الأمد</span></span>) <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">الإسرائيليّ</span></span>&#8211; &#8220;<span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">بأنَّ الجميع يسعون للنيل منَّا</span></span>&#8220;- <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">استدرار التعاطف، وأنَّ خطر معاداة الساميَّة العالميَّة قد تحوَّل إلى نبوءاتٍ </span></span>&#8220;<span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">ذاتيَّة التحقُّق</span></span>&#8220;: &#8220;<span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">أيّ أنَّ سلوك إسرائيل الأرعن، وإصرارها الدائم على توصيف كلِّ انتقادٍ يواجهها باعتباره معاديًا للساميَّة، قد صارا اليوم المصدر الرئيسيَّ للمشاعر المعادية لليهود في أوروبا الغربيَّة وجزءٍ كبيرٍ من آسيا</span></span>&#8220;. <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">أخلصُ أصدقاءِ إسرائيل اليوم هُم من يؤجِّجون هذا الوضع</span></span>. <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">ومثلما أوضح الصحافيّ وصانع الأفلام الوثائقيَّة يوفال أبراهام، بالقول إنَّ </span></span>&#8220;<span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">إساءة الاستخدام المشينة</span></span>&#8221; <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">لتهمة معاداة الساميَّة من قِبل الألمان تُفرِغُها من المعنى، و</span></span>&#8220;<span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">بالتالي، تُعرِّض اليهود للخطر في جميع أنحاء العالم</span></span>&#8220;. <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">بايدن لا يزال مُتمسِّكًا بحجَّةٍ زائفةٍ مفادها أنَّ أمان الشعب اليهوديُّ حول العالم معتمدٌ على إسرائيل</span></span>. <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">يقول عزرا لاين، وهو كاتب عمودٍ في نيويورك تايمز</span></span>: &#8220;<span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">أنا يهوديّ</span></span>. <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">هل أشعر بأنَّني أكثر أمانًا؟ هل أشعر أنَّ هناك تراجعًا في معاداة الساميَّة في العالم بسبب ما يجري اليوم، أم يبدو لي أنَّها تشهَدُ صعودًا هائلًا؛ وأن حتَّى اليهود خارج إسرائيل صاروا عرضةٌ للخطر من جرَّاء ما يحدث في داخلها؟</span></span>&#8220;.</p>
<p dir="rtl" align="right"><span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">بدا أنَّ الناجين من المحرقة، الذين استشهدتُ بهم سابقًا، قد توقَّعوا هذا السيناريو المدمِّرُ بوضوحٍ تامٍ، وحذَّروا من الضرر التي يلحق بذاكرة المحرقة كنتيجةٍ لاستغلالها</span></span>. <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">في أعقاب ثمانينيَّات القرن المنصرم، حذَّر باومان مرارًا وتكرارًا من أنَّه من شأن هذه الأساليب التي يعمد إليها سياسيُّون عديمو الضمير كبيغن ونتنياهو أن تضمنَ </span></span>&#8220;<span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">لهتلر انتصارَ ما بعد الموت، إذ كان يَحلُم بنشوب صراعٍ بين اليهود والعالم أجمَع</span></span>&#8220;<span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">، و</span></span>&#8220;<span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">منع اليهود من التعايش السلميِّ مع الآخرين أبدًا</span></span>&#8220;. <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">أمري، الذي عاش أعوامه الأخيرة يائسًا بسبب </span></span>&#8220;<span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">تفاقم مُعاداة الساميَّة</span></span>&#8220;<span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">، كان قد ناشد الإسرائيليِّين أن يُعاملوا الفلسطينيِّين، بما في ذلك الإرهابيِّين منهم، بطريقةٍ إنسانيَّة، وذلك لئلَّا يتحوَّل تضامنه وأمثاله من صهاينة الشتات مع إسرائيل </span></span>&#8220;<span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">إلى أساسٍ لشراكةٍ بين طرفين محكومٍ عليها بالفشل في مواجهة الكارثة</span></span>&#8220;.</p>
<p dir="rtl" align="right"><span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">لا يتوقَّع المرء الكثير من زعماء إسرائيل الحاليِّين في هذا الصدد</span></span>. <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">كان أحرى بهم إبَّان اكتشافهم هشاشتهم الشديدة أمام كلٍّ من حزب الله وحماس أن يصيروا أكثر استعدادًا للمخاطرة في سبيل التوصُّل إلى تسويةٍ سلميَّة</span></span>. <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">مع ذلك، ومع كلِّ ما أغدقه عليهم بايدن من قنابل من وزن ألفي رطل، فإنَّهم يسعون بجنونٍ إلى زيادة عسكرة احتلالهم لكلٍّ من الضفَّة الغربيَّة وغزَّة</span></span>. <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">هذا الأذى الذاتيِّ هو التأثير طويل الأمد التي عبَّر بوعز إيفرون عن خشيته منه عندما حذَّر من </span></span>&#8220;<span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">الحديث المستمرِّ عن المحرقة ومعاداة الساميَّة وكراهية اليهود عبر كلِّ الأجيال</span></span>&#8220;. &#8220;<span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">لا يمكن فصلُ قيادةٍ ما عن أجندتها</span></span>&#8220;<span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">، يقول إيفرون، والطبقة الحاكمة في إسرائيل تتصرَّفُ كأنَّها زعامة </span></span>&#8220;<span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">طائفة</span></span>&#8221; <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">تنشَطُ </span></span>&#8220;<span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">في عالمِ الأساطير والوحوش التي صنعَتها بأيديها</span></span>&#8220;<span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">، </span></span>&#8220;<span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">ولم تعُد قادرةً على فهم ما يحدثُ في العالم الحقيقيّ</span></span>&#8221; <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">أو </span></span>&#8220;<span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">العمليَّات التاريخيَّة التي تحيط بالدولة</span></span>&#8220;.</p>
<p dir="rtl" align="right"><span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">أيضاً، وبعد أربعةٍ وأربعين عامًا من كتابة إيفرون للسطور السابقة، يبدو أكثر وضوحًا الآن أنَّ رعاة إسرائيل الغربيِّين قد تحوَّلوا إلى أسوأ أعدائها إذ يغرقون ربيبتهم في مزيدٍ من الوهم</span></span>. <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">وكما قال إيفرون، تتصرَّف القوى الغربيَّة ضدَّ </span></span>&#8220;<span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">مصالحها الخاصَّة، وتتعامل مع إسرائيلَ في إطارٍ علاقةٍ تفضيليَّةٍ خاصَّة من دون أن ترى إسرائيل نفسها ملزمةً بالتعامل بالمثل</span></span>&#8220;. <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">نتيجةً لذلك، </span></span>&#8220;<span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">فإنَّ المعاملة الخاصَّة التي تحظى بها إسرائيل، مُتمثِّلةً في دعمٍ اقتصاديٍّ وسياسيٍّ غير مشروط</span></span>&#8220;<span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">، قد </span></span>&#8220;<span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">خلقَت حول الأخيرة دفيئةً اقتصاديَّةً وسياسيَّةً تعزلُها عن الحقائق الاقتصاديَّة والسياسيَّة العالميَّة</span></span>&#8220;.</p>
<p dir="rtl" align="right"><span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">يُهدِّدُ نتنياهو وزمرتهُ ركائز النظام العالميِّ الذي أعيدَ بناؤه بعد فضح الجرائم النازيَّة</span></span>. <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">حتَّى قبل غزَّة، كانت المحرقة في خضمِّ خسارة موقعها المركزيِّ في خيالنا عن الماضي والمستقبل</span></span>. <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">صحيحٌ أنَّه لم تشهَد أيُّ فظاعةٍ تاريخيَّةٍ أخرى هذا القدر الواسع والشامل من إحياء الذكرى؛ لكن ثقافة هذا الإحياء قد بلغت الآن مدى تراكُمِ تاريخها الطويل، والذي يُظهِرُ أنَّ ذاكرة المحرقة لم تنبثِق بطريقة طبيعيَّةٍ عمَّا جرى ما بين عامي </span></span>1939 <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">و</span></span>1945 <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">وحسب؛ بل تَشكَّلَت، على نحوٍ متعمَّدٍ في أغلب الأحيان، ولأجل غاياتٍ سياسيَّةٍ محدَّدة</span></span>. <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">في الواقع، صار الإجماع الضروريُّ حول الأهمِّيَّة العالميَّة للمحرقة مُقوَّضًا مع تزايد وضوح الضغوطات الأيديولوجيَّة التي تُفرَضُ على ذاكرتها</span></span>.</p>
<p dir="rtl" align="right"><span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">بعد عام </span></span>1945<span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">، لم يعد خفيًّا على أحدٍ أنَّ النظام النازيَّ في ألمانيا، والمتواطئين معه من الأوروبيِّين، قد قتلوا ستَّة ملايين يهوديّ</span></span>. <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">لكن، لأعوامٍ طوال، لم تلقَ هذه الحقيقة المروِّعة صدى سياسيًّا وفكريًّا يُذكَر</span></span>. <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">في أربعينيَّات القرن المنصرم وخمسينيَّاته، لم يكن يُنظَر إلى المحرقة باعتبارها فظاعةً بمعزلٍ عن فظائع الحرب الأخرى</span></span>: <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">كمحاولات إبادة الشعوب السلافيَّة، والروما، وذوي الاحتياجات الخاصَّة، والمثليِّين</span></span>. <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">لا شكَّ أنَّه كانت لمعظم الشعوب الأوروبيَّة أسبابها الخاصَّة لعدم الخوض في مسألة قتل اليهود</span></span>. <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">كان الألمان مهووسين بصدمتهم الخاصَّة، الناجمة عمَّا تعرَّضوا إليه من قصف، واحتلالٍ من قِبل قوى الحلفاء، وطردٍ جماعيٍّ من أوروبا الشرقيَّة</span></span>. <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">فرنسا، وبولندا، والنمسا، وهولندا؛ والتي تعاونت بحماسةٍ مع النازيِّين، أرادت تقديم نفسها كجزءٍ من </span></span>&#8220;<span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">مقاومةٍ</span></span>&#8221; <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">باسلة ضدَّ الهتلريَّة</span></span>. <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">ولفترةٍ طويلة بعد انتهاء الحرب في عام </span></span>1945<span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">، ظلَّت هناك تذكيراتٌ فاضحةٌ كثيرة تنطوي على دلالات التواطؤ</span></span>: <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">حيثُ شغلَ منصب المستشار والرئيس في ألمانيا نازيُّون سابقون</span></span>. <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">وكان الرئيس الفرنسيُّ فرانسوا ميتران قياديًّا في نظام فيشي</span></span>. <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">وحتَّى وقتٍ متأخِّر، في عام </span></span>1992<span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">، كان كورت فالدهايم لا يزال رئيسًا للنمسا على الرغم من الأدلَّة التي تفضحُ تورُّطه في الفظائع النازيَّة</span></span>.</p>
<p dir="rtl" align="right"><span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">حتَّى في الولايات المتَّحدة، سادَ </span></span>&#8220;<span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">صمتٌ عامّ، ونوعٌ من إنكار المحرقة على مستوى الدولة</span></span>&#8220;<span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">، بحسب تعبير إديث زيرتال في كتاب </span></span>&#8220;<span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">إسرائيل</span></span>: <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">المحرقة وسياسات الأمَّة</span></span>&#8220;<span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">، الصادر في عام </span></span>2005. <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">مرَّت فترةٌ طويلةٌ بعد عام </span></span>1945 <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">قبل أن يتَّخذ إحياء ذكرى المحرقة طابعًا علنيًّا</span></span>. <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">في إسرائيل نفسها، ظلَّ الوعي بالمحرقة مُقتصرًا على الناجين منها وحسب طوال أعوامٍ عديدة، وكانوا، ومن العجيب تذكُّرُ ذلك الآن، يُمطَرون بالازدراء من قِبل زعماء الحركة الصهيونيَّة</span></span>. <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">في البداية، رأى بن غوريون صعود هتلر إلى السلطة بمثابة </span></span>&#8220;<span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">دعمٍ سياسيٍّ واقتصاديٍّ عظيمٍ للمشروع الصهيونيّ</span></span>&#8220;<span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">، في حين أنَّه لم ينظر إلى الحطام البشريِّ الذي خلَّفه هتلر في معسكرات الموت كمادَّةٍ مُناسبةٍ لبناء دولةٍ يهوديَّةٍ قويَّةٍ جديدة</span></span>. &#8220;<span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">كلُّ ما قاسوه</span></span>&#8220;<span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">، قال بن غوريون، </span></span>&#8220;<span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">كان كفيلًا بتطهير أرواحهم من أيِّ خير</span></span>&#8220;. <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">شاؤول فريدلِندر؛ أحد أبرز مُؤرِّخي المحرقة، والذي كان من أسباب رحيله عن إسرائيل هو عدم قدرته على تحمُّل مشاهدة استغلال المحرقة </span></span>&#8220;<span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">كذريعةٍ لاستخدام تدابير قاسيةٍ ضدَّ الفلسطينيِّين</span></span>&#8220;<span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">، كتبَ في مُذكَّراته، الصادرة في عام </span></span>2016 <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">بعنوان </span></span>&#8220;<span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">حيثُ تفضي الذاكرة</span></span>&#8220;<span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">، أنَّ الباحثين الأكاديميِّين تجاهلوا الموضوع في البداية، تاركين إيَّاه لمركز ياد فاشيم للذكرى والتوثيق</span></span>.</p>
<p dir="rtl" align="right"><span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">بدأت المواقف السابقة تتغيَّر مع محاكمة أدولف آيخمان، في عام </span></span><span lang="en-US">1961</span>. <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">في كتابه </span></span>&#8220;<span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">المليون السابع</span></span>&#8221; <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">الصادر في عام </span></span>1993<span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">، يروي المؤِّرخ الإسرائيليُّ توم سيغف أنَّ بن غوريون، الذي اتَّهمَهُ بيغن وغيره من خصومه السياسيِّين بعدم الاكتراث بالناجين من المحرقة، قرَّر تنظيم </span></span>&#8220;<span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">مُتنفَّسٍ وطنيّ</span></span>&#8221; <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">من خلال إجراء محاكمةٍ لمجرم حربٍ نازيّ</span></span>. <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">كان يأمل في تثقيف يهود البلاد العربيَّة عن المحرقة ومعاداة الساميَّة الأوروبيَّة </span></span>(<span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">كظاهرتين غير مألوفتين بالنسبة إليهم</span></span>)<span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">، والبدء بربطهم باليهود ذوي الأصول الأوروبيَّة ضمن ما بدا بوضوحٍ أنَّه مجتمعٌ متخيَّلٌ بصورةٍ منقوصة</span></span>. <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">يمضي سيغف في وصف تطوير بيغن لهذه السيرورة الهادفة إلى خلق وعيٍ بالمحرقة لدى اليهود ذوي البشرة الداكنة، الذين كانوا لفترةٍ طويلةٍ هدفًا للإذلال العنصريِّ من قبل مؤسَّسة البيضاء للبلاد</span></span>. <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">لقد داوى بيغن جراحهم الناجمة عن الطبقيَّة والعنصريَّة من خلال وعدهم بأراضٍ فلسطينيَّةٍ مسروقةٍ ومكانةٍ اجتماعيَّةٍ اقتصاديَّةٍ أعلى من العرب المحرومين والمعدمين</span></span>.</p>
<p dir="rtl" align="right"><span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">اقترنَ هذا التوزيع لنسبة الانتماء الإسرائيليّ مع تعاظم تأثير سياسات الهويَّة داخل أقليَّةٍ ثريَّةٍ في الولايات المتَّحدة</span></span>. <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">في كتابه </span></span>&#8220;<span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">المحرقة في الحياة الأميركيَّة</span></span>&#8220;<span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">، الصادر في عام </span></span>1999<span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">، يسهب بيتر نوفيك على نحوٍ مذهلٍ في بيان أنَّ المحرقة </span></span>&#8220;<span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">لم تُلق بظلالها إلى حدٍّ بعيد</span></span>&#8221; <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">على حياة يهود أميركا حتَّى أواخر ستينيَّات القرن المنصرم</span></span>. <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">كما لم يتناول موضوعها إلَّا عددٌ ضئيلٌ من الكتب والأفلام وحسب</span></span>. <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">فيلم </span></span>&#8220;<span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">حُكمٌ في نورمبرغ</span></span>&#8220;<span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">، الذي عُرض في عام </span></span>1961<span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">، أدرجَ القتل الجماعيَّ لليهود ضمن فئةٍ أوسع نطاقًا شملَت جرائم النازيَّة</span></span>. <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">وفي مقالته </span></span>&#8220;<span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">المثقَّف والمصير اليهوديّ</span></span>&#8220;<span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">، المنشورة في مجلَّة </span></span>&#8220;<span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">كومينتاري</span></span>&#8221; <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">في عام </span></span>1957<span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">، لم يذكُر شفيعُ الصهاينة المحافظين الجدد في ثمانينيَّات القرن الفائت، نورمان بودهوريتز، أيَّ حرفٍ عن المحرقة على الإطلاق</span></span>.</p>
<p dir="rtl" align="right"><span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">في البداية، لم تُشِّجع المنظَّمات اليهوديَّة، التي ذاع صيتها السيِّء بشأن ممارستها الرقابة على الآراء عن بالصهيونيَّة، على تخليد ذكرى الضحايا اليهود الأوروبيِّين؛ بل كانت تهروِل من أجل تعلُّم القواعد الجديدة للعبة الجيوسياسيَّة</span></span>. <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">ففي التبدُّلات الأشبه بتغيير الحرباء لألوانها إبَّان أوائل فترة الحرب الباردة، تحوَّل الاتِّحاد السوفيّتيّ من كونه حليفًا شرسًا ضدَّ ألمانيا النازيَّة إلى شرٍّ استبداديّ؛ وبالعكس، صارَت ألمانيا حَليفًا ديموقراطيًّا ثابتًا ضدَّ الشرِّ الاستبداديِّ بعد أن كانت تمثِّل واحدةً من تمظهراته</span></span>. <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">ونتيجةً لذلك، حثَّ محِّرر مجلِّة كومنتاري اليهود الأميركيِّين على ترسيخ </span></span>&#8220;<span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">موقفٍ واقعيٍّ بدلًا من تبنَّي موقفٍ عقابيٍّ واتِّهاميٍّ</span></span>&#8221; <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">إزاء ألمانيا، التي تحوَّلت حينذاك إلى ركيزةٍ من ركائز </span></span>&#8220;<span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">الحضارة الديموقراطيَّة الغربيَّة</span></span>&#8220;.</p>
<p dir="rtl" align="right"><span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">هذا التلاعب المكثَّف بالعقول، الذي مارسَه سياسيّو العالم الحرِّ ومفكِّروه، أحدث صدمةً لدى العديد من الناجين من المحرقة وأثار حفيظتهم</span></span>. <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">مع ذلك، لم يُنظَر إليهم حينها باعتبارهما شهودًا يتمتَّعون بامتيازاتٍ فريدة في العالم الحديث</span></span>. <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">أمري، الذي كان يبغض </span></span>&#8220;<span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">الفيلوساميَّة التطفُّليَّة</span></span>&#8221; <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">لألمانيا ما بعد الحرب، اقتصرَ على تركيز </span></span>&#8220;<span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">استيائه</span></span>&#8221; <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">الخاصِّ في مقالاتٍ سعَت إلى استثارة </span></span>&#8220;<span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">الضمير البائس</span></span>&#8221; <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">للقرَّاء الألمان</span></span>. <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">في إحدى تلك المقالات، يصف أمري رحلته عبر ألمانيا في أواسط ستينيَّات القرن الفائت</span></span>. <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">ففي أثناء مناقشته لرواية سول بيلو الأخيرة مع ثلَّة من مثقَّفي البلد الجدد </span></span>&#8220;<span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">الرفيعين</span></span>&#8220;<span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">، لم تغب عن ذهنه </span></span>&#8220;<span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">الوجوه الخالية من التعبير</span></span>&#8221; <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">لألمان عاديِّين أمام كومةٍ من الجثث؛ واكتشفَ أنَّه يحملُ </span></span>&#8220;<span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">ضغينةً</span></span>&#8221; <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">جديدةً تجاه الألمان ومكانتهم المرموقة في </span></span>&#8220;<span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">قاعات الغرب المهيبة</span></span>&#8220;. <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">تجربة أمري مع </span></span>&#8220;<span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">العزلة المطلقة</span></span>&#8220;<span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">، أمام جلَّاديه من الشرطة السرِّيَّة الألمانيَّة، كانت كفيلةً بتدمير </span></span>&#8220;<span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">ثقته بالعالم</span></span>&#8220;. <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">ولم يعرف مجدَّدًا معنى </span></span>&#8220;<span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">التفاهم المتبادل</span></span>&#8221; <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">مع بقيَّة البشر إلَّا بعد تحريره من الأسر، والسبب، على حدِّ تعبيره، </span></span>&#8220;<span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">أنَّ أولئك الذين عذَّبوني وحوَّلوني إلى حشرةٍ</span></span>&#8221; <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">بدا وكأنَّهم يثيرون </span></span>&#8220;<span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">ازدراءي</span></span>&#8220;. <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">لكن سرعان ما تداعى إيمانُه الشفائيُّ بـ </span></span>&#8220;<span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">توازن أخلاقيَّات العالم</span></span>&#8221; <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">في أعقاب احتضان الغرب لألمانيا، وتهافُتِ العالم الحرِّ على تجنيد النازيِّين السابقين لصالح </span></span>&#8220;<span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">لعبته الجديدة على السلطة</span></span>&#8220;.</p>
<p dir="rtl" align="right"><span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">كانت مشاعر أمري بالخيانة ستزداد حدَّةً لو اطَّلع على مُذكَّرة موظَّفي اللجنة اليهوديَّة الأميركيَّة في عام </span></span>1951<span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">، إذ أعربت عن أسفها لحقيقة أنَّ </span></span>&#8220;<span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">التفكير السليم لدى معظم اليهود، حيال ألمانيا والألمان، لا يزال مشوَّشًا بفعل مشاعر قويَّة</span></span>&#8220;. <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">يُبيِّن نوفيك أنَّ اليهود الأميركيِّين، مثل غيرهم من الجماعات العرقيَّة، كانوا حريصين تهمة الولاء المزدوج والاستفادة من الفرص الهائلة التي وفَّرتها أميركا ما بعد الحرب</span></span>. <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">صاروا أكثر انتباهًا لوجود إسرائيل في أثناء محاكمة آيخمان المثيرة للجدل وما حظيت به من تغطيةٍ إعلاميَّة مكثَّفة؛ إذ جعلَت من الطرح القائل إنَّ اليهود شكَّلوا القائمة الأساسيَّة لأهداف هتلر وضحاياه حقيقةً لا مفرَّ منها</span></span>. <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">لكن فقط في أعقاب كلٍّ من حرب الأيَّام الستَّة في عام </span></span>1967 <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">وحرب يوم الغفران </span></span>(<span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">حرب أكتوبر</span></span>) <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">في عام </span></span>1973<span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">، أي عندما بدا أنَّ إسرائيل تواجه تهديدًا وجوديًّا من أعدائها العرب، صار ينُظَر إلى المحرقة ضمن إطار أشمل، في كلٍّ من إسرائيل والولايات المتَّحدة، باعتبارها رمزًا للضعف اليهوديِّ في عالمٍ معادٍ لهم إلى الأبد</span></span>. <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">هُنا شرعَت المنظَّمات اليهوديَّة بنشر شعار </span></span>&#8220;<span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">لن تحدث مجدَّدًا</span></span>&#8220;<span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">، للضغط من أجل ضمان سياسياتٍ أميركيَّةٍ لصالح إسرائيل</span></span>. <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">بدورها، بدأت الولايات المتَّحدة، بعد تعرُّضها لهزيمةٍ مذلَّةٍ في شرق آسيا، ترى في إسرائيل التي تبدو ظاهريًّا لا تقهر، وكيلًا قيِّمًا في الشرق الأوسط، فبدأت تدعم الدولة اليهوديَّة بسخاء</span></span>. <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">وفي المقابل، أصبحَت السرديَّة التي روَّج لها القادة الإسرائيليّون والجماعات الصهيونيَّة الأميركيَّة، ومفادها أنَّ المحرقة شكَّلت خطرًا داهمًا ومحدقًا على اليهود، أصبحَت بمثابة أساسٍ لهويَّةٍ ذاتيَّةٍ مشتركة لدى العديد من الأميركيِّين اليهود في سبعينيَّات القرن الفائت</span></span>.</p>
<p dir="rtl" align="right"><span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">شكَّل الأميركيُّون اليهود حينذاك الأقليَّةَ الأكثر تعليمًا ورخاءً في أميركا، وشهِدَت اللادينيَة ازديادًا في أوساطهم</span></span>. <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">مع ذلك، وفي المجتمع الأميركيِّ شديد الاستقطاب في أواخر ستينيَّات القرن المنصرم وسبعينيَّاته، حيثُ صار العزل الإثنيّ والعرقيّ ظاهرةً شائعةً وسطَ شعورٍ مستشرٍ بالفوضى وانعدام الأمن، وحيث تحوَّلت الكارثة التاريخيَّة إلى شارةٍ للهويَّة والاستقامة الأخلاقيَّة؛ ازدادت أعدادُ المنتسبين من الأميركيِّين اليهود المندمجين إلى ذكرى المحرقة، وصاروا ينشؤون علاقاتٍ شخصيَّةً مع إسرائيل التي اعتبروا أنَّها مُهدَّدةٌ من قِبل إباديِّين مُعادين للساميَّة</span></span>. <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">وهكذا، تحوَّر التقليد السياسيُّ اليهوديُّ الذي كان مشغولًا بقضايا عدم المساواة، والفقر، والحقوق المدنيَّة، وحماية البيئة، ونزع السلاح النوويّ، ومعاداة الإمبرياليَّة، إلى آخرَ يتميَّزُ بالاهتمام المفرِط بالديموقراطيَّة الوحيدة في الشرق الأوسط</span></span>. <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">في المذكرات التي كتبها منذ ستينيَّات القرن الفائت فصاعدًا، يتأرجح موقف الناقد الأدبيِّ ألفرِد كازين ما بين حيرةٍ وازدراء، إذ يُسهب في تفصيل أنماط سايكودراما الهويَّة الشخصيَّة، التي ساعدت في خلق الدائرة الانتخابيَّة الأشد ولاءً لإسرائيل في الخارج</span></span>:</p>
<p dir="rtl" align="right"><em><span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">سيأتي يومٌ نتذكَّر فيه فترة </span></span>&#8220;<span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">النجاح</span></span>&#8221; <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">الحاليَّة لليهود كإحدى أعظم المفارقات</span></span>&#8230; <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">وقع اليهود في الفخّ، قُتِلوا، وانتهى الأمر</span></span>! <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">من بين الرماد، كلُّ هذا النحيب والاستغلال الحتميَّين للمحرقة</span></span>&#8230; <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">إسرائيل؛ باعتبارها </span></span>&#8220;<span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">حصن</span></span>&#8221; <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">اليهود؛ والمحرقة باعتبارها كتابنا المقدَّس الجديد، أكثر من كونها سِفرَ مراثٍ</span></span>.</em></p>
<p dir="rtl" align="right"><span lang="ar-SA">نفرَ كازين من التقديس الأميركيِّ لإيلي فيزيل الذي كان يؤكِّدُ علانيةً أينما حلَّ أنَّ المحرقة حدثٌ غير قابلٍ للفهم، ولا المقارنة، ولا التمثيل، وأنَّه ليس للفلسطينيِّين حقٌّ في القدس</span>. <span lang="ar-SA">في رأي كازين، عثَرت </span>&#8220;<span lang="ar-SA">الطبقة الوسطى اليهوديَّة الأميركيَّة</span>&#8221; <span lang="ar-SA">في فيزيل، </span>&#8220;<span lang="ar-SA">يسوع المحرقة</span>&#8220;<span lang="ar-SA">، على </span>&#8220;<span lang="ar-SA">بديلٍ لفراغها الدينيّ</span>&#8220;. <span lang="ar-SA">لم يخفَ التأثيرُ القويُّ لسياسات الهويَّة لأقليَّةٍ أميركيَّةٍ عن أعين بريمو ليفي أثناء زيارته الوحيدة للبلاد في عام </span>1985<span lang="ar-SA">؛ أي قبل انتحاره بعامين</span>. <span lang="ar-SA">كان انزعاجهُ شديدًا من الثقافة الطاغية لاستهلاك المحرقة التي أحاطَت فيزيل </span>(<span lang="ar-SA">الذي زعم أنَّه كان صديقًا مقرَّبًا لليفي في أوشفيتزٍ؛ في حين لم يتذكَّر ليفي أنَّه التقى به مُطلَقًا</span>)<span lang="ar-SA">، كما شعرَ بالحيرة إزاء هوس مضيفيه الأميركيِّين التلصُّصيِّ بصدد يهوديَّته</span>. <span lang="ar-SA">في هذا السياق، كتب ليفي إلى أصدقائه في مسقطِ رأسه، تورينو، يشكو من أنَّ الأميركيِّين </span>&#8220;<span lang="ar-SA">علقَّوا نجمة داوود</span>&#8221; <span lang="ar-SA">عليه</span>. <span lang="ar-SA">وعندما سُئل عن آرائه بسياسات الشرق الأوسط، خلال محاضرة له في بروكلين، شرع ليفي بالقول </span>&#8220;<span lang="ar-SA">إنَّ وجود إسرائيل خطأٌ، من منظورٍ تاريخيّ</span>&#8220;. <span lang="ar-SA">أثار هذا ضجَّةً عارمة، اضطرَّ على إثرها المحاوِرُ إلى إنهاء اللقاء</span>. <span lang="ar-SA">وفي وقتٍ لاحقٍ من ذلك العام، عمدت مجلَّة </span>&#8220;<span lang="ar-SA">كومنتاري</span>&#8220;<span lang="ar-SA">، التي تؤيُّد إسرائيل بضراوة اليوم، إلى تكليف شابٍّ في الرابعة والعشرين من عمره، ويطمَح أن يصبح محافظًا جديدًا، بشنِّ هجماتٍ خبيثةٍ ضدَّ ليفي</span>. <span lang="ar-SA">وبحسب كلمات الأخير نفسه، فإنَّ هذه البلطجة الفكريَّة </span>(<span lang="ar-SA">التي يشعر الشخصُ الذي كان وراءها اليوم بندمٍ مرير، بعد أن صار كاتبًا مُعاديًا للصهيونيَّة</span>) <span lang="ar-SA">قد ساهمت في إخماد </span>&#8220;<span lang="ar-SA">رغبته في الحياة</span>&#8220;.</p>
<p dir="rtl" align="right"><span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">في الأدب الأميركيّ الحديث، تتجلَّى بوضوحٍ بالغٍ مفارقةٌ مفادها أنَّه كلَّما ابتعدنا زمنيًّا عن المحرقة، أصبح تمسُّك الأجيال اللاحقة من الأميركيِّين اليهود بذكراها أشدَّ ضراوة</span></span>. <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">لقد أذهلني حجم الاستخفاف الذي صَوَّر فيه إيزاك باشفيس زينغر، المولود في عام </span></span>1904 <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">ببولندا، ويُعتبَر إلى حدٍّ كبيرٍ الكاتب اليهوديَّ الأعلى جودةً في القرن العشرين، الناجين من المحرقة في أعماله الروائيَّة، واستهزاءه بكلٍّ من دولة إسرائيل والفيلوساميَّة المفرطة الأميركيِّين غير اليهود</span></span>. <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">إنَّ روايةً على غرار </span></span>&#8220;<span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">ظلال على نهر هدسون</span></span>&#8220;<span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">، تكادُ تبدو مُصمَّمةً خصيِّصاً من أجل إثبات أنَّ تجربة الاضطهاد لا ترتقي بالأخلاق</span></span>. <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">بينما يبدو أنَّ الكتَّاب اليهود، الأصغر سنًّا والأكثر علمانيَّة من زينغر، غارقون للغاية بما أسمَّته جيليان روز، في مقالتها اللاذعة عن فيلم قائمة شندلر، بـ </span></span>&#8220;<span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">ورع الهولوكوست</span></span>&#8220;. <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">في مراجعةٍ نشرتها </span></span>&#8220;<span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">لندن ريفيو أوف بوكس</span></span>&#8221; <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">في عام </span></span>2005 <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">لرواية </span></span>&#8220;<span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">تاريخ الحبّ</span></span>&#8220;<span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">، الصادرة في العام نفسه للروائيَّة نيكول كراوس وتدور أحداثها في كلٍّ من إسرائيل وأوروبا والولايات المتَّحدة، يشيرُ الكاتب جيمس وود إلى أنَّ الروائيَّة، المولودة في عام </span></span>1974<span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">، </span></span>&#8220;<span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">تمضي في تطوير العمل كما لو أنَّ المحرقة حدثت بالأمس</span></span>&#8220;. <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">كما يضيف لاحقاً أنَّ الطابع اليهوديَّ للرواية </span></span>&#8220;<span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">مُشوَّهٌ بالاحتيال والتكلُّف بفعل التأثير الطاغي لهويَّة كراوس على امتداد العمل</span></span>&#8220;. <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">هذه </span></span>&#8220;<span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">الحماسة اليهوديَّة</span></span>&#8221; <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">التي تقاربُ حدود </span></span>&#8220;<span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">التهريج الجوَّال</span></span>&#8220;<span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">، تتناقضُ بشدَّةٍ مع أعمال كلٍّ من بيلو ونورمان ميلر وفيليب روث، الذين </span></span>&#8220;<span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">لم يُظهروا اهتمامًا كبيرًا بما ألقته المحرقة من ظلال</span></span>&#8220;.</p>
<p dir="rtl" align="right"><span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">نشأ ارتباطٌ وثيقٌ أيضًا بين الصحافة الأميركيَّة عن إسرائيل والمحرقة إلى حدٍّ بعيد، وقد أثَّر ذلك سلبيًّا على تغطيتها</span></span>. <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">والأهمُّ من ذلك، أفضى كلٌّ من تديُّن المحرقة السياسيّ</span></span>&#8211;<span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">العلمانيّ، والتماهي المفرط مع إسرائيل منذ سبعينيَّات القرن الفائت، إلى إحداث انحرافاتٍ خطيرةٍ في السياسة الخارجيَّة للولايات المتَّحدة، أبرز رعاة إسرائيل</span></span>. <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">في عام </span></span>1982<span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">، قبيل وقتٍ قصيرٍ من إصدار ريغان أمرًا صريحًا لبيغن من أجل إيقاف </span></span>&#8220;<span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">محرقته</span></span>&#8221; <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">في لبنان، التقى سيناتور أميركيّ شابّ، وكان أيضاً أحد مريدي فيزيل، برئيس الوزراء الإسرائيليّ</span></span>. <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">وبحسب رواية بيغن التي تنضح ذهولًا عن ذلك اللقاء، فإنَّ ذلك السيناتور قد أثنى على جهود إسرائيل الحربيَّة، وتفاخر بأنَّه كان سيمضي أبعد ممَّا حدث بالفعل، حتَّى لو عنى ذلك قتل النساء والأطفال</span></span>. <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">كانت كلماتُ الرئيس الأميركيِّ المستقبليّ، جو بايدن، قد فاجأت بيغن نفسه، ودفعته للردِّ بإصرار</span></span>: &#8220;<span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">كلَّا، يا سيِّدي</span></span>! <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">قيمُنا تَمنعُنا من إيذاء النساء والأطفال، حتَّى لو كان ذلك أثناء الحرب</span></span>&#8230; <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">هذا معيارٌ للحضارة الإنسانيَّة، ألَّا نؤذي المدنيِّين</span></span>&#8220;.</p>
<p dir="rtl" align="right"><span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">إنَّ الأمد الطويل للسلام النسبيِّ جعل معظمنا غافلين عن الفظائع التي سبقتها</span></span>. <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">قليلٌ فقط من البشر الذين ما زالوا على قيد الحياة يتذكَّرون تجربة الحرب الشاملة التي ميَّزت النصف الأوَّل من القرن العشرين، والصراعات الإمبرياليَّة والقوميَّة داخل أوروبا وخارجها، والحشد الجماهيريّ الأيديولوجيّ، واندلاع الفاشيَّة والنزعة العسكريَّة</span></span>. <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">لقد كشفَت قرابةُ نصف قرنٍ من الصراعات الأكثر وحشيَّة وأشدِّ الانهيارات الأخلاقيَّة في التاريخ، عن المخاطر التي تتهدَّد عالمًا لا ينطوي على أيِّ ضوابط دينيَّة أو أخلاقيَّة لما يمكن للبشر فعله أو ما قد يتجرَّؤون على الإقدام عليه</span></span>. <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">والمنطق العلمانيّ والعلم الحديث، اللذان حلَّا محلَّ الدين التقليديّ وأزاحاه، لم يكشفا فقط عن عجزِهما في تشريع السلوك البشريّ؛ بل كانا متواطئين في أنماطٍ جديدةٍ وفعَّالةٍ من القتل الوحشيِّ تجلَّت في كلٍّ من أوشفيتز وهيروشيما</span></span>.</p>
<p dir="rtl" align="right"><span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">إبَّان عقود إعادة الإعمار التي أعقبَت عام </span></span>1945<span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">، أصبح من الممكنِ تدريجيًّا أن نؤمن مجدَّدًا بمفهوم المجتمع الحديث، وبمؤسَّساته باعتبارها قوَّة تَحضيرٍ لا لبس فيها، وبقوانينه باعتبارها درعاً في وجه الأهواء الخبيثة</span></span>. <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">تكرَّس هذا الإيمان المؤقَّت عبر لاهوتٍ علمانيٍّ سلبيٍّ مُستمّدٍ من فضح الجرائم النازيَّة</span></span>: <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">لن تحدُث مجدَّدًا</span></span>. <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">وشيئًا فشيئًا، اكتسبَت هذه الضرورة الحتميَّة لمرحلة ما بعد الحرب شكلًا مؤسَّساتيًّا مع إنشاء منظَّماتٍ على غرار محكمة العدل الدوليَّة، والمحكمة الجنائيَّة الدوليَّة، ومنظَّمات حقوق الإنسان اليقظة مثل منظَّمة العفو الدوليَّة وهيومن رايتس ووتش</span></span>. <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">وكانت إحدى أبرز وثائق أعوام ما بعد الحرب، وهي ديباجة الميثاق العالميّ لحقوق الإنسان في عام </span></span>1948<span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">، مُشبَّعةً بالخوف من تكرار ماضي أوروبا العنصريِّ الكارثيّ</span></span>. <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">في العقود الأخيرة، ومع تلاشي التصوُّرات الطوباويَّة عن نظامٍ اجتماعيٍّ اقتصاديٍّ أفضل، صارت سلطة النموذج الأسمى لحقوق الإنسان مستقاةً بصورةٍ أكبر من ذكريات الشرِّ الأعظم الذي ارتُكب خلال المحرقة</span></span>.</p>
<p dir="rtl" align="right"><span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">في نضالات الإسبان من أجل عدالةٍ تصالحيَّةٍ بعد أعوامٍ طوال من الديكتاتوريَّات الوحشيَّة؛ وثورات الأميركيِّين اللاتينيِّين من أجل معتقليهم المختفين قسرًا؛ ومناشدات البوسنيِّين طلبًا للحماية من ممارسات التطهير العرقيِّ الصربيَّة؛ والنداءات الكوريَّة لإنصاف </span></span>&#8220;<span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">نساء المتعة</span></span>&#8221; <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">اللواتي استعبدهنَّ اليابانيّون إبَّان الحرب العالميَّة الثانية؛ شكَّلت معاناةُ اليهود على أيدي النازيِّين الأساس الذي استندت إليه معظم خصائص الأيديولوجيا والأعمال الوحشيَّة المتطرِّفة، وكذلك معظم المطالبات بالاعتراف والتعويضات</span></span>.</p>
<p dir="rtl" align="right"><span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">أسهمَت هذه الذكريات في تحديد مفاهيم مثل المسؤوليَّة، والذنب الجماعيّ، والجرائم ضدَّ الإنسانيَّة</span></span>. <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">لكن لا ننكر حقيقة أنَّها تتعرَّض باستمرارٍ للاستغلال من قِبل دعاة النزعة الإنسانيَّة العسكريَّة، الذين اختزلوا حقوق الإنسان بالحقِّ في عدم التعرّض للقتل الوحشيِّ وحسب؛ ولا النمو المطَّرد للسينيكيَّة مع تحوُّل الأنماط النسقيَّة لإحياء ذكرى المحرقة، كالرحلات المتشائمة إلى أوشفيتز، والتي تعقبها رفاقيَّة حماسيَّة مع نتنياهو في القدس، إلى ثمنٍ بخسٍ لتذكرة احترام السياسيِّين المعادين للساميَّة، والمحرِّضين المعادين للإسلام، وإيلون ماسك</span></span>. <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">أو عندما يمنح نتنياهو صكوك غفرانٍ أخلاقيَّةً مقابل الحصول على دعم سياسييٍّ أوروبا الشرقيَّة المعادين للساميَّة علنًا، الذين يدأبون باستمرارٍ على إعادة تأهيل أكثر الجلَّادين المحليِّين حماسةً ضدَّ اليهود إبَّان المحرقة</span></span>. <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">مع ذلك، وفي غياب أيِّ شيءٍ آخر أكثر فعاليَّة، تظلُّ المحرقة معيارًا جوهريًّا لقياس صحَّة المجتمعات النفسيَّة والأخلاقيَّة؛ إذ لا تزال ذكراها، برغم أنَّها عرضةٌ للاستغلال، قادرةً على كشفِ المزيد من الآثام الأكثر خبثًا</span></span>. <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">فعندما أنظرُ إلى أعمالي عن مُهلِّلي هتلر المعادين للإسلام وحجم تأثيرهم الشرير على الهند اليوم، أشعرُ بالذهول من عدد المرَّات التي استشهدتُ فيها بتجربة الاضطهاد اليهوديَّة في سياق التحذير من الهمجيَّة التي تتحوَّل إلى أمرٍ واقعٍ عند تجاوز محظورات معيَّنة</span></span>.</p>
<p dir="rtl" align="right"><span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">كلُّ ما سبق من علاماتٍ مرجعيَّة عالميَّة، المحرقة كمعيارٍ لكلِّ الجرائم، ومعاداة الساميَّة كأسوأ أشكال التعصُّب فتكًا، مهدَّدةٌ بالاندثار بينما يذبح الجيش الإسرائيليُّ الفلسطينيِّين ويجوِّعهم، ويُدمِّر منازلهم ومدارسهم ومستشفياتهم ومساجدهم وكنائسهم، ويُشظِّيهم إلى مخيَّمات أصغر وأصغر، في حين يتَّهم كلَّ من يناشده بالكفِّ عن أفعاله بمعاداة الساميَّة أو الدفاع عن حماس؛ سواءٌ أكانت الأمم المتَّحدة، أم منظَّمة العفو الدوليَّة، أم هيومن رايتس ووتش، أم حكومات كلٍّ من إسبانيا وأيرلندا والبرازيل وجنوب أفريقيا، أم الفاتيكان</span></span>. <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">اليوم، تنسفُ إسرائيلُ صرح الأعراف العالميَّة الذي بُنيَ بعد عام </span></span>1945<span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">، وظلَّ يترنَّح منذ الحرب الكارثيَّة على الإرهاب، التي لم يعاقَب أيُّ من مرتكبيها، وحرب بوتين الثأريَّة على أوكرانيا</span></span>. <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">هذه القطيعة العميقة التي نشعرُ بها اليوم ما بين الماضي والحاضر إنَّما هي قطيعةٌ في التاريخ الأخلاقيِّ للعالم منذ نقطة الصفر في عام </span></span>1945<span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">؛ التاريخِ الذي تبوَّأت فيه المحرقة، على مدى أعوامٍ عديدة، موقع الحدث المركزيَّ والمرجعيَّة العالميَّة</span></span>.</p>
<p dir="rtl" align="right"><span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">هناك المزيد من الزلازل التي تنتظرنا؛ فقد قرَّر السياسيُّون الإسرائيليّون الوقوف في وجه إنشاء دولةٍ فلسطينيَّة؛ ووفقاً لاستطلاع رأيٍ حديث، فإنَّ الأغلبيَّة الساحقة من اليهود الإسرائيليِّين </span></span>(<span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">بنسبة </span></span>88 <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">بالمئة</span></span>) <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">يرون أنَّ حجم الضحايا من الفلسطينيِّين مُبرَّر؛ كما تمنع الحكومة الإسرائيليَّة وصول المساعدات الإغاثيَّة إلى غزَّة</span></span>. <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">يعترفُ بايدن اليوم بأنَّ أتباعه الإسرائيليِّين مذنبون بجريمة </span></span>&#8220;<span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">القصف العشوائيّ</span></span>&#8220;<span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">، لكنَّه في الوقت نفسه يُغدق عليهم، بصورةٍ قهريَّة، الكثير من المعدَّات العسكريَّة</span></span>. <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">وفي اليوم العشرين من شهر شباط، استهزأت الولايات المتَّحدة في الأمم المتَّحدة، وللمرَّة الثالثة، بالرغبة الملحَّة لمعظم شعوب العالم بصدد إنهاء حمَّام الدمّ في غزَّة</span></span>. <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">بعدها بستَّة أيَّام، وبينما كان يلعقُ مخروطًا مُثلَّجات، طرحَ بايدن ما يدور في خياله بشأن وقف إطلاق نارٍ مؤقَّت، والذي سرعان ما أجهضته كلُّ من إسرائيل وحماس</span></span>. <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">في المملكة المتَّحدة، يبحث ساسةٌ من العمَّال والمحافظين على حدٍّ سواء، عن صياغاتٍ لفظيَّةٍ من شأنها تهدئة الرأي العامّ وفي الوقت نفسه توفير غطاءٍ أخلاقيٍّ للمذبحة في غزَّة</span></span>. <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">ربَّما لا يبدو الأمر قابلًا للتصديق، لكن الأدلَّة أصبحَت دامغة</span></span>: <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">نحنُ نشهدُ ما يمكن وصفُه بانهيار العالم الحرّ</span></span>.</p>
<p dir="rtl" align="right"><span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">في الوقت نفسه، صارَت غزَّة في منظور عددٍ لا حصر له من المستضعفين الشرطَ الأساسيَّ للضمير السياسيِّ والأخلاقيِّ في القرن الحادي والعشرين، تمامًا كما كانت عليه الحرب العالميَّة الأولى بالنسبة إلى جيلٍ كاملٍ في الغرب</span></span>. <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">وعلى نحوٍ متزايد، يبدو أنَّ أولئك الذين اهتزَّت ضمائرهم بفعل كارثة غزّة هم وحدهم القادرون على إنقاذ المحرقة من براثن نتنياهو وبايدن وشولتز وسوناك، وإعادة أهمِّيَّتها الأخلاقيَّة إلى مكانتها العالميَّة؛ هُم فقط من يمكن الوثوق بهم في مهمَّة استعادة ما أسماه أمري توازن أخلاقيَّات العالم</span></span>. <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">إنَّ العديد من المتظاهرين الذين يملؤون شوارع مدنهم أسبوعًا تلو الآخر ليسَت لديهم علاقةٌ مباشرة بالماضي الأوروبيِّ للمحرقة، وهم يُحاكمون إسرائيل بناءً على أفعالها في غزَّة، وليس وفقًا لمطالباتها بالأمان الدائم والشامل، والمستندة إلى تقديس المحرقة</span></span>. <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">وسواءٌ أكانوا يحيطون علمًا بالمحرقة أم لا، فإنَّهم يرفضون الدرس الداروينيَّ</span></span>&#8211;<span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">الاجتماعيَّ الفجّ الذي تستخلصهُ إسرائيل منها</span></span>&#8211; <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">أي بقاءَ مجموعةٍ من البشر على حسابِ أخرى</span></span>. <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">إنَّهم مدفوعون برغبتهم البسيطة بالتشبُّث بالمثل العليا التي بدَت صائبةً تمامًا عالميًّا بعد عام </span></span>1945: <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">احترام الحرِّيَّة، والتسامح مع اختلاف المعتقدات وأنماط الحياة؛ والتضامن مع المعاناة الإنسانيَّة؛ والشعور بالمسؤوليَّة الأخلاقيَّة إزاء الضعفاء والمضطهدين</span></span>. <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">ويدركُ هؤلاء الرجال والنساء أنَّه في حال كان هناك درسٌ شعاراتيّ يُستخلص من المحرقة، فهو أنَّها </span></span>&#8220;<span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">لن تحدُث مجدَّدًا، لأيٍّ أحد</span></span>&#8220;: <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">وهذا شعار الناشطين الشباب الشجعان من منظَّمة </span></span>&#8220;<span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">الصوت اليهوديّ من أجل السلام</span></span>&#8220;.</p>
<p dir="rtl" align="right"><span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">احتمالُ خسارتهم لا يزال قائمًا</span></span>. <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">ربَّما إسرائيل، من خلال ذهانها المهووس بالبقاء، ليسَت </span></span>&#8220;<span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">حطامًا بشريًّا</span></span>&#8221; <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">كما وصفها جورج شتاينر، بل نذيرةٌ لمستقبل عالمٍ مفلس ومنهَك</span></span>. <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">إنَّ التأييد المطلق الذي تحظى به إسرائيل من قبل رموزٍ يمينيَّة متطرِّفة على غرار خافيير مايلي في الأرجنتين، وغايير بولسونارو في البرازيل، ورعايتها من قبل دولٍ يستشري القوميّون البيض في حياتها السياسيَّة، مثل الولايات المتَّحدة، والمملكة المتَّحدة، وفرنسا، وألمانيا، وإيطاليا، إنَّما يوحي بتقهقر عالم الحقوق الفرديَّة، والحدود المفتوحة، والقانون الدوليّ</span></span>. <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">واردٌ أن تنجحَ إسرائيل بتطهير غزَّة عرقيًّا، بل والضفَّة الغربيَّة أيضًا</span></span>. <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">هناك أدلَّة كثيرةٌ جدًّا بصدد أنَّ كفَّة العالم الأخلاقيِّ لا ترجح باتِّجاه العدالة؛ أنَّ بمقدور الرجال الأقوياء جعل مجازرهم تبدو ضروريَّةً ومحقَّة</span></span>. <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">إنَّه ليس من الصعب أبداً تخيُّل نتيجةٍ ظافرةٍ لصالح المذبحة الإسرائيليَّة</span></span>.</p>
<p dir="rtl" align="right"><span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">يُلقي الخوف من هزيمةٍ كارثيَّةٍ بثقله على أذهان المتظاهرين الذين يُعطِّلون خطابات حملة بايدن الانتخابيَّة، ويُطرَدون أمام ناظريه على وقع هتاف </span></span>&#8220;<span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">أربعة أعوامٍ أخرى</span></span>&#8220;. <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">ويسود عدم التصديق ما يشاهدونه يوميًّا من مقاطع مصوَّرة من غزَّة، ويُطاردُ الخوفُ من مزيدٍ من الوحشيَّة المنفلتة المعارضين عبر الإنترنت، الذين ينتقدون بشدَّةٍ التقارُب الحميميَّ لأعمدة السلطة الرابعة الغربيَّة مع القوَّة الغاشمة</span></span>. <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">فباتِّهامهم إسرائيل بارتكاب إبادةٍ جماعيَّة، يبدو أنَّهم يتعمَّدون الإساءة إلى الرأي </span></span>&#8220;<span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">المعتدل</span></span>&#8221; <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">و</span></span>&#8220;<span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">العقلانيّ</span></span>&#8221; <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">الذي يضعُ إسرائيل، والمحرقة أيضًا، خارج التاريخ الحديث للنزعة التوسُّعيَّة العنصريَّة</span></span>. <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">وهُم على الأرجح لا يقنعون أحدًا من التيَّار السياسيِّ الغربيِّ المتشدِّد</span></span>.</p>
<p dir="rtl" align="right"><span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">لكن إذا نظرنا إلى أمري نفسه، حينما وجَّه سخطه إلى الضمير المزري لزمنه، فإنَّه لم يكن يتكلَّم </span></span>&#8220;<span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">بقصد الإقناع، على الإطلاق؛ بل ألقي كلماتي جزافًا على كفَّة الميزان، أيًّا كان وزنُها</span></span>&#8220;. <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">وبعدما شعر أنَّ العالم الحرَّ خدعه وتخلَّى عنه، أعلنَ استياءه </span></span>&#8220;<span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">لكي تصبح الجريمة واقعًا أخلاقيًّا بالنسبة إلى المجرم، ولكي تجتاحَهُ حقيقة ما اقترفه من فظاعة</span></span>&#8220;. <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">واليوم لا يبدو أنَّ مُتَّهِمي إسرائيل الصاخبين يبحثون عن أكثر من ذلك</span></span>. <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">ففي وجه كلٍّ من الأعمال الوحشيَّة، والبروباغندا التي تستندُ إلى التجاهل والتعتيم، تعلنُ ملايين لا حصر لها من البشر اليوم، في الفضاءات العامَّة وعبر وسائل الإعلام الرقميَّة، عن سخطها العارم</span></span>. <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">وفي خضمِّ ذلك، يخاطرون بتكدير حياتهم بصورةٍ دائمة</span></span>. <span lang="ar-SA"><span lang="ar-SY">لكن ربَّما سيكون غضبهم وحده كفيلًا، في الوقت الراهن، بتخفيف مشاعر العزلة المطلقة التي تغمر الفلسطينيِّين، والمساهمة إلى حدٍّ ما باسترداد ذكرى المحرقة</span></span>.</p>
<p dir="rtl" align="right"><strong>*نُشر هذا المقال في الأصل باللغة الإنجليزية في &#8220;London Review of Books&#8221; وقد تمت الترجمة بموافقة الناشر. يمكن قراءة النسخة الأصلية <a href="https://www.lrb.co.uk/the-paper/v46/n06/pankaj-mishra/the-shoah-after-gaza" target="_blank" rel="noopener">هنا</a>.</strong></p>
<p>The post <a rel="nofollow" href="https://untoldmag.org/ar/%d8%b5%d9%88%d8%b1%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%ad%d8%b1%d9%82%d8%a9-%d8%a8%d8%b9%d8%af-%d8%ba%d8%b2%d9%8e%d9%91%d8%a9/">صورة المحرقة بعد غزَّة</a> appeared first on <a rel="nofollow" href="https://untoldmag.org/ar/">Untold</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>مذكرات حاج: التجدد</title>
		<link>https://untoldmag.org/ar/pilgrim-notes-renewal/</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[إيان نيسبيت]]></dc:creator>
		<pubDate>Mon, 04 Mar 2024 09:43:25 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[المشي مع الحزن]]></category>
		<category><![CDATA[بيئة]]></category>
		<category><![CDATA[تعليق]]></category>
		<category><![CDATA[ثقافة]]></category>
		<category><![CDATA[طبيعة]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://untoldmag.org/pilgrim-notes-renewal/</guid>

					<description><![CDATA[<p>لقاءات حميمة مع عدد قليل من النباتات والناس على طول طريق الحج. ما هي رؤى المستقبل البديل التي تظهر من خلال هذه اللقاءات وكيف يمكننا تجديد طرق ارتباطنا بالعالم من حولنا؟</p>
<p>The post <a rel="nofollow" href="https://untoldmag.org/ar/pilgrim-notes-renewal/">مذكرات حاج: التجدد</a> appeared first on <a rel="nofollow" href="https://untoldmag.org/ar/">Untold</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p>&#8216;أنت الطريق الذي أدخل عليه وأنظر حوله,</p>
<p>أعتقد أنك لست كل ما هو موجود هنا,</p>
<p>أعتقد أن الكثير من اللامرئي هنا أيضاً&#8217;</p>
<p><em>والت ويتمان</em></p>
<h4 style="text-align: center;"><strong>الثوم المثلث &#8211; </strong><strong>ALLIUM TRIQUETRUM</strong></h4>
<p>نحن في نهاية شهر نيسان، وبينما نتسلق السلالم الخشبية في غابة هين في جنوب شرق انجلترا، تستيقظ الحياة في الغابة من سباتها بانفجار من الألوان والأصوات والروائح.</p>
<p>يرافقني شخصان آخران في هذه المرحلة الأخيرة على درب الحج. رشيقة، التي تحصد النباتات البرية وتستخدمها في العلاجات الطبية. لذا، في غضون دقائق من بدء رحلتنا، تجدنا نجلس معًا ونمضغ أوراق الكراث الثلاثي الزوايا، ونجمع أوراق الخردل الثومي لتناول الغداء. أنحني نحو الأرض، وحواسي تنغمس في عمق النباتات الأرضية. ثم أقف مستقيمًا مرة أخرى، وتتكيف عيناي مع مجموعة متنوعة من المناظر الطبيعية. تبدو الغابة، على الرغم من صغرها، فجأة واسعة وثرية. نتجاوز بوابة خشبية وندخل حقولًا مفتوحة تحت أشعة الشمس المشرقة. ألتفت نحو السماء وأستشعر الدفء الذي يغمرني. يمكنني سماع صوت الغربان وهي تعق على أعشاشها في الجانب الآخر من الحقول. وعندما تقترب سيارة، يزداد صوت العق حتى يتلاشى تدريجيًا عندما تمر السيارة. وهكذا، تتواصل الأصوات وينتقل اهتمامي إلى مكان آخر. إنها سمفونية برية لن يستطيع السائقون التعرف عليها تمامًا.</p>
<h4 style="text-align: center;"><strong>ن</strong><strong>بات اللبلاب الأرضي  &#8211; </strong><strong>GLECHOMA HEDERACEA</strong></h4>
<p>نتوقف ثانية لأخذ قسطاّ من الراحة، نستمتع بالطقس الجميل، والمشي السهل، والحقول الوفيرة وروح الحجاج المرحة. أقوم بتحريك كفة من اللبلاب الأرضي في إبريق صغير. بينما ينتشر هذا الشراب المخمّر ذو النكهة الترابية في جسدي،  تتشكل كلمة &#8220;التجدد&#8221; في وعيي، كموشور ضوئي يمكنني من خلاله التطلع إلى محيطي وربما، إذا تم توجيهه بشكل صحيح، إلى بركة وعيي المظلمة.</p>
<p>كلمة &#8216;التجدد&#8217; تتجسد كورقة سقطت على سطح الماء، و الإحساس بها يتحرك بهدوء نحو الخارج.</p>
<p>التجدد كما البحث عن قصص جديدة الذي جاء بي إلى هنا، كما الأنماط المتحولة للحزن الذي رافقني في السنوات الأخيرة، كما زهور المواسم التي تتفتح حولنا، وسحرالطبيعة الذي يتجلى عندما نمشي فيها، التجدد كما إعادة الإحياء الثقافي بعد خروج انجلترا من الاتحاد الأوروبي، و كما نافذة لإعادة ضبط الأولويات التي جلبتها جائحة كورونا، وكما تحول نظامي من الحداثة إلى ما هو غير معروف.</p>
<p>التجدد كفعل الحج ذاته، نضع قدما خلف الاخرى حتى نصل إلى الهدف النهائي، الذي في الحقيقة هو مجرد بداية لرحلة جديدة.</p>
<h4 style="text-align: center;"><strong>لسان الجمل الكبير  </strong><strong>&#8211; PLANTAGO MAJOR</strong></h4>
<p>جلبت رشيقة معها خلطة خاصة بالحج من الميرمية والهفوف والقراص ( mugwort, plantain, and nettle). بالإضافة إلى فوائد هذه النباتات المتمثلة في تحسين الرؤية (الميرمية) ومكافحة التهاب الجلد (الهفوف) ومساعدة الدورة الدموية (القراص)، فهي أيضًا ثلاث من الأعشاب المذكورة في تعويذة الشفاء الإنكليزية القديمة المكونة من تسع نباتات والمعروفة باسم &#8220;Nine Herbs Charm &#8221;</p>
<p>&#8211; mucgcwyrt</p>
<p>وwegbrade و  .netelan. كان يُعرف لسان الحمل الكبير باللغة الإنجليزية القديمة باسم &#8220;طعام السبيل&#8221; لأنه ينمو بشكل جيد على الطرق المسلوكة، والنص يشير إليه بالشكل التالي:</p>
<p>وأنتَ، يا طعام السبيل، يا أم النبات!</p>
<p>أنتَ مفتوحٌ نحو الشرق، ولكنك قويٌ في الداخل:</p>
<p>العربات تصطك عليك، والنساء يمرون فوقك،</p>
<p>وفوقك يصدح صوت العروس، وفوقك يزمجر الثيران!</p>
<p>لقد تحملت كل شيء، وقمت بالتصدي له:</p>
<p>تحملت السم، وتحملت أمراض الهواء،</p>
<p>تحملت رعب الذي يسافر فوق الأرض.</p>
<p>ادهشني جداً كيف يتم مخاطبة الأعشاب بهذه التعويذة، حيث يُعامَلُونها ككائناتٍ حية، وكمخلوقاتٌ تتفاعل وتستجيب، كحلفاء في مواجهة الرعب الذي يجتاح العالم. أنا أيضًا مندهش من مدى بُعدنا عن هذا الفهم الأساسي.</p>
<p>أضع أوراق الهفوف داخل حذائي لمنع انتفاخ قدمي وتخفيف الألم، و اتابع المشي.</p>
<p>عندما أغوص في المناظر الطبيعية التي نمر بها، وعندما أستشعرها على جلدي، أقترب من إحساسٍ متغير لكينونة الانسان، إحساسٍ يتفاعل مع البيئة المحيطة و تحفزه الحواس بدل عن المنطق. ربما يكون هذا نتيجة التوقيت وفترة الاستعداد للربيع، لكن أشعر أن جسدي يتجاوب بشكلٍ أكبر. يبدو كما لو أنه يهمهم بانسجامٍ على وتيرة محيطه. أكتب كلمة &#8220;الانتماء البري&#8221; في دفتر ملاحظاتي..</p>
<p>كانت النبتة المعروفة باسم &#8220;الهفوف&#8221; معروفة أيضًا في الأمريكتين بلقب &#8220;قدم الإنجليزي&#8221;، بسبب عادتها في النمو على طول المسارات التي أنشأها المستوطنون الجدد، وكانت تلك البذور مخبأة في حقائب البذور التي جلبوها من إنجلترا. إنها تذكير مفيد  بأن العلاقات المتشابكة في الطبيعة لا تعترف بالقيم على أنها &#8220;جيدة&#8221; أو &#8220;سيئة&#8221; &#8211; ربما جلب المستوطنون الجدد تلك القيم معهم أيضًاً.</p>
<h4 style="text-align: center;"><strong>الزان الأوروبي  &#8211; </strong><strong>F</strong><strong>AGUS SYLVATIC</strong></h4>
<p>ننام على المنصة الخشبية في كنيسة بارهام. بينما توقظنا في الصباح الباكرأشعة الشمس المتسللة من خلال النوافذ الملونة، يتبادر إلى ذهني فكرة المشي إلى كانتربري في ذلك اليوم. إنها واحدة من أهم وجهات الحج في أوروبا لأكثر من ألف عام، ومن المرجح أن المسار الذي اتبعته خلال هذه الشهور هو نفس المسار الذي سلكه الحجاج الأوروبيون الملتزمون بين كانتربري وسانتياغو دي كومبوستيلا. وعلى الرغم من أن كانتربري ليست وجهتي النهائية، إلا أن هناك رسم جداري في كاتدرائية كانتربري أرغب في رؤيته. يصور الرسم جانبًا من حياة القديس يوستاس الذي ألهم راسل هوبان لكتابة رواية ريدلي ووكر.</p>
<p>علماً أن الرواية تتتبع مسار تطور صبي يبلغ من العمر اثنتي عشرة سنة، حيث يشاهد نفس المشهد في ريف كينت بعد مرور ألفي عام، ووفقًا لتعبير الكاتب &#8220;في نهاية طريق نووي مرير&#8221;..</p>
<p>في نهاية الرواية و نهاية مسيرة الحج، يسقط الوحي على الشخصية الرئيسية في الرواية في أطلال قلعة كانتربري و يقول:</p>
<p>&#8220;أشعر بشيء ينمو في داخلي، إنه يشبه بحرًا أخضر يتدفق في داخلي، يقول: أضيعه. يقول: دعه. يقول: القوة الوحيدة هي عدم القوة&#8221;.</p>
<p>القوة الوحيدة هي عدم القوة.</p>
<p>كلمات تمشي معي حتى الآن.</p>
<p>ماذا لو بذلنا جهودًا حقيقية للتخلص من السلطة في حياتنا، وتجاهلنا رغبة الحداثة في السيطرة البشرية على طبيعة مستعبدة، واستسلمنا للسير والتجدد  بالتناغم مع حركة المد والجزر التلقائية؟</p>
<p>ماذا لو حاولنا حقًا التخلي عن السلطة؟ كيف يمكننا أن نتخلى عن رغبة الحداثة في الهيمنة البشرية على الطبيعة المقهورة؟ كيف سيبدو ذلك &#8211; إعادة تنظيم البشرية ضمن الدورات الكوكبية للتخلي و التجدد؟</p>
<p>كيف سيكون هذا <em>الإحساس</em>؟</p>
<p>سيكون يوم المشي قصيرًا نسبيًا حتى نتمكن من تخصيص وقت لطقوس تحديد معالم الطريق. شريكي الآخر في الرحلة آدم، وهو موسيقي ومعلم يوغا. وهو أيضاً كهربائي وخبير في الطاقة الشمسية ولكن هذا لن يساعدنا اليوم. في منتصف الظهيرة، كنا نسير بين أزهار الزهور الزرقاء المورقة التي تكسو غابة ترينلي على حافة كانتربري، عندما اختفت الأزهار فجأة في خط ملحوظ، كما لو أن تعويذة قد ألقيت. عند اقترابنا من المنعطف، نصل إلى حضرة شجرة زان ضخمة، يغطي لحاءها نقوش أجيال من الشباب العاشقين والحجاج المفتونين بالله. ثمة سحر هنا، أيًا كان ما نعنيه بالسحر، لذا نحرق بعض المريمية وأغني أغنية أعتبرها سحرية لأنها تجد طريقها إلى حياة الناس الذين أغنيها لهم، ولأنها هكذا وجدت طريقها إلى حياتي. وهي تتضمن جملة &#8220;ليكن الحزن ورقة متساقطة عند بزوغ الفجر&#8221;، وهي كلمات تحمل في طياتها كل ما أحاول قوله هنا. بعد بضعة أسابيع، طُلب من آدم أن يغنيها سهراً عند جثة ميت قبل دفنها.</p>
<h4 style="text-align: center;"><strong>البندق الشائع &#8211; CORYLUS AVELLANA</strong></h4>
<p>تأخرنا كثيرا في الوصول إلى كاتدرائية كانتربري، ولكن حارس البوابة يلقي نظرة على زي الحاج المستوحى من لباس ريدلي، ويومئ برأسه موافقا على إدخالنا، بابتسامة خفيفة. ندخل الكاتدرائية حيث تتلاشى أصوات تراتيل صلاة المساء الأخيرة، ولكنها كانت كافية لأشعر بصداها في المكان، صوت الأرغن يرن في الكهوف العلوية. حتى عصا البندق الخاصة بي تصدر صوتًا سماويًا عندما تطرق الأرض.</p>
<p>ووفقاً للتقاليد، فإن الحجاج إلى كانتربري يرمون عصيهم في البحر في وايتستابل، على بعد سبعة أميال، ولكن يبدو أن هذا الفعل يمثل نهاية لا أشعر بها حقاً. أنا أفهم الآن علاقة الحاج بعصاه. لقد حدث تفاعل كيميائي في الأشهر القليلة الماضية: هذه العصا ليست مجرد عمود خيمة، أو مسند للذقن، أو أداة لإزاحة العليق، بل هي أيضاً معلمة ملحة، توثق طبيعتها الخشبية في يدي المتعرقة، وتقرع الحصى، و تصدر صوتاً مكتوماً حين تضرب بالأرض الجافة، مأسورة بتعاون مجدٍ مع إيقاع قدمي الصعب المراس، خاصة عندما يكون الإيقاع هو كل ما تبقى.</p>
<h4 style="text-align: center;"><strong>الشيح الشائع &#8211; </strong><strong>ARTEMESIA VULGARIS</strong></h4>
<p>تطقطق قدماي الحصى من تحتا وأنا أنظر إلى البحر البني المتماوج. وصلت في نهاية رحلة الحج إلى ما يسمى&#8221;الشارع&#8221;، وهو تشكيل رملي غامض يمتد لمسافة كيلومتر في البحر في ويتستابل، ويتميز بمد وجزر قديم. يحدث المد في وقت وصولنا، وأنا بحاجة للمغادرة قبل أن يغطيه الماء مرة أخرى، إذ لا يكون الشارع مرئيًا أو متاحًا. إن نهايات الحج غير ملموسة مثل هذه الأحداث، فهي تذكرني بأنني لا أحتفل بالنهاية دون أن أدرك أنها في الحقيقة بداية جديدة.</p>
<p>سأعود قريبًا، حين يتسنى لي المشي في وسط البحر في الليل، محاطاً بالماء والنجوم، مفكراً بالمكان التي يمكن لهذه الطريق التي لا وجهة لها ان تحملني تالياً.</p>
<p>و من هنا إلى نبتة الشيح الشائع، نبتة الأحلام. بماذا أحلم؟ ما هي الرؤى التي تظهر؟ من السهل أن نتخيل التجديد النظامي، والأقل سهولة أن نضع أنفسنا داخله، أو أن نتحرك نحوه كفرد. يمكننا الإيماء نحو مثل هذه الأهداف من خلال استخدام كميات أقل من البلاستيك، أو تجنب الطيران، أو محاولة عدم قيادة السيارة كثيرًا، ولكننا بالتأكيد نفهم الآن في الغالب أن هذه التغييرات الصغيرة لا ترقى إلى مستوى الهدف. لا يمكن أن تكون سوى طقوس لدرء الظلام، لمساعدتنا على الشعور ببعض الفاعلية. أفضل ما يمكنني أن آمله هو أن نعيد توجيه أنفسنا بشكل جماعي نحو طريقة للوجود في العالم ترحب بالحزن وتعترف بالتشابك وتمارس الرعاية وتبرز البطء وتمارس التآزر وتسعى للتجديد.</p>
<p>التجديد لا يتعلق بالجديد. إنه يتعلق بالقدرة على إعادة النظر في المألوف، القديم، الاقدم، حتى، مع الاستفادة مما تعلمناه في هذه الأثناء. كما أن إعادة النظر في علاقتنا بالأرض ليست فكرة جديدة، ومع ذلك، فإن الحج يتيح لنا لحظات نخطو فيها نحو مستقبل أكثر قدمًا ويتيح لنا مساحات عابرة لإعادة تخيل مكاننا فيها من جديد.</p>
<p>The post <a rel="nofollow" href="https://untoldmag.org/ar/pilgrim-notes-renewal/">مذكرات حاج: التجدد</a> appeared first on <a rel="nofollow" href="https://untoldmag.org/ar/">Untold</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>بيروت وعشبة الجراح</title>
		<link>https://untoldmag.org/ar/a-beirut-foragers-odyssey/</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[كريستيان سليمان]]></dc:creator>
		<pubDate>Thu, 29 Feb 2024 11:43:22 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[المشي مع الحزن]]></category>
		<category><![CDATA[بيئة]]></category>
		<category><![CDATA[تعليق]]></category>
		<category><![CDATA[ثقافة]]></category>
		<category><![CDATA[لبنان]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://untoldmag.org/a-beirut-foragers-odyssey/</guid>

					<description><![CDATA[<p>تكشف النباتات عن معرفتها وتاريخها المعقد للاستعمار والهجرة، مما يغير تصور المؤلف للمدينة.</p>
<p>The post <a rel="nofollow" href="https://untoldmag.org/ar/a-beirut-foragers-odyssey/">بيروت وعشبة الجراح</a> appeared first on <a rel="nofollow" href="https://untoldmag.org/ar/">Untold</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p dir="rtl" align="right"><span style="font-family: Arial;"><span lang="ar-SA"><span lang="ar-LB">اندلعت </span>الاحتجاجات في </span></span>9 <span style="font-family: Arial;"><span lang="ar-SA">أكتوبر </span></span>2019 <span style="font-family: Arial;"><span lang="ar-SA">في لبنان في قلب وسط بيروت</span></span>. <span style="font-family: Arial;"><span lang="ar-SA">بعد الحرب الأهلية اللبنانية، تم إعادة بناء هذه المنطقة، على وجه خاص، بتصميم يتماثل مع التصميم المديني الفرنسي، مما دفع بقاطنيها، تدريجياً، للسكن بعيداً عنها</span></span>. <span style="font-family: Arial;"><span lang="ar-SA">إلا أن، الاحتجاجات شكلت لحظة حاسمة، حيث حولت هذا المشهد المديني إلى مركز حيوي للمظاهرات</span></span>. <span style="font-family: Arial;"><span lang="ar-SA">ومع استمرار الاحتجاجات لفترة طويلة، وجدت نفسي أقصد وسط بيروت بشكل أكثر تواترًا</span></span>. <span style="font-family: Arial;"><span lang="ar-SA">إن إزالة المحتجّين للحواجز الخشبيّة فتحت مناطق كانت محظورّة من قبل، مما دفعني إلى استكشاف الزوايا الخفيّة للمدينة، مركزّاًعلى النباتات الفرّيدة التي ازدهرت في هذه الأماكن</span></span>.</p>
<p dir="rtl" align="right"><span style="font-family: Arial;"><span lang="ar-SA">أخذت أسير بشكل يومي</span></span>. <span style="font-family: Arial;"><span lang="ar-SA">وجدت في المشي وسيلة لاستعادة المدينة، لإعادة تشكيل علاقتي بها، وللعيش فيها بجسدي وكل ما يحتويه</span></span>. <span style="font-family: Arial;"><span lang="ar-SA">لقد أثارت قطعة أرض، مجاورة لساحة رياض الصلح، اهتمامي وأصبحت وجهتي</span></span>. <span style="font-family: Arial;"><span lang="ar-SA">كان من المقرر في البداية أن تكون موقعًّا لبناء برج متعدد الاستخدامات من تصميم جان نوفيل، لكن المشروع توقف عندما تكشّف، خلال الحفر، موقع أثري</span></span>. <span style="font-family: Arial;"><span lang="ar-SA">كان سحر قطعة الأرض هذه يكمن في جدرانها الذي يبلغ عمقها ستة أمتار كانت مغمورة تحت الأرض، والتي تكشف عن آثار باهتة لهيكل حجري يُصعب فك رموزه</span></span>. <span style="font-family: Arial;"><span lang="ar-SA">كان لافتٌ للنظرانتشار ثقوب بشكل متواترعلى جزء كبير من قطعة الأرض، ثقوب متساوية في الحجم – على شكل مستطيل، أصبح بمثابة <span lang="ar-LB">حاوية نبات لشجيرة أو أثنتين</span></span></span>.</p>
<p>&nbsp;</p>
<p><img loading="lazy" decoding="async" class="aligncenter size-large wp-image-76644" src="https://untoldmag.org/wp-content/uploads/2024/02/D01-870x1024.jpg" alt="" width="870" height="1024" srcset="https://untoldmag.org/wp-content/uploads/2024/02/D01-870x1024.jpg 870w, https://untoldmag.org/wp-content/uploads/2024/02/D01-255x300.jpg 255w, https://untoldmag.org/wp-content/uploads/2024/02/D01-768x904.jpg 768w, https://untoldmag.org/wp-content/uploads/2024/02/D01-1305x1536.jpg 1305w, https://untoldmag.org/wp-content/uploads/2024/02/D01-1740x2048.jpg 1740w, https://untoldmag.org/wp-content/uploads/2024/02/D01-750x883.jpg 750w, https://untoldmag.org/wp-content/uploads/2024/02/D01-1140x1342.jpg 1140w, https://untoldmag.org/wp-content/uploads/2024/02/D01.jpg 1359w" sizes="(max-width: 870px) 100vw, 870px" /></p>
<p dir="rtl" align="right"><span style="font-family: Arial;"><span lang="ar-SA">خلال إحدى نزهاتي في الموقع، التقيت توغو، أحد المحتجّين الآتي من البقاع، الذي قام بنصب خيمة بجوار القطعة الأرضية المذكورة</span></span>. <span style="font-family: Arial;"><span lang="ar-SA">كان توغو يعتمد على هذه المنطقة طوال فترة الاحتجاج، حيث كان يقوم ب</span></span>&#8220;<span style="font-family: Arial;"><span lang="ar-SA">تسليق</span></span>&#8221; <span style="font-family: Arial;"><span lang="ar-SA">مكوناته الغذائية اليومية</span></span>. <span style="font-family: Arial;"><span lang="ar-SA">تكرّم عليّ في جولة قصيرة، عرض خلالها وجهة نظره الفريدة حول موقع بركة الضفدع ودلّني إلى المناطق الوفيرة بالسلق والخبّاز والقراص وغيرها</span></span>. <span style="font-family: Arial;"><span lang="ar-SA">كانت المحادثات مع توغو تدهشني</span></span>. <span style="font-family: Arial;"><span lang="ar-SA">في حين كان تسليق النباتات جزءًا أساسيًا من تربيتي، كان إيجاد وسيلة لنقل تلك المعرفة إلى المدينة أمرًا صعبًا </span></span>&#8211; <span style="font-family: Arial;"><span lang="ar-SA">حتى الآن</span></span>.</p>
<p dir="rtl" align="right"><img loading="lazy" decoding="async" class="aligncenter wp-image-76705 size-full" src="https://untoldmag.org/wp-content/uploads/2024/02/11.png" alt="" width="1432" height="1499" srcset="https://untoldmag.org/wp-content/uploads/2024/02/11.png 1432w, https://untoldmag.org/wp-content/uploads/2024/02/11-287x300.png 287w, https://untoldmag.org/wp-content/uploads/2024/02/11-978x1024.png 978w, https://untoldmag.org/wp-content/uploads/2024/02/11-768x804.png 768w, https://untoldmag.org/wp-content/uploads/2024/02/11-750x785.png 750w, https://untoldmag.org/wp-content/uploads/2024/02/11-1140x1193.png 1140w" sizes="(max-width: 1432px) 100vw, 1432px" /></p>
<p><span style="font-weight: 400;"> </span></p>
<p><img loading="lazy" decoding="async" class="aligncenter size-large wp-image-76646" src="https://untoldmag.org/wp-content/uploads/2024/02/D02-1024x640.jpg" alt="" width="1024" height="640" srcset="https://untoldmag.org/wp-content/uploads/2024/02/D02-1024x640.jpg 1024w, https://untoldmag.org/wp-content/uploads/2024/02/D02-300x187.jpg 300w, https://untoldmag.org/wp-content/uploads/2024/02/D02-768x480.jpg 768w, https://untoldmag.org/wp-content/uploads/2024/02/D02-1536x960.jpg 1536w, https://untoldmag.org/wp-content/uploads/2024/02/D02-2048x1280.jpg 2048w, https://untoldmag.org/wp-content/uploads/2024/02/D02-750x469.jpg 750w, https://untoldmag.org/wp-content/uploads/2024/02/D02-1140x712.jpg 1140w" sizes="(max-width: 1024px) 100vw, 1024px" /></p>
<p>&nbsp;</p>
<p><img loading="lazy" decoding="async" class="aligncenter size-large wp-image-76648" src="https://untoldmag.org/wp-content/uploads/2024/02/D03-1024x640.jpg" alt="" width="1024" height="640" srcset="https://untoldmag.org/wp-content/uploads/2024/02/D03-1024x640.jpg 1024w, https://untoldmag.org/wp-content/uploads/2024/02/D03-300x187.jpg 300w, https://untoldmag.org/wp-content/uploads/2024/02/D03-768x480.jpg 768w, https://untoldmag.org/wp-content/uploads/2024/02/D03-1536x960.jpg 1536w, https://untoldmag.org/wp-content/uploads/2024/02/D03-2048x1280.jpg 2048w, https://untoldmag.org/wp-content/uploads/2024/02/D03-750x469.jpg 750w, https://untoldmag.org/wp-content/uploads/2024/02/D03-1140x712.jpg 1140w" sizes="(max-width: 1024px) 100vw, 1024px" /></p>
<p dir="rtl" align="right"><span style="font-family: Arial;"><span lang="ar-SA">هناك أخلاقيات مشتركة تجمع بين الذين يسلقّون النباتات البريّة</span></span>: <span style="font-family: Arial;"><span lang="ar-SA">خذ فقط ما تحتاجه، واترك البقية للآخرين، وساعد النباتات على النمو من جديد في الموسم القادم</span></span>. <span style="font-family: Arial;"><span lang="ar-SA">هذا التفاهم المتبادل يشكل مجتمعًا معرفياّ يتمركز حول النباتات، حي<span lang="ar-LB">ث</span> يركز على ضرورة استهلاكها للاستمرارية مع الحفاظ عليها للمستقبل</span></span>. <span style="font-family: Arial;"><span lang="ar-SA">يتناغم ذلك مع طبيعة البيئة المتغيرة</span></span>. <span style="font-family: Arial;"><span lang="ar-SA">يدرك </span></span>&#8220;<span style="font-family: Arial;"><span lang="ar-SA">المسلقّون</span></span>&#8221; <span style="font-family: Arial;"><span lang="ar-SA">أن هذه النباتات موسمية، ليس إلا</span></span>. <span style="font-family: Arial;"><span lang="ar-SA">ولإضافة هذه النباتات إلى نظام غذائهم على مدار السنة، إنهم يدركون أهمية عملية الحفظ</span></span>. <span style="font-family: Arial;"><span lang="ar-SA">لهذه الغاية يعتمدون على طرق متنوعة تطيل أمد استخدام هذه النباتات علما أنها تحدث تغييرات على حالتها الأصلية </span></span>&#8211; <span style="font-family: Arial;"><span lang="ar-SA">سواء كان ذلك من خلال التجفيف، أو التخمير، أو التخليل، أو إعداد السماد العضوي، أو صنع المربى</span></span>.</p>
<p dir="rtl" align="right"><span style="font-family: Arial;"><span lang="ar-SA">هذا ما يعني في الجوهر، اعتماد سلوك غذائي ينسجم مع مواسم الطبيعة لتحضير أطباق بنكهات مختلفة بحسب كل فصل</span></span>. <span style="font-family: Arial;"><span lang="ar-SA">عندما أستذكر طفولتي، أجد أن كل عام كان <span lang="ar-LB">يتكشف موسم تلو موسم من خلال عدسة المآكل التي كنا نستمتع بها</span></span></span>. <span style="font-family: Arial;"><span lang="ar-SA">بالنسبة لي، كانت الدورة السنوية تبدأ مع بداية العام الدراسي، التي تتزامن مع موسم قطف الزيتون وإنتاج الزيت وصناعة الصابون داخل عائلتي</span></span>.</p>
<p dir="rtl" align="right"><span style="font-family: Arial;"><span lang="ar-SA">ثمّ، كان موسم الحلزون يعلن بداية الشتاء، مباشرة مع أول غيث مطر يلحق فصل الصيف</span></span>. <span style="font-family: Arial;"><span lang="ar-SA">كنا نحتمي من البرد <span lang="ar-LB">في شهور الصقيع، بتناول</span> الحساء والشورباء، مدعمّة بتشكيلة من شراب الأعشاب الساخن التي يكون قد تم تجميعها وتجفيفها بعناية خلال الفصول السابقة استعدادًا لفصل الشتاء</span></span>.</p>
<p dir="rtl" align="right"><span style="font-family: Arial;"><span lang="ar-SA">مع بداية الربيع، ينبت السلق، فيسود على المشهد الغذائي إذ يستخدم في تحضيرأطباق مثل الكبة والمناقيش إضافة إلى ومجموعة متنوعة من الأطباق</span></span>. <span style="font-family: Arial;"><span lang="ar-SA">أصبحت وجباتنا أكثر ثراءً بفضل تشكيلة متنوعة من النباتات البرية، سواء كانت مطهوة أو متبلة بزيت الزيتون وعصير الليمون</span></span>.</p>
<p dir="rtl" align="right"><span style="font-family: Arial;"><span lang="ar-SA">مع حلول فصلي الربيع والصيف، نشهد وفرةَ من أنواع الفاكهة، مما يخلق لوحة نابضة بالحياة من النكهات</span></span>. <span style="font-family: Arial;"><span lang="ar-SA">هذا وكانت رائحة تحضير المربى تشير إلى اقتراب نهاية موسم الفاكهة</span></span>. <span style="font-family: Arial;"><span lang="ar-SA">من هذا الوقت فصاعدًا، يحتّل التفاح الطازج مركز الصدارة حيث يكون الفاكهة الأساسية بانتظار حلول الموسم القادم</span></span>.</p>
<p>&nbsp;</p>
<p><img loading="lazy" decoding="async" class="aligncenter size-large wp-image-76650" src="https://untoldmag.org/wp-content/uploads/2024/02/D04-1024x796.jpg" alt="" width="1024" height="796" srcset="https://untoldmag.org/wp-content/uploads/2024/02/D04-1024x796.jpg 1024w, https://untoldmag.org/wp-content/uploads/2024/02/D04-300x233.jpg 300w, https://untoldmag.org/wp-content/uploads/2024/02/D04-768x597.jpg 768w, https://untoldmag.org/wp-content/uploads/2024/02/D04-1536x1195.jpg 1536w, https://untoldmag.org/wp-content/uploads/2024/02/D04-2048x1593.jpg 2048w, https://untoldmag.org/wp-content/uploads/2024/02/D04-750x583.jpg 750w, https://untoldmag.org/wp-content/uploads/2024/02/D04-1140x887.jpg 1140w" sizes="(max-width: 1024px) 100vw, 1024px" /></p>
<p dir="rtl" align="right"><span style="font-family: Arial;"><span lang="ar-SA">ألهب توجو مجدداً شغفي بجمع النباتات، فكان ملهمي في مزاولتها من جديد</span></span>. <span style="font-family: Arial;"><span lang="ar-SA">غير أنني أجد نفسي الآن في المدينة، بعيدًا عن البيئة المألوفة التي نشأت فيها وحيث يبدو </span></span>&#8220;<span style="font-family: Arial;"><span lang="ar-SA">التسليق</span></span>&#8221; <span style="font-family: Arial;"><span lang="ar-SA">أمرًا طبيعيًا</span></span>. <span style="font-family: Arial;"><span lang="ar-SA">بينما تُشكل هذة الممارسة في القرية الرابط مع الحياة البرية والعلاقة المتناغمة مع الطبيعة ومنتوجها، فإن اعتمادها في المدينة يتطلب منحىً مختلف إلى حدٍ ما، كذلك كانت مشاويري</span></span>.</p>
<p dir="rtl" align="right"><span style="font-family: Arial;"><span lang="ar-SA">على عكس العديد من المدن، تفتقر بيروت إلى حدائق عامّة، وقد ساهم حجمها الصغير نسبيًّا وبنيتها التحتيّة التي لم تتطور بشكل كافٍ في نقصّ المساحات العامّة</span></span>. <span style="font-family: Arial;"><span lang="ar-SA">مع مرور الزمن، تم مصادرة هذه الأماكن بشكل منهجي، إذ تمّ انتزاعها تدريجياً وتحويلها إلى ممتلكات خاصة</span></span>. <span style="font-family: Arial;"><span lang="ar-SA">مما جعل تعزيز التفاعلات المجتمعية مجاناً أمراً ليس باليسير</span></span>. <span style="font-family: Arial;"><span lang="ar-SA">أمام هذه الصعاب المفروضة على حياتنا اليومية، يبرز </span></span>&#8220;<span style="font-family: Arial;"><span lang="ar-SA">التسليق</span></span>&#8221; <span style="font-family: Arial;"><span lang="ar-SA">كوسيلة تسمح لنا بتجميع عناصر المدينة المبعثرة سوياً</span></span>. <span style="font-family: Arial;"><span lang="ar-SA">إنها ابتكار للتجول عبر المساحات التي استهلكتها <span lang="ar-LB">الفوضى</span> </span></span>&#8211; <span style="font-family: Arial;"><span lang="ar-SA">سواء كانت هذه ساحة فارغة لركن السيارات، أو قطعة أرض ترابية صغيرة بجوار ممر للمشاة، أو موقع بناء مهجور</span></span>.</p>
<p dir="rtl" align="right"><span style="font-family: Arial;"><span lang="ar-SA">نتجول بحثًا عن النباتات الصالحة للأكل</span></span></p>
<p dir="rtl" align="right"><span style="font-family: Arial;"><span lang="ar-SA">ترشدنا خبرة الأجداد</span></span></p>
<p dir="rtl" align="right"><span style="font-family: Arial;"><span lang="ar-SA">نقوم بإنشاء خرائط بديلة؛</span></span></p>
<p dir="rtl" align="right"><span style="font-family: Arial;"><span lang="ar-SA">بإلهام من إيماءات الأسلاف،</span></span></p>
<p dir="rtl" align="right"><span style="font-family: Arial;"><span lang="ar-SA">نعيد التواصل مع المدينة</span></span>.</p>
<p dir="rtl" align="right"><span style="font-family: Arial;"><span lang="ar-SA">ترشدنا خبرة الأجداد، نبحث عن غذاءٍ في بيئة مكتظة</span></span>.</p>
<p dir="rtl" align="right"><span style="font-family: Arial;"><span lang="ar-SA">بواسطة المشي، نقوم بإنشاء خرائط بديلة</span></span>.</p>
<p dir="rtl" align="right"><span style="font-family: Arial;"><span lang="ar-SA">تلهمنا إيماءات الأجداد، فنحيي تواصلنا بالمدينة، بحثًا عن النبات الصالح للأكل</span></span>.</p>
<p dir="rtl" align="right"><span style="font-family: Arial;"><span lang="ar-SA">يتردد صدى نظرة أورسولا لو جوين االثاقبة في كتابها </span></span>&#8220;<span style="font-family: Arial;"><span lang="ar-SA">نظرية الحقيبة الحاملة للخيال</span></span>&#8221; <span style="font-family: Arial;"><span lang="ar-SA">في أعماقي أثناء تنقلي في البيئة المدينية</span></span>. <span style="font-family: Arial;"><span lang="ar-SA">تتحدى لو جوين السرد التقليدي <span lang="ar-LB">المبني على محورية الصيّد في التاريخ القديم</span>، مقترحة أن أسلافنا كانوا جمَّاعيين أولاً، مؤكدة على أهمية الاحتواء على حساب الغزو</span></span>. <span style="font-family: Arial;"><span lang="ar-SA">يتزامن هذا التحول في وجهة النظر مع جهودي في جمع النباتات في المدينة </span></span>&#8211; <span style="font-family: Arial;"><span lang="ar-SA">سعيًا ليس للغزو الفردي وإنما كفعل مستمر للتجميع والاحتواء، مما يعكس جوهر الحقيبة الحاملة</span></span>. <span style="font-family: Arial;"><span lang="ar-SA">في هذه البيئة الحضرية الحيوية، حيث تفتقد الأماكن الجماعية إلى الوضوح، وحيث تسود عمليات التخصيص، يصبح فعل تجميع النبات حقيبة حاملة رمزية، أي وسيلة لإعادة ربط قطع المدينة المشتتة بعضها ببعض، ووسيلة لتحمل دور الجامع وتحدي مهمة راسم <span lang="ar-LB">الخرائط</span></span></span>.</p>
<p>&nbsp;</p>
<p><img loading="lazy" decoding="async" class="aligncenter size-large wp-image-76652" src="https://untoldmag.org/wp-content/uploads/2024/02/D05-1024x435.jpg" alt="" width="1024" height="435" srcset="https://untoldmag.org/wp-content/uploads/2024/02/D05-1024x435.jpg 1024w, https://untoldmag.org/wp-content/uploads/2024/02/D05-300x127.jpg 300w, https://untoldmag.org/wp-content/uploads/2024/02/D05-768x326.jpg 768w, https://untoldmag.org/wp-content/uploads/2024/02/D05-1536x653.jpg 1536w, https://untoldmag.org/wp-content/uploads/2024/02/D05-2048x870.jpg 2048w, https://untoldmag.org/wp-content/uploads/2024/02/D05-750x319.jpg 750w, https://untoldmag.org/wp-content/uploads/2024/02/D05-1140x484.jpg 1140w" sizes="(max-width: 1024px) 100vw, 1024px" /></p>
<p dir="rtl" align="right"><span style="font-family: Arial;"><span lang="ar-SA">بينما أمشي مرة أخرى عبر بقعة رياض الصلح، يقع نظري على نبتة الطيون</span></span>. <span style="font-family: Arial;"><span lang="ar-SA">إنها النبتة الرائدة التي تظهر في المناطق التي تعرض<span lang="ar-LB">ت</span> التربة فيها لأضرار كبيرة</span></span>. <span style="font-family: Arial;"><span lang="ar-SA">تُظهر نبتة الطيون، الملقبة بعشبة الجر<span lang="ar-LB">ا</span>ح، قوتها من خلال النموّ التلقائي، فتبرز من الشقوق الموجودة في الطرقات والجدران</span></span>. <span style="font-family: Arial;"><span lang="ar-SA">تتميز بأوراق سميكة لزجة ذات حواف مدببة</span></span>. <span style="font-family: Arial;"><span lang="ar-SA">أنها بمثابة ضمادة طبيعية، تساعد في عملية شفاء الجروح</span></span>. <span style="font-family: Arial;"><span lang="ar-SA">عند تفتحها تشبه زهورها الأقحوان ألا أنها بتلاتها أدق وأطول</span></span>. <span style="font-family: Arial;"><span lang="ar-SA">ومع اكتمال دورة حياةها، تتلاشى االزهور تدريجياً، لينبت مكانها شعيرات بيضاء فاتحة ودقيقة</span></span>.</p>
<p dir="rtl" align="right"><span style="font-family: Arial;"><span lang="ar-SA">للطيون خاصة ساحرة وهو طريقة انتشار بذورها</span></span>. <span style="font-family: Arial;"><span lang="ar-SA">تكفي نسمة خفيفة تحدثها خطوات قريبة من هذه النباتات، لتحريك قمم سيقانها وبالتالي نثر بذورها</span></span>. <span style="font-family: Arial;"><span lang="ar-SA">ربّ ليس مجرد صدفة أن هذا النبات المتين، الذي يوجد بكثرة في جميع أنحاء بيروت، يمتلك خصائص علاجية لمشاكل الهضم ومشاكل الجهاز التنفسي</span></span>.</p>
<p dir="rtl" align="right"><img loading="lazy" decoding="async" class="aligncenter wp-image-76708 size-full" src="https://untoldmag.org/wp-content/uploads/2024/02/12.jpg" alt="" width="866" height="1980" srcset="https://untoldmag.org/wp-content/uploads/2024/02/12.jpg 700w, https://untoldmag.org/wp-content/uploads/2024/02/12-131x300.jpg 131w, https://untoldmag.org/wp-content/uploads/2024/02/12-448x1024.jpg 448w, https://untoldmag.org/wp-content/uploads/2024/02/12-768x1756.jpg 768w, https://untoldmag.org/wp-content/uploads/2024/02/12-672x1536.jpg 672w, https://untoldmag.org/wp-content/uploads/2024/02/12-750x1715.jpg 750w" sizes="(max-width: 866px) 100vw, 866px" /></p>
<p>&nbsp;</p>
<p dir="rtl" align="right"><span style="font-family: Arial;"><span lang="ar-SA">يتبدل المنظر عند عودتي مشياً غلى الأقدام كل يوم من هذه البقعة في وسط بيروت إلى الاستوديو خاصتي في سن الفيل، إذ أنني أصبحت أكثر وعيًا تجاه الشجيرات والأشجار التي ترافقني على طول الطريق، من بينها، شجرالكينا التي تنتصب بشكل بارز، كإرث دائم لحقبة الانتداب الفرنسي عندما أدت جهود إعادة التحريج إلى إعادة تشكيل لبنان</span></span>. <span style="font-family: Arial;"><span lang="ar-SA">زرع الفرنسيون هذه الأشجار استراتيجيًا على جوانب الطرق وفي المناطق الرطبة لمحاربة الرطوبة</span></span>. <span style="font-family: Arial;"><span lang="ar-SA">على مر الوقت، أصبح تأثير الكينا على البيئة واضحًا، حيث لا تسبب جذورها الممتدة تجفيف التربة فقطـ، إنما أيضًا نقصًا في موادها الغذائية الأساسية</span></span>.</p>
<p dir="rtl" align="right"><span style="font-family: Arial;"><span lang="ar-SA">على الرغم من هذه العيوب، فإن الفترة القصيرة التي استمرت خلالها مستعمرة الكينا في لبنان تركت بصمّة لا تُنسى على مواطنيه</span></span>. <span style="font-family: Arial;"><span lang="ar-SA">أتذكر جدتي وهي ترفع وعاءً من أوراق الكينا المغلية، وتحثني على استنشاق البخار الذي يعتقد أنه يخفف من السعّال</span></span>. <span style="font-family: Arial;"><span lang="ar-SA">كان عبير الكينا ينبعث من منزلها دائمًا، مما دفعني إلى الانحراف عن وجهتي الأصلية واتباع مسار شجرالكينا الممتد أمامي</span></span>.</p>
<p dir="rtl" align="right"><span style="font-family: Arial;"><span lang="ar-SA">في الكارانتينا، على طول الطريق أيضًا التي تقع على الضفة الغربية لنهر بيروت، تبدلت نوعية النباتات مرة أخرى</span></span>. <span style="font-family: Arial;"><span lang="ar-SA">تُعتبر الكارانتينا تاريخيًا واحدة من أقدم محطات الحجّر الصحي في الإمبراطورية العثمانية، وهي اليوم موطنٌ لمجتمع متنوّع من المهاجرين واللاجئين</span></span>. <span style="font-family: Arial;"><span lang="ar-SA">على مر السنين، استقر في هذه المنطقة موجّات من السكان المهجّرين، من الأرمن الذين هربوا من الإبادة الجماعية في عام </span></span>1915 <span style="font-family: Arial;"><span lang="ar-SA">إلى اللاجئين الفلسطينيين بعد النكبة في عام </span></span>1948. <span style="font-family: Arial;"><span lang="ar-SA">شهدت الكارانتينا، أيضًا، مجزرة مأساوية في عام </span></span>1976<span style="font-family: Arial;"><span lang="ar-SA">، شكلّت فصلاّ مظلماً في تاريخ لبنان الحديث، حيث كان المسلمون اللبنانيون والفلسطينيون ضحايا لمليشيا مسيحية يمينيّة</span></span>. <span style="font-family: Arial;"><span lang="ar-SA">واستمرت المنطقة في استضافة الأكراد العراقيين الهاربين من حكم صدام حسين، واستقبلت في وقتٍ لاحقٍ اللاجئين السوريين في عام </span></span>2013.</p>
<p dir="rtl" align="right"><span style="font-family: Arial;"><span lang="ar-SA">جلب الناس الوافدين من مناطق مختلفة بذورًا وزرعوها حول منازلهم، مما أدى إلى إدخال مجموعة متنوعة من االنباتات غير المحلية</span></span>. <span style="font-family: Arial;"><span lang="ar-SA">خلق ذلك عن دون قصد نظامًا بيئيًا جديدًا</span></span>. <span style="font-family: Arial;"><span lang="ar-SA">على سبيل المثال، شجرة <span lang="ar-LB">الكاكاية</span> الضخمة، التي تفصل بين مبنى مكون من خمسة طوابق ومكتب الأمن العام، التي أصبحت رمزًا لصمود الكارانتينا</span></span>. <span style="font-family: Arial;"><span lang="ar-SA">تحمل الشجرة ثمارًا تصل إلى حجم البطيخ، بقشر خارجي خشن وسميك يتخلله نسيجًا مقببًا أو محفورًا، ويتغير لونه مع النضج من الأخضر إلى الأصفر أو البني</span></span>.</p>
<p dir="rtl" align="right"><span style="font-family: Arial;"><span lang="ar-SA">أعود إلى الاستديو خاصتي، وأجدني أتأمل في النزهة الغامرة التي أقوم بها في كل مرة أزور فيها وسط بيروت</span></span>. <span style="font-family: Arial;"><span lang="ar-SA">من خلالها، أتتبع رحلتي من القرية حتى هذه اللحظة، مستفيدًة من المعرفة التي تقدمها الأشكال النباتية والطقوس التي اعتمدتها في سيري</span></span>. <span style="font-family: Arial;"><span lang="ar-SA">أتأمل في هشاشة محيطاتنا والقصص التي تحتويها</span></span>.</p>
<p dir="rtl" align="right"><span style="font-family: Arial;"><span lang="ar-SA">بالعودة إلى الاستديو، أتأمل في الرحلة من القرية حتى اللحظة الحالية</span></span>. <span style="font-family: Arial;"><span lang="ar-SA">يملأني الامتنان للحكمة وللمعرفة التي توفرها هذه الأشكال النباتية، والتي تمهد لطرق جديدة للتواصل مع المدينة والعثور على طريق خاص بي داخل نسيجها المعقد</span></span>.</p>
<p>&nbsp;</p>
<p>&nbsp;</p>
<p>&nbsp;</p>
<p>The post <a rel="nofollow" href="https://untoldmag.org/ar/a-beirut-foragers-odyssey/">بيروت وعشبة الجراح</a> appeared first on <a rel="nofollow" href="https://untoldmag.org/ar/">Untold</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>للجسد ذاكرته </title>
		<link>https://untoldmag.org/ar/the-body-keeps-the-score/</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[ دينا محمد]]></dc:creator>
		<pubDate>Mon, 26 Feb 2024 10:17:32 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[المشي مع الحزن]]></category>
		<category><![CDATA[تعليق]]></category>
		<category><![CDATA[ثقافة]]></category>
		<category><![CDATA[جندر]]></category>
		<category><![CDATA[مصر]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://untoldmag.org/the-body-keeps-the-score/</guid>

					<description><![CDATA[<p>ما الذي يتغير عندما نسير في سياقات ثقافية وسياسية مختلفة؟ ما هو الامتياز او عدمه الذي تتمتع به بعض الأجسام في المشي والتجول؟ تنطلق دينا محمد من تجربتها المتجسدة لاستكشاف هذه الأسئلة.</p>
<p>The post <a rel="nofollow" href="https://untoldmag.org/ar/the-body-keeps-the-score/">للجسد ذاكرته </a> appeared first on <a rel="nofollow" href="https://untoldmag.org/ar/">Untold</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p>في السنة التانية من حياتي في امستردام، بدأت أعاني من ألم شديد في الجزء الأسفل من ضهري. دا ماكانش جديد لإني كنت عارفة ان عندي انزلاق غضروفي من وانا عمري ٢٦.</p>
<p>كان لازم اعمل شوية فحوصات وعلاج طبيعي لضهري.</p>
<p>في أول جلسة، المعالجة قالت لي إني بمشي “غلط”. هاه … عمرك فكرت ان المشي فيه صح وغلط؟</p>
<p>قالتلي: لازم نصلح مشيتك، لإنها بتأثر على حالة جسمك ككل وعلى وقفته.</p>
<p>معالجة العظام كمان أكدت على فكرتها، وشرحتلي ازاي تراكمات المشي ال”غلط” سنين ورا بعض شكل جسمي.</p>
<p>الفكرة اللي اتشرحتلي من المعالجين كانت كالتالي:</p>
<p>&#8220;عضلات الضهر ضعيفة، بتخلي عضمة الحوض في مكان مش صح، ودة مخلي ركبتي ملوية لجوة. بالتالي كل دا بيأثر على رقبتي اللي ممتدة لقدام علشان توازن الخلل اللي في باقي الجسم.&#8221;</p>
<p>وروني صور، شفت فيها الخط اللي بيوضح جسمي دلوقتي فين، بالمقارنة مع مفروض يكون فين.</p>
<p>الشرح كان منطقي جداً بالنسبالي، دايماً كنت بسمع تعليقات على مشيتي خلت الكلام مش غريب عليا.</p>
<p>بس كمان انا كنت عارفة إني مشيت بطرق مختلفة في أماكن مختلفة وأوقات مختلفة.</p>
<p>مشيتي اتغيرت مع كل مدينة عشت فيها، بس ماكنتش اعرف ان دا كمان بيغير جسمي نفسه.</p>
<p>وعشان كدا، لما كان عندي ٣٣ سنة، اضطريت اتعلم امشي من أول وجديد. كل جلسة كنت أطلع على التريدميل وامشي شوية شوية على تعليمات دكتورة العلاج الطبيعي.</p>
<p>“خدي خطوة، خطوة، شمال، يمين… حطي ايديك في جيبك، ما تستخدميهاش في التوازن، اعتمدي على عضلاتك… خلي عندك ثقة في عضلاتك”</p>
<p>ياه، ما كنتش اعرف إني مش بثق فيهم… يا تري ايه اللي ممكن يكون خلاني أفقد ثقتي في جسمي وعضلاتي؟</p>
<p>صديقتي سارة، فنانة كتبت عن ممارسات المشي، بتقول في مقال لها:</p>
<p>&#8220;كان لدى معالجة العلاج الطبيعي التي كانت تعالجني نظرية عن العلاقة بين العنف الجندري في الأماكن العامة وألم أسفل الظهر، الألم الذي تعاني منه كثير من النساء المصريات على حد تعبيرها.</p>
<p>تمايل الحوض حركة ضرورية لاسترخاء وتقوية تلك العضلات، ولكنها حركة تنظر على انها نوع من الدعوة للتحرش الجنسي في النظرة المحدقة للرجال في الاماكن العامة، بالذات أن النساء كن وما زلن يعانين من لوم الضحية. وبالتالي يستخدمن عضلات أقل قوة، وأقل مركزية، مما يضعف أجذاعهن.&#8221;</p>
<p>اه، دي حاجة أنا فاهماها…</p>
<p>دا خلاني أفكر في اذاي تجربة المشي وعلاقتنا بالشوارع بتختلف مع اختلاف النوع الاجتماعي.</p>
<p>المشي، السرحان، التوهان، الانجراف…</p>
<p>كل دا وصلني إني افكر في مصطلح وممارسة ال &#8221; دريفيه&#8221; اللي تصوره غي ديبور على أنه رحلة غير مخطط لها عبر المناظر الطبيعية، وعادة ما تكون في الأماكن الحضرية، واللي فيه بيتوقف المشاركون عن التركيز على علاقتهم اليومية ببيئتهم الاجتماعية.</p>
<p>دريڤ: هو تكنيك في المشي السريع خلال البيئات المختلفة.</p>
<p>الدريڤ أو الانجراف يدمج الوعي بالإيحاءات النفسية الجغرافية. هي ممارسة تحررية ضد التسيير. على حسب افكار جماعة ليتريست الدولية.</p>
<p>فاكرة قد ايه كفنانة، كنت منبهرة بالطريقة اللي بيشوفوا بيها المشي باعتباره ممارسة تخريبية ضد السلطة، وضد الهياكل القسرية للسيطرة على أجسادنا. طريقة لاستعادة حريتنا في مدننا.</p>
<p>والمشي هو بالفعل أمر تخريبي، بس لقتني بسآل نفسي: الكلام دا ينطبق على مين؟ يا تري ايه نوع المخاطر</p>
<p>اللي ممكن يتعرض ليها هد ذي ديبورد في مشيه حولين باريس؟</p>
<p>لما دورت على اجابة السؤال دا لقيت قايمة بالعوائق اللي جمعها ديبور واللي بتشكل مشاكل للدريفيه:</p>
<p>&#8211; الساعات المتأخرة</p>
<p>&#8211; التوقف لإنجاز مهام يومية أو عادية</p>
<p>&#8211; التعب</p>
<p>&#8211; الجو</p>
<p>طيب وباقي المعواقات؟ زي:</p>
<p>&#8211; التحرش</p>
<p>&#8211; قد ايه الشارع منور</p>
<p>&#8211; وجود الرصيف من عدمه</p>
<p>&#8211; اللي أنا لابساه</p>
<p>&#8211; الزحمة</p>
<p>&#8211; مدى تقبل المنطقة لجندري ولوني.</p>
<p>&#8211; الشرطة اللي قافلة الشارع</p>
<p>اعتقد ان تجربتنا عن المشي والشوارع ممكن تبقي مختلفة، حتى لو ماشيين سوي.</p>
<p>&lt;&lt;<a href="https://www.youtube.com/watch?v=Xb6F8nFmoj4" target="_blank" rel="noopener"><u>ماشية وساعتي مش مظبوطة…</u></a>&gt;&gt;</p>
<p>ساعات بستغرب قد ايه مش بسمع حد بيتكلم عن التمشية بالعربي…</p>
<p>فتشت عن فكرة التمشية في مسلسلات وأفلام:</p>
<p>“تعالى ننزل نتمشى ونحكي”</p>
<p>“معلش أنا عايزة اتمشى شوية عشان أفكر”</p>
<p>لما بتظهر، بيكون مثلاً مجموعة من الأصدقاء، أو لحظة رومانسية بين اتنين… أو شخص حاسس بهم ومحتاج يكون لوحده.</p>
<p>يا تري اتعلمتم قد إيه عن العناية بالنفس في طفولتكم؟</p>
<p>&#8220;طفح المجاري في حارتكم علمك رقص الباليه&#8221;</p>
<p>جملة من الشاعر منتصر حجازي. صورة عبقرية، بشوف نفسي فيها وأنا طفلة. مية المجاري كانت تطفح من بيت الجيران، ودايماً كانت تاخد أيام على ما تتصلح وكانت على طول تاني تبوظ.</p>
<p>كانت حاجة عادية وبتحصل دايماً، وكنا عارفين نعمل ايه، نمشي ازاي فوقيها. بيكون فيه حسبة طويلة، خطوات حذرة، تحكم في التوازن، قياس المسافة بين الطوب اللي هنطلع عليه، وقفزة هوب!</p>
<p>فعلاً كانت زي رقصة لما بفكر في الموضوع.</p>
<p>لكن،</p>
<p>يا تري إيه اللي بيشكل مشيتنا؟</p>
<p>&lt;&lt;&lt;&lt;<a href="https://www.youtube.com/watch?v=7V6X09FkabE" target="_blank" rel="noopener"> وها أنا أسير على الخط</a>  &gt;&gt;&gt;&gt;</p>
<p>الأفكار بتيجري في دماغي:</p>
<p>امتياز المشي</p>
<p>الامتياز في المشي</p>
<p>المشي بيشكل جسمي</p>
<p>الامتيازات بتشكل جسمي</p>
<p>المشي بيشكل وقفتي</p>
<p>يا تري إيه هو شكل وقفة الامتيازات؟</p>
<p>رحلت، مشيت، اتحركت، اتغيرت…</p>
<p>اتعلمت مشيات جديدة، وحسنت وقفتي.</p>
<p>ما اعتقدش إني وقفت ازعل على الماضي ومشياتي الضائعة.</p>
<p>كنت محتاجة اتخطى الألم، ولكن جسمي كان بيخطو أبطأ.</p>
<p>الانكار، الغضب، المساومة، الاكتئاب، القبول…</p>
<p>مش بييجوا بالترتيب دا.</p>
<p>بتسائل ازاي كل مرحلة منهم بتأثر على مشيتي.</p>
<p>اعتقد مشيت أحسن في لحظات الانكار، بس الاكتئاب دايماً كان مش كويس لوضع جسمي.</p>
<p>&lt;&lt;&lt;&lt; <u><a href="https://www.youtube.com/watch?v=ewQZX6x8aQY" target="_blank" rel="noopener">Joan Baez &#8211; Walkin&#8217; Down The Line  [HD]</a></u>   &gt;&gt;&gt;&gt;</p>
<p>The post <a rel="nofollow" href="https://untoldmag.org/ar/the-body-keeps-the-score/">للجسد ذاكرته </a> appeared first on <a rel="nofollow" href="https://untoldmag.org/ar/">Untold</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
	</channel>
</rss>
