<?xml version="1.0" encoding="UTF-8"?><rss version="2.0"
	xmlns:content="http://purl.org/rss/1.0/modules/content/"
	xmlns:wfw="http://wellformedweb.org/CommentAPI/"
	xmlns:dc="http://purl.org/dc/elements/1.1/"
	xmlns:atom="http://www.w3.org/2005/Atom"
	xmlns:sy="http://purl.org/rss/1.0/modules/syndication/"
	xmlns:slash="http://purl.org/rss/1.0/modules/slash/"
	>

<channel>
	<title>Untold</title>
	<atom:link href="https://untoldmag.org/ar/feed/" rel="self" type="application/rss+xml" />
	<link>https://untoldmag.org/ar/</link>
	<description>Magazine</description>
	<lastBuildDate>Wed, 03 Jun 2026 21:31:33 +0000</lastBuildDate>
	<language>ar</language>
	<sy:updatePeriod>
	hourly	</sy:updatePeriod>
	<sy:updateFrequency>
	1	</sy:updateFrequency>
	

<image>
	<url>https://untoldmag.org/wp-content/uploads/2023/08/Logo-1-75x75.png</url>
	<title>Untold</title>
	<link>https://untoldmag.org/ar/</link>
	<width>32</width>
	<height>32</height>
</image> 
	<item>
		<title>ذكريات الدي جاي بين بيروت وجنوب لبنان: الكاسيت وما تبقّى من أصواته</title>
		<link>https://untoldmag.org/ar/%d8%b0%d9%83%d8%b1%d9%8a%d8%a7%d8%aa-%d8%a7%d9%84%d8%af%d9%8a-%d8%ac%d8%a7%d9%8a-%d8%a8%d9%8a%d9%86-%d8%a8%d9%8a%d8%b1%d9%88%d8%aa-%d9%88%d8%ac%d9%86%d9%88%d8%a8-%d9%84%d8%a8%d9%86%d8%a7%d9%86-%d8%a7/</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[ديانا عباني]]></dc:creator>
		<pubDate>Wed, 03 Jun 2026 21:31:33 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[ثقافة]]></category>
		<category><![CDATA[حكاية]]></category>
		<category><![CDATA[مجتمع]]></category>
		<category><![CDATA[Featured 1]]></category>
		<category><![CDATA[فن]]></category>
		<category><![CDATA[لبنان]]></category>
		<category><![CDATA[موسيقى]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://untoldmag.org/?p=81205</guid>

					<description><![CDATA[<p>في زمن تُمحى فيه أماكن وتُهدَّد فيه ذاكرة جبل عامل، تأتي هذه الحكايات تمسّكاً بما تبقّى: ثلاثة دي جايز، أشرطة كاسيت، وسهرات بين بيروت والجنوب ومشهد ليلي يُراد له أن يندثر.</p>
<p>The post <a rel="nofollow" href="https://untoldmag.org/ar/%d8%b0%d9%83%d8%b1%d9%8a%d8%a7%d8%aa-%d8%a7%d9%84%d8%af%d9%8a-%d8%ac%d8%a7%d9%8a-%d8%a8%d9%8a%d9%86-%d8%a8%d9%8a%d8%b1%d9%88%d8%aa-%d9%88%d8%ac%d9%86%d9%88%d8%a8-%d9%84%d8%a8%d9%86%d8%a7%d9%86-%d8%a7/">ذكريات الدي جاي بين بيروت وجنوب لبنان: الكاسيت وما تبقّى من أصواته</a> appeared first on <a rel="nofollow" href="https://untoldmag.org/ar/">Untold</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p><span style="font-weight: 400;">في باحة فيلا تعجّ بالناس والأصوات والألوان، كانت حفلة تجاوزت السهرة العادية، بتجهيزات غير مألوفة في ذلك الوقت، ومكبّرات صوت معلّقة على الجدران، وضوء ستروب أبيض يخترق عتمة الليل، وأضواء ملوّنة تدور في المكان. للمرّة الأولى كانت تُنصب الإضاءة بهذا الشكل، ومعها نظام صوتي جعل الأرض تهتز تحت أقدام الراقصين. حضر المئات، كثيرون جاءوا من بيروت خصيصاً. هي تفاصيل بسيطة حوّلت الفيلا الخاصة إلى مساحة عامة مؤقّتة، وساحة رقص مفتوحة للجميع لليلة واحدة.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">يستعيد الدي جاي علي تلك الليلة، في قرية السلطانية، إحدى قرى جبل عامل في جنوب لبنان، حين جلس على الدرج يراقب المشهد. الناس يرقصون كباراً وصغاراً، كان ذلك في أوائل التسعينيات. ليلة ستعود لاحقاً في روايات الدي جايز محمد ويوسف أيضاً، كإشارة على تغيّر شيء ما في شكل السهر. فبعد أن كانت الحفلات ترتبط غالباً بمناسبات محددة كالأعراس وحفلات الخطوبة، ظهرت سهرات شبابية كان الهدف منها الاجتماع والرقص فقط، ما جذب حضوراً من القرية وخارجها. كان الكاسيت في قلب هذا التحوّل، إذ أتاح تنظيم الموسيقى مسبقاً وبناء إيقاع الحفلة عبر اختيار الأغاني وترتيبها. ومعه برز دور الدي جاي في تشغيل الموسيقى وضبط تسلسلها بحسب الجمهور والسياق.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">كنت قد عرفت علي ومحمد ويوسف قبل أن يصبحوا رواة لهذه الذاكرة؛ إذ كانوا جزءاً من طفولتي في قريتي التي كنت أزورها دائماً في الصيف والأعياد. وفي الصيف الماضي، عدت إلى حكاياتهم لأفهم تجربتهم عن قرب، وما رافقها من ممارسات جديدة في العمل بالموسيقى، وتنقلهم بين بيروت وضاحيتها الجنوبية وقرى جبل عامل، وصولاً إلى تشكّل ذوق موسيقي جديد في هذه الدوائر.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">اليوم، وأنا أكتب هذا النص في ظل الحرب الإسرائيلية الإبادية على المنطقة، أعود إلى هذه الحكايات من زاوية مختلفة. في زمن تُمحى فيه أماكن وتُهدَّد فيه ذاكرة جبل عامل وامتداد أبنائها في بيروت، يصبح استحضار تلك اللحظات محاولةً للتمسك بالأصوات والقصص التي ملأت هذه الأمكنة يوماً، وتتبع ما تبقى منها في الذاكرة والشهادات وبقايا الأشرطة، كجزء من تاريخ وذاكرة ناس يُراد لهم أن يندثروا.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">تنطلق هذه الحكايات من مسار جغرافي واجتماعي محدد، عاش فيه علي ومحمد ويوسف. فقد نشأوا في حي اللجّا في بيروت، المعروف في بداياته باسم </span><a href="https://www.almodon.com/culture/2026/02/06/%D8%AD%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D9%84%D8%AC%D8%A7-%D8%B4%D8%A7%D8%B1%D9%84-%D8%AF%D9%8A%D8%BA%D9%88%D9%84-%D9%85%D8%B1-%D9%85%D9%86-%D9%87%D9%86%D8%A7?utm_campaign=nabdapp.com&amp;utm_medium=referral&amp;utm_source=nabdapp.com&amp;ocid=Nabd_App" target="_blank" rel="noopener"><span style="font-weight: 400;">&#8220;حي اللجوء&#8221;</span></a><span style="font-weight: 400;">، والذي سكنه القادمون من الأرياف منذ الخمسينيات والستينيات، خصوصاً من جبل عامل والبقاع. وعرف هذا الحي حركة مستمرة بين المدينة والجنوب، عبر الزيارات والعمل، فت</span><span style="font-weight: 400;">بلور</span><span style="font-weight: 400;">ت تجربتهم في هذه البيئة الشيعية المحلية، المرتبطة بهجرة داخلية وسياق اجتماعي واقتصادي هش، تتقاطع في الوقت نفسه مع مساحات أوسع.</span><b> </b></p>
<p><span style="font-weight: 400;">هي حكايات لا تمثّل المشهد الترفيهي الكامل في بيروت، لكنها تفتح باباً على عالم الكاسيت والراديو والديسكوتيك والحفلات المنزلية من هذه الزاوية، حيث نشأت علاقات وأذواق وأشكال من الاجتماع امتدّت بين هوامش المدينة وقرى الجنوب، ويصعب توثيقها في الأرشيفات الرسمية. من خلالها أتتّبع كيف أصبحت الأشرطة المسجّلة أكثر من مجرد وسيط تقني، إذ أعادت تشكيل الحفلة وجوّها، وكان الدي جاي أحد الفاعلين الأساسيين فيها، بين المحلي والعالمي.</span></p>
<h2><b>عالم صنعته الأشرطة</b></h2>
<p><span style="font-weight: 400;">كانت بدايات علي ومحمّد ويوسف في هذا المجال، ضمن موجة امتدّت من بيروت إلى مناطق مختلفة في لبنان، بدأت زمن الحرب الأهلية ثم استمرّت بعدها. في تلك المرحلة، أصبح الكاسيت جزءاً من الحياة اليومية، يُستخدم في الاستماع والحفلات، كما في تسجيل رسائل صوتية تُرسل إلى الأقارب في الخارج أو إلى مناطق بعيدة. فكان يجمع بين الأغاني وصوت العائلة والأصحاب، كأنه يحمل أوجهاً مختلفة من البيت والجمعات والعلاقات في شريط صغير.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">من هذا العالم خرجت التجارب الأولى للدي جاي. يقول لي علي: </span></p>
<blockquote><p><i><span style="font-weight: 400;">&#8220;رجّعتيني للـ84. كنت ولد صغير وبحب الحفلات. صحابي قالولي رايحين على حفلة بالحمرا. طلعنا على شقّة مستأجرة. هناك تعرّفت على الدي جاي حسين حسن. كان يشتغل على تورنتيبل تكنيكس ودكّات كاسيت أيوا. ما رحت أرقص. بقيت أتفرّج عليه، أحفظ حركة إيديه. صرت روح لعنده عالبيت. هو يسجّل كاسيتات وأنا أتعلّم. شوي شوي صرت ساعده. بعد كم شهر خلّاني أعمل ميكس. كانت أيام حرب، عملنا حفلات بالويست هول بالأيوبي، بالأعراس، وبالبيوت&#8221;.</span></i></p></blockquote>
<p><span style="font-weight: 400;">كان حسين حسن من أوائل الأسماء البارزة في بيروت آنذاك، يملك معدات وأشرطة محدثة تصل إليه قبل غيره، في ديسكوتيك &#8220;مارينا ميوزك&#8221; في حي برج أبي حيدر الشعبي. اكتسب كثير من شباب هذه الأحياء الشعبية، الخبرة عنده، عبر المراقبة والمشاركة. يقول علي: &#8220;بالمنطقة الغربية من بيروت ما كان في غير شي خمسة أو ستة دي جايز ولكل منطقة الدي جايز تبعها. وبعد فترة صار عندي ديسكوتيك صغير تحت البيت بحي اللجا، ديسكو ميوزيك ديميل (2000)&#8221;. ورغم المنافسة، </span><span style="font-weight: 400;">تكوّن</span><span style="font-weight: 400;">ت بينهم شبكة علاقات مبنية على تبادل الأشرطة والمعرفة والخبرات.</span></p>
<p><img fetchpriority="high" decoding="async" class="aligncenter size-full wp-image-81212" src="http://untoldmag.org/wp-content/uploads/2026/06/Warda-cassette.jpeg" alt="" width="1600" height="1200" srcset="https://untoldmag.org/wp-content/uploads/2026/06/Warda-cassette.jpeg 1600w, https://untoldmag.org/wp-content/uploads/2026/06/Warda-cassette-300x225.jpeg 300w, https://untoldmag.org/wp-content/uploads/2026/06/Warda-cassette-1024x768.jpeg 1024w, https://untoldmag.org/wp-content/uploads/2026/06/Warda-cassette-768x576.jpeg 768w, https://untoldmag.org/wp-content/uploads/2026/06/Warda-cassette-1536x1152.jpeg 1536w, https://untoldmag.org/wp-content/uploads/2026/06/Warda-cassette-750x563.jpeg 750w, https://untoldmag.org/wp-content/uploads/2026/06/Warda-cassette-1140x855.jpeg 1140w" sizes="(max-width: 1600px) 100vw, 1600px" /></p>
<p><span style="font-weight: 400;">أمّا يوسف، فكان في السادسة عشرة حين ترك المدرسة أوائل التسعينيات وعمل في ديسكوتيك علي. يقول: </span></p>
<blockquote><p><i><span style="font-weight: 400;">&#8220;كان وقتها عز موسيقى الهاوس وفترة جهل. كنا عالموتوسيكلات، ما كان في سيارات، ودايماً معنا ووكمان. بتعرفي بلا موسيقى ما فيكي تمشي. وهيك من وراء خبرتنا، أنا وصديقي محمّد، صار بس حدن بده يعمل حفلة يحكينا. ما كان عنا معدات، كنا نستعير ديكين وسبيكرين ونركّبهن سوا، ونشغل الكاسيتات. ما كان في سي دي وقتها. يلي عنده سي دي كان يعني جخة، مثل ميكس أف أم. بس معداتنا كانوا يقوموا بالواجب. بصراحة كنا نعمل جو كتير حلو. ومتل ما بقلك:</span></i></p>
<p><i><span style="font-weight: 400;"> Music is my life&#8221;.</span></i></p></blockquote>
<p><span style="font-weight: 400;">يستعيد يوسف تلك المرحلة حيث كان الكاسيت مصدر دخل بسيط ومتعة في آنٍ واحد، رغم الجهد والوقت الذي يتطلبه: &#8220;بهديك الفترة، ما كنّا نركّز على بيع الأشرطة بالمحل قد ما كنّا نركّز على تسجيلها للناس. الكاسيت الجاهز كان بألف وخمسمئة ليرة (يعني دولار واحد)، أمّا اللي بسجّله حسب الطلب فكان بثمانية آلاف&#8221;. فقد كان الكاسيت جزءاً من اقتصاد صغير مبني على طلب الأغاني ونسخها وتبادلها. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">يأتي الزبون إلى الديسكوتيك، ومعه لائحة بالأغاني التي يريدها، ليحتفظ بها أو يهديها لصديق أو حبيب، أحياناً محمّلة برسائل مبطّنة. وكانت الأغاني الجديدة، خصوصاً العربية، هي الأكثر طلباً، وكان &#8220;لازم نأمّنها مهما كان&#8221;، كما يقول يوسف. حمل الشريط مشاعر الناس واختياراتهم، وأصبحت عملية النسخ أساسية في العمل. يختار الدي جاي الأغاني، خصوصاً &#8220;الضاربة&#8221; منها، ويرتّبها حسب مزاج معيّن، فينتج شريطاً يطلبه الناس لفترة. تحوّل اختيار الأغاني نفسه إلى خدمة يقدمها، فازدادت الثقة بمن يعرف ماذا يشغّل ومتى، وتشكّل ما يُسمع من تداخل طلب الناس مع ما يتيحه السوق.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">أحياناً، تأخذ هذه الطلبات طابعاً جماعياً، كما في أشرطة أغاني تشجيع نادي </span><a href="https://www.youtube.com/watch?v=Nxs344MFnXo" target="_blank" rel="noopener"><span style="font-weight: 400;">النجمة</span></a><span style="font-weight: 400;"> لكرة القدم، الذي ارتبط أكثر بالبيئات الشيعية، في حين كان فريق الأنصار أقرب إلى البيئات السنّية. وإذا جاء أحد يطلب شريطاً </span><a href="https://www.youtube.com/watch?v=RSUDBRctZjA" target="_blank" rel="noopener"><span style="font-weight: 400;">لأغاني الأنصار</span></a><span style="font-weight: 400;">، كان يوسف يضحك ويقول له بصوت منخفض: &#8220;فل فل قبل ما يسمعك المعلّم&#8221;، في مزاح يعكس عمق التوتّر بين مناصري الناديين الذي لا ينفصل عن هذه الانتماءات الأوسع.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">في مار الياس، كان محمّد يدخل عالم الصوت من مكان آخر. يقول: </span></p>
<blockquote><p><i><span style="font-weight: 400;">&#8220;تهجّرنا من الشياح بالضاحية. سكنا بمار الياس بآخر الثمانينيات، بنفس البناية اللي فيها إذاعة اسمها لبنان الجديد، على موجة أف أم. ما كان في أسنسور ولا كهرباء. الإذاعة بالطابق السابع. كل يوم ألتقي بناس طالعة نازلة. أوّل شخص تعرّفت عليه كان إبراهيم شمعون من الجنوب. كان يطلب مني نادي بنت بيحبها بالحي. شوي شوي صار يخلّيني أطلع عالإذاعة، أتفرّج، وبعدين أقعد ورا الأجهزة. كان عمري يمكن 12. حسّيت إنو الموضوع مش صعب. طلبت منه يعلّمني. ومن وقتها، صرت بعيش مع الموسيقى&#8221;.</span></i></p></blockquote>
<p><span style="font-weight: 400;">في الإذاعة، التي تأسست مع موجة الإذاعات المنتشرة خلال الحرب، غالباً من دون ترخيص، تعلّم محمد تشغيل الأجهزة والتعامل مع جمهور لا يراه. كان يقصدها بعد المدرسة، يراقب ثم يجرّب، إلى أن بدأ يتولّى مهام بسيطة، مثل تشغيل الأغاني العربية خلال فترات البث بعد الظهر، من الثالثة إلى السابعة. وكان يفعل ذلك خفيةً عن والده، إذ كان هذا العالم يُنظر إليه بريبة في البيت، ويُعتبر عملاً غير مضمون أو لائق. وصار الصوت جزءاً من حياته، بين المدرسة والإذاعة.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">وأنا أستمع إليهم، وكلٌّ منهم يروي قصته، أتابع كيف تتقاطع سيرتهم مع تاريخ الكاسيت، هذا الوسيط الخفيف والرخيص وسهل الحمل. دخل هؤلاء الشبّان سوق العمل باكراً، غالباً قبل إنهاء الدراسة، ووجدوا طريقهم إلى الموسيقى خارج الأطر الاحترافية المرتبطة بالنوادي والمؤسسات الكبيرة. مع الكاسيت، تغيّر موقعهم في الحفلة، إذ أصبحوا يساهمون في تنظيمها وضبط إيقاعها، وتعلموا التفاعل مع الحضور والتعامل مع الشروط التي يحددها المكان. تدريجياً، تنقّلوا مع الكاسيت بين الحفلات والديسكوتيك والإذاعات، في مسارات شخصية جمعت بين التعلم الذاتي والدخل البسيط وحركة الموسيقى بين الناس.</span></p>
<h2><b>من الهواية إلى الشبكة</b></h2>
<p><span style="font-weight: 400;">في البداية، كانت الطلبات بسيطة، سهرة من هنا وحفلة من هناك. لكن سرعان ما كبر هذا النشاط. في منتصف التسعينيات، اشترى محمد ويوسف أول سيارة لهما، وجهّزاها بالسماعات والمضخمات، فكانت كأنها غرفة تحكم صوت متنقّلة. كانا يتنقّلان بالأشرطة، ويبنيان أجواء السهرة عبر ما يختارانه ويُعيدان تشغيله. أصبحا بذلك ذوي &#8220;الصوت الأقوى&#8221; في الشارع، مما أعطاهما رأسمال رمزياً أو مكانة، راكماها بفضل جودة معدّاتهما، ونوع الموسيقى التي يلعبانها وقوة الصوت عند مرورهما في الشارع، بالإضافة إلى شبكة المعارف التي نسجاها.</span></p>
<figure id="attachment_81216" aria-describedby="caption-attachment-81216" style="width: 637px" class="wp-caption aligncenter"><img decoding="async" class="size-full wp-image-81216" src="http://untoldmag.org/wp-content/uploads/2026/06/WhatsApp-Image-2026-04-27-at-13.54.24-2.jpeg" alt="" width="637" height="960" srcset="https://untoldmag.org/wp-content/uploads/2026/06/WhatsApp-Image-2026-04-27-at-13.54.24-2.jpeg 637w, https://untoldmag.org/wp-content/uploads/2026/06/WhatsApp-Image-2026-04-27-at-13.54.24-2-199x300.jpeg 199w" sizes="(max-width: 637px) 100vw, 637px" /><figcaption id="caption-attachment-81216" class="wp-caption-text">الدي جاي علي</figcaption></figure>
<p><span style="font-weight: 400;">كان يوسف يعمل نهاراً في محل علي، ثم يذهب مساءً مع محمد لإحياء حفلات تمتد من بيروت وضواحيها إلى الجنوب والبقاع. أحياناً ثلاث أو أربع حفلات في الأسبوع، بأجر يتراوح بين 75 و130 دولاراً، وهو مبلغ بالكاد يغطي التكاليف. أحياناً كان الانشغال متقطّعاً، من دون استمرارية واضحة، مما دفعهما إلى الاعتماد على أعمال أخرى لتأمين دخل إضافي. لذلك، بقي هذا النشاط بالنسبة لهما يجمع العمل والهواية، حيث كان ما يشدّهما إليه هو المتعة والشعور بالانتماء إلى هذا المشهد.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">فتح الكاسيت الباب أمام نوع جديد من اللقاءات، خارج صالات الترفيه التقليدية. كانت الدعوات تنتقل عبر الأصدقاء والمعارف، فيجتمع شباب وصبايا من القرية ومن خارجها، يحملون المعدات والأشرطة، يركّبون العدّة، وتبدأ الحفلة. وكانت تدور هذه الجمعات بين الخاص والعام. تُقام في بيوت وفيلات، أي في مساحات يُفترض أنها خاصة، لكنها تُفتح لليلة أمام مجموعة أوسع من الحاضرين. ومع ذلك، كان الدخول إليها محكوماً بالعلاقات، فيقتصر على من يعرف المنظّمين أو ينتمي إلى الدائرة نفسها، أو يستطيع المشاركة بحسب ما تسمح به العائلة والبيئة المحيطة.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">كما بقي هذا المجال في معظمه عالماً رجالياً، خصوصاً في ذاكرتهم. لا يذكر علي أو محمد أو يوسف وجود نساء يعملن خلف الصوت في تلك الفترة، إذ ارتبطت هذه المصلحة بالليل والتنقّل والشارع، وبطبيعة الفضاء الليلي نفسه، حيث بقيت السلطة الرمزية والتقنية والتنظيمية في يد الرجال. في المقابل، كان حضور النساء أساسياً، عبر الرقص والتفاعل الاجتماعي، لكنه ظلّ محكوماً بشروط اجتماعية واضحة.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">كما لم تخلُ هذه الليالي من التوتّرات. أحياناً يشتكي الجيران، أو يُطلب خفض الصوت، أو تنقطع الكهرباء في منتصف الليل. وفي حالات أخرى، قد يكفي احتكاك بسيط أو ملاحظة عابرة لتغيير مسار الليلة أو إنهائها، فتتحوّل اللحظة إلى مصدر بلبلة وقلق، ويدفع البعض إلى المغادرة. لذلك، بقيت هذه اللقاءات محكومة بحدود يفرضها المكان والناس والظروف، رغم ما يُستعاد منها اليوم بحنين.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">ومع توسّع المصلحة، صار الأمر يتطلب جهداً أكبر واستثماراً في الوقت والمال، &#8220;فالنجاح&#8221; كان يرتبط بعدة عوامل. يخبرني محمّد: &#8220;صار عندي عدّة صغيرة بالبيت: دكّين كاسيت، ميكسر، وباور. بس السبيكرات كنت أضطر أستأجرها. كانت كبيرة وثقيلة، وما إلها محل&#8221;. كانت المعدّات تملأ نصف السيارة، وتركيبها يستغرق وقتاً، حيث كان الدي جاي هو التقني والحمال، يحمل المعدّات ويشغّل الأشرطة ويضبط الإيقاع. وغالباً ما كان يلجأ إلى حلول مرتجلة، مثل سحب الكهرباء من مولدات عند الجيران حين تنقطع.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">أمّا محل علي، &#8220;ديسكو 2000&#8243;، الذي افتتحه في منتصف التسعينيات، فكان نقطة أساسية في هذا المشهد. كغيره من الديسكوتيكات آنذاك، كان مكاناً يلتقي فيه شباب الحي، يكتشفون موسيقى جديدة ويتسكعون ويمضون الوقت، ويتفرّجون على الصبايا وهنّ يمررن، ويرمونهنٌ ببعض التعليقات العابرة. من هناك كانت تنطلق الحفلات، ومنه أيضاً كانت تتكوّن العلاقات. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">كان يمكن دخول هذا المجال كصبي مساعد، أو عبر ما يملكه الشخص من أشرطة ومعدّات، ومن خلال الناس الذين يعرفهم ويعمل معهم. من لديه أغانٍ أحدث أو تجهيزات أفضل، أو يعرف عدداً أكبر من المنظّمين، تُطلب خدماته أكثر، وتكبر فرصه واسمه في السوق. وصار &#8220;الصوت&#8221; نفسه مورداً لا مجرّد عنصر تقني، يفتح أبواب الشغل ويحدّد موقع كل واحد في هذا المشهد.</span></p>
<h2><b>الدي جاي بين عوالم مختلفة</b></h2>
<p><span style="font-weight: 400;">في بيروت، عمل علي في عدد من الصالات مثل &#8220;اللمبادا&#8221; في الحمرا، و&#8221;الكينغز&#8221; على الروشة، ومسبح &#8220;عجرم&#8221; في عين المريسة، حيث خُصّصت أيام مختلطة وأخرى للنساء فقط. كما أحيا حفلات خاصة في أحياء الضاحية الجنوبية، كالجناح وبئر حسن وبئر العبد والشياح. في المقابل، واصل محمّد ويوسف لعب الأغاني في اللقاءات الخاصة، ما وضعهما في عوالم مختلفة من حيث الحجم والتنظيم وطبيعة الحضور.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">في تلك الفترة، بدأت الوسائط تتغير مع دخول الأقراص الليزري &#8220;سي دي&#8221;. يضحك علي وهو يتذكّر أوّل مرة شغّلوا فيها &#8220;سي دي&#8221;: &#8220;استغربنا الفكرة، كنا متعودين على الكاسيتات والدكّات. فجأة ظهر هذا القرص اللي بده آلة خاصة&#8221;.  قدّم الـ&#8221;سي دي&#8221; صوتاً أنقى وخيارات أوسع، وبدأ استخدامه في السيارات ثم في الحفلات، ما فتح إمكانيات جديدة في تنسيق الموسيقى، من دون أن يلغي حضور الكاسيت بشكل فوري.</span></p>
<figure id="attachment_81218" aria-describedby="caption-attachment-81218" style="width: 2048px" class="wp-caption aligncenter"><img decoding="async" class="size-full wp-image-81218" src="http://untoldmag.org/wp-content/uploads/2026/06/IMG-20250820-WA0005-1.jpg" alt="" width="2048" height="1269" srcset="https://untoldmag.org/wp-content/uploads/2026/06/IMG-20250820-WA0005-1.jpg 2048w, https://untoldmag.org/wp-content/uploads/2026/06/IMG-20250820-WA0005-1-300x186.jpg 300w, https://untoldmag.org/wp-content/uploads/2026/06/IMG-20250820-WA0005-1-1024x635.jpg 1024w, https://untoldmag.org/wp-content/uploads/2026/06/IMG-20250820-WA0005-1-768x476.jpg 768w, https://untoldmag.org/wp-content/uploads/2026/06/IMG-20250820-WA0005-1-1536x952.jpg 1536w, https://untoldmag.org/wp-content/uploads/2026/06/IMG-20250820-WA0005-1-750x465.jpg 750w, https://untoldmag.org/wp-content/uploads/2026/06/IMG-20250820-WA0005-1-1140x706.jpg 1140w" sizes="(max-width: 2048px) 100vw, 2048px" /><figcaption id="caption-attachment-81218" class="wp-caption-text">الدي جاي علي</figcaption></figure>
<p><span style="font-weight: 400;">تدريجياً، توسّع عمل علي ليشمل إدارة الأعراس بكل تفاصيلها، من الصوت والإضاءة، إلى الزينة والزفّة. في أواخر التسعينيات، فتح مكتباً لتنظيم الأعراس بالتعاون مع مصوّر محترف، وشارك في إدارة تفاصيل العرس. فكان ينسّق دخول العروسين، ويختار الأغاني، ويتابع الإضاءة ومسار الليل، بالتنسيق مع أصحاب العرس ومتطلباتهم.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">مع انتقال هذه الممارسات من الحفلات الهامشية إلى الأعراس، تعزز دور الدي جاي في هذه المناسبة الاجتماعية الأساسية، التي تعيد العائلة من خلالها تقديم نفسها أمام الآخرين عبر تفاصيل مدروسة؛ حيث كان الدي جاي يراعي رغبات العائلة والحضور، ويقدّم خدمة ضمن فريق أوسع يضمّ مصوّرين ومنظّمين وأصحاب قاعات، ما منحه دوراً اجتماعياً تجاوز تشغيل الموسيقى. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">فقد ظلّ العرس، بخلاف الحفلات الشبابية، مساحة عائلية وجماعية تحافظ فيه الدبكة والأغاني العربية على موقعها المركزي، لتأكيد الانتماء والمكانة الاجتماعية أمام الحضور. وحتى حين تُلعب الموسيقى الأجنبية، فقد كانت تظهر غالباً كفسحة قصيرة داخل الإيقاع العام، من دون أن تغيّر بنيته العامة.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">في الوقت نفسه، بقيت نظرة الناس، من أهل وجيران وغيرهم، إلى هذه المصلحة مرتبطة بالسهر والليل والدخل البسيط والهش، في عالم غير مستقر و غير محترم، وأحياناً مريب، ويُنظر إلى الدي جايز أحياناً كشباب خارجين عن الأعراف الاجتماعية السائدة، رغم حضورهم الأساسي في الأعراس. كما يروي محمد: &#8220;كانوا يحكوا علينا كتير، بس نحنا ما كنا نأذي ولا نضايق حدا، كنا بس نحب نعيش وننبسط&#8221;. مما أبقى صورتهم ملتبسة.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">ورغم انطلاقهم من بيئة واحدة، سلك كل من علي ومحمد ويوسف مسارات مختلفة. بالنسبة لعلي، كان عمله أكثر تنظيماً واستقراراً وارتباطاً بسوق الأعراس. أمّا محمد ويوسف، فبقي نشاطهما أقرب إلى اللقاءات الصغيرة المرتبطة بالأصدقاء والحيّز الاجتماعي. و</span><span style="font-weight: 400;">تكوّن</span><span style="font-weight: 400;">ت هذه التجارب في توازن بين العمل والمتعة والتجريب، في مساحات تتفاوت في تنظيمها ومكانتها وأذواقها.</span></p>
<h2><b>كيف تشكّل الذوق عبر الكاسيت؟ </b></h2>
<p><span style="font-weight: 400;">تكوّنت التجربة السمعية لهؤلاء الشباب وسط خليط من الأصوات التي أحاطت بهم، من الراديو والتلفزيون إلى ضجيج الشارع. فالأذان والمواكب وأناشيد حركة أمل واللطميات كانت في الخلفية تتجاور مع الأغاني الرائجة على الراديو والكاسيت، في مشهد سمعي واحد. ومع الشريط، انتشرت بعض هذه الأصوات وانتقلت من سياق إلى آخر، فشاركت في تشكيل ذاكرة مشتركة تعكس البيئة التي نشأوا فيها. وتكوّنت بذلك علاقتهم بالموسيقى عبر هذا التعايش المستمر بين أصوات الحرب والدين والترفيه والاستهلاك.</span></p>
<p><img loading="lazy" decoding="async" class="aligncenter size-full wp-image-81220" src="http://untoldmag.org/wp-content/uploads/2026/06/image-6.png" alt="" width="600" height="566" srcset="https://untoldmag.org/wp-content/uploads/2026/06/image-6.png 600w, https://untoldmag.org/wp-content/uploads/2026/06/image-6-300x283.png 300w" sizes="(max-width: 600px) 100vw, 600px" /></p>
<p><span style="font-weight: 400;">في هذا المحيط السمعي، بدأت أنماط موسيقية جديدة بالدخول، مثل ال&#8221;هاوس&#8221; والـ&#8221;يورو دانس&#8221;، خصوصاً عبر الإذاعات المتكاثرة التي كانت تبث بالإنجليزية. يتذكّر يوسف تلك الفترة: &#8220;كنّا نسمع هاوس. كانت بأوجها بين 1992 و1996. وبعدين ظهرت أنماط مثل الديب هاوس، والفانك، ثم الرايف والتكنو&#8221;. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">تابعوا راديو دي جاي 99.1، وبرامج دي جايز مثل &#8220;أماديوس&#8221; و&#8221;</span><a href="https://www.youtube.com/watch?v=84HHgPk85do" target="_blank" rel="noopener"><span style="font-weight: 400;">رودج</span></a><span style="font-weight: 400;">&#8220;، حيث كانت الحفلات تُبث مباشرة من الاستوديو، ينتظرونها كل أسبوع، فتملأ السيارات مساء كل جمعة. انتقلوا لاحقاً إلى &#8220;راديو وان&#8221; ثم &#8220;ميكس إف إم&#8221; التي أسّسها رودج. ورغم محدودية القنوات التلفزيونية، فتحت بعض المحطات المحلية نافذة على الخارج عبر بث كليبات موسيقية من Music TV. ومن خلال هذه الوسائط المختلفة، دخلت موسيقى أجنبية لم تكن متاحة بسهولة وبكثرة من قبل.</span></p>
<div class="jeg_video_container jeg_video_content"><iframe title="DJ Rodge 1995 - Live Radio Mix in Lebanon" width="500" height="375" src="https://www.youtube.com/embed/84HHgPk85do?start=1&amp;feature=oembed" frameborder="0" allow="accelerometer; autoplay; clipboard-write; encrypted-media; gyroscope; picture-in-picture; web-share" referrerpolicy="strict-origin-when-cross-origin" allowfullscreen></iframe></div>
<p><span style="font-weight: 400;">ومع الكاسيت، صارت الأغاني التي تُبث على الراديو تُسجّل وتتنقّل بين المنازل والسيارات والحفلات، حيث يُعاد استخدامها وترتيبها بحسب المناسبة. وأصبح الوصول إلى الموسيقى يعتمد أكثر فأكثر على النسخ والمشاركة غير الشرعية، بدلاً من الإذاعات الرسمية أو شراء الأسطوانات الأصلية. وساهمت قرصنة الأشرطة في تسريع انتشار الأغاني الأجنبية بين الأحياء والشباب، بينما لعب السوق دوراً أساسياً في ذلك، إذ أصبح بالإمكان اختيار الأغاني الرائجة وتجميعها بحسب رغبات المستمع.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">وحتى مع ظهور الـ&#8221;سي دي&#8221;، الذي كان مرتفع الثمن نسبياً ويباع بنحو عشرين دولاراً، استمر تداول هذه الأغاني. فكانوا يشتركون في شراء الأقراص، أو يستبدلون ثلاثاً قديمة بواحدة جديدة، ثم ينسخونها على الشريط. وكانت الحمرا وجهتهم الأساسية لاكتشاف الجديد، يقصدون محل ABC ومحلاً صغيراً يشبه نسخة مبكرة من Virgin Megastore.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">من هنا٬ دخلت فرق عالمية كثيرة إلى حياتهم، مثل</span><a href="https://www.youtube.com/watch?v=0LSYuZRSGcY" target="_blank" rel="noopener"> <span style="font-weight: 400;">Backstreet Boys</span></a><span style="font-weight: 400;"> و</span><a href="https://www.youtube.com/watch?v=gJLIiF15wjQ" target="_blank" rel="noopener"><span style="font-weight: 400;">Spice Girls</span></a><span style="font-weight: 400;"> و</span><a href="https://www.youtube.com/watch?v=tP_WRk-xV7I" target="_blank" rel="noopener"><span style="font-weight: 400;">East 17</span></a><span style="font-weight: 400;"> و </span><a href="https://www.youtube.com/watch?v=ICYVPjNe11o" target="_blank" rel="noopener"><span style="font-weight: 400;">Boyzone</span></a><span style="font-weight: 400;"> و</span><a href="https://www.youtube.com/watch?v=d73tiBBzvFM" target="_blank" rel="noopener"> <span style="font-weight: 400;">Ace of Base</span></a> <span style="font-weight: 400;">و</span><a href="https://www.youtube.com/watch?v=CTqabbIPfc0" target="_blank" rel="noopener"><span style="font-weight: 400;">Take That</span></a><span style="font-weight: 400;">. ولم يكن اسم الفنان دائماً مهماً كاللحن نفسه. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">كما يقول محمد ضاحكاً: &#8220;كنّا نردّد أحياناً كلمات الأغاني الأجنبية بلا ما نفهمها… والفرنسي ما كنّا نفهمه، بس نحطّه كرمال البنات&#8221;. فأهمية الأغنية أحياناً كانت بتأثيرها في التفاعل وبالدور الذي تلعبه في العلاقات وجذب الصبايا، أكثر من معناها أو كلماتها. وارتبطت هذه السهرات أيضاً بأشكال من إثبات الحضور الذكوري، حيث لعبت الموسيقى والرقص واختيار الأغاني دوراً في بناء العلاقات الاجتماعية وتأكيد المكانة في المجموعة.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">في الوقت نفسه، غيّر الووكمان، جهاز الكاسيت المحمول، طريقة الاستماع، فنقلها إلى مساحة أكثر فردية. يذكر محمّد أوّل جهاز امتلكه، ووكمان &#8220;سوني&#8221; من دون خاصية التشغيل التلقائي العكسي، فكان يقلب الشريط بيده، ثمنه نحو ثمانين دولاراً، وهو مبلغ كبير وقتها. بعد ذلك بسنوات قليلة، حوالي عام 1992، اشترى جهاز تشغيل &#8220;سي دي&#8221;، يحمله في علبة خاصة، لأنه لا يُثبَّت على الخصر مثل الووكمان. </span></p>
<div class="jeg_video_container jeg_video_content"><iframe title="SNAP! - Rhythm Is A Dancer (Official 4K Music Video)" width="500" height="281" src="https://www.youtube.com/embed/JYIaWeVL1JM?feature=oembed" frameborder="0" allow="accelerometer; autoplay; clipboard-write; encrypted-media; gyroscope; picture-in-picture; web-share" referrerpolicy="strict-origin-when-cross-origin" allowfullscreen></iframe></div>
<p><span style="font-weight: 400;">مع هذه الأجهزة، صار بإمكانه سماع الموسيقى على انفراد في الطريق، على الدراجة النارية أو أثناء الانتظار، وانتقاء ما يريد وإعادته كما يشاء، بعيداً عن اختيارات العائلة أو الجماعة او برامج الراديو. أصبحت الموسيقى جزءاً من يومياته، والاستماع تجربة شخصية يختار وقتها وإيقاعها بنفسه، كما أتاحت له الانفصال المؤقت عن الضجيج المحيط، وساهمت في تكوين فردية شبابية جديدة. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">في المقابل، بقي الكاسيت الوسيط الذي انتقلت عبره الموسيقى بين الراديو والشريط المحمول، وبين الاستماع الفردي واللقاءات الجماعية، فانتشرت الأغاني الأجنبية بين بيروت وهوامشها وجبل عامل وباقي المناطق، مما أتاح لشباب يعيشون في مناطق مهمّشة نسبياً الاقتراب من ثقافة شبابية عالمية.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">ارتبط الكاسيت أيضاً بتغييرات أوسع شهدها لبنان في التسعينيات، مثل بلدان عربية أخرى، مع توسّع السوق وظهور أنماط جديدة من الاستهلاك، وانتشار القنوات الفضائية ومحلات بيع الأشرطة مثل ABC وVirgin، حيث أصبح البحث عن الموسيقى الجديدة جزءاً من عادة الذهاب إلى هذه المحلات. واتّسع حضور البوب العالمي ضمن ثقافة شبابية، ظهرت في اللباس والمظهر وطريقة الرقص وأسلوب الحياة، كما تعكسها الكليبات وصور النجوم.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">وتكوّن</span><span style="font-weight: 400;"> هذا العالم الموسيقي عبر الأشرطة المسجّلة واختيارات الدي جاي من المزج بين ما يُنتَج محلياً وما يصل من الخارج. ومع مرور الوقت، تجاوزت هذه الحفلات والأغاني كونها مجرد ترفيه أو موضة شبابية، لتكشف تحوّلات اجتماعية وثقافية مرتبطة بالعولمة، والتكنولوجيا، والجندر، وطريقة عيش المدينة والزمن الجماعي في التسعينيات.</span></p>
<h2><b>بناء الحفلات: ايقاع لا يتوقف</b></h2>
<p><span style="font-weight: 400;">في الحفلات، كان نجاح الأغنية يُقاس بقدرتها على تحريك الناس، فيختار الدي جاي الأغاني بحسب تفاعل الجمهور معها وما هو في السوق، أكثر من اختياره لما يحبّه هو. يروي محمد: &#8220;كنت أحب الراب، بس ما حدا كان يتحمّله. أول ما حطّه، كانوا يطلبوا مني غيّر&#8221;. كان يلعب بعض الأغاني ويُعيدها، بينما تمرّ أخرى من دون أثر يُذكر. كما كان أصحاب الحفلة والمدعوون يفرضون أحياناً ما يُشغَّل، بحسب الجو وطبيعة المناسبة.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">في الأعراس، كانت الأغاني العربية، خاصة الدبكة، هي الأساس. &#8220;كنّا نخلّي الموسيقى الأجنبية للآخر&#8221;، يقول يوسف، &#8220;نص ساعة خَوَت&#8221;. أما في الحفلات الشبابية، فكان المجال أوسع للتجريب، مع حضور قوي لليورودانس والهيب هوب والريغي:</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;"> </span><a href="https://www.youtube.com/watch?v=nm6DO_7px1I" target="_blank" rel="noopener"><span style="font-weight: 400;">I&#8217;ve got the power</span></a><span style="font-weight: 400;">،</span><a href="https://www.youtube.com/watch?v=OnT58cIJSpw" target="_blank" rel="noopener"> <span style="font-weight: 400;">The Rhythm of the Night</span></a><span style="font-weight: 400;"> ،</span><a href="https://www.youtube.com/watch?v=otCpCn0l4Wo" target="_blank" rel="noopener"> <span style="font-weight: 400;">U Can&#8217;t Touch This</span></a><span style="font-weight: 400;">،</span><a href="https://www.youtube.com/watch?v=TSffz_bl6zo" target="_blank" rel="noopener"> <span style="font-weight: 400;">Informer</span></a> <span style="font-weight: 400;">،</span><a href="https://www.youtube.com/watch?v=4uPDfuC3Jck" target="_blank" rel="noopener"> <span style="font-weight: 400;">No Coke</span></a><span style="font-weight: 400;">،</span><a href="https://www.youtube.com/watch?v=ViP87WipSm0" target="_blank" rel="noopener"> <span style="font-weight: 400;">Be My Lover</span></a><span style="font-weight: 400;">  ،</span><a href="https://www.youtube.com/watch?v=rog8ou-ZepE" target="_blank" rel="noopener"><span style="font-weight: 400;">Ice Ice Baby</span></a><span style="font-weight: 400;"> ،</span><a href="https://www.youtube.com/watch?v=p3l7fgvrEKM&amp;list=PLFOn7g5mYmx1Bp4bvDGPIRiZn57vD_NEx&amp;index=20" target="_blank" rel="noopener"><span style="font-weight: 400;">Freed from desire</span></a><span style="font-weight: 400;"> و</span><a href="https://www.youtube.com/watch?v=7kmEEkECFQw" target="_blank" rel="noopener"><span style="font-weight: 400;">No Limit</span></a><span style="font-weight: 400;">. </span></p>
<div class="jeg_video_container jeg_video_content"><iframe title="Vanilla Ice - Ice Ice Baby (Official Music Video)" width="500" height="281" src="https://www.youtube.com/embed/rog8ou-ZepE?feature=oembed" frameborder="0" allow="accelerometer; autoplay; clipboard-write; encrypted-media; gyroscope; picture-in-picture; web-share" referrerpolicy="strict-origin-when-cross-origin" allowfullscreen></iframe></div>
<p><span style="font-weight: 400;">كانت هذه الأغاني تناسب إيقاع الرقص، بسبب لازماتها المتكرّرة التي تساعد على تثبيتها في الذاكرة. ومع الكاسيت، صار بالإمكان إعادتها وتداولها بين الأشرطة.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">إلى جانب </span><a href="https://www.youtube.com/watch?v=IG23RPETXsg" target="_blank" rel="noopener"><span style="font-weight: 400;">Snap</span></a> <span style="font-weight: 400;">و</span><a href="https://www.youtube.com/watch?v=pKxJca7LLNM" target="_blank" rel="noopener"><span style="font-weight: 400;">Dr. Alban</span></a> <span style="font-weight: 400;">و</span><a href="https://www.youtube.com/watch?v=NHPMWAoAQVI" target="_blank" rel="noopener"><span style="font-weight: 400;">Corona</span></a><span style="font-weight: 400;">، كانت تُلعب أغنيات عربية راقصة مثل &#8220;</span><a href="https://www.youtube.com/watch?v=qhKrujfRJMs" target="_blank" rel="noopener"><span style="font-weight: 400;">غزالي</span></a><span style="font-weight: 400;">&#8221; و&#8221;</span><a href="https://www.youtube.com/watch?v=GxoiwzvAWC4" target="_blank" rel="noopener"><span style="font-weight: 400;">راجعين</span></a><span style="font-weight: 400;">&#8221; و&#8221;</span><a href="https://www.youtube.com/watch?v=gEgJh-Y7lIU&amp;list=PLT2b5tv5BYKaNPjzy3_i0pgowjU3Ycj1d&amp;index=2" target="_blank" rel="noopener"><span style="font-weight: 400;">عيني</span></a><span style="font-weight: 400;">&#8221; و&#8221;</span><a href="https://www.youtube.com/watch?v=7o2KqcnKFWE" target="_blank" rel="noopener"><span style="font-weight: 400;">أحلى ما فيكي</span></a><span style="font-weight: 400;">&#8221; و&#8221;</span><a href="https://www.youtube.com/watch?v=rYB2rT69DBo" target="_blank" rel="noopener"><span style="font-weight: 400;">شوقنا</span></a><span style="font-weight: 400;">&#8220;، في إيقاع واحد يجمع هذه الأنماط. بعض الأغاني كانت تُعرف من أول نغمة وتُنتظر، مثل </span><a href="https://www.youtube.com/watch?v=n1dk78L0XzI" target="_blank" rel="noopener"><span style="font-weight: 400;">Look Who&#8217;s Talking</span></a> <span style="font-weight: 400;">و</span><a href="https://www.youtube.com/watch?v=HEXWRTEbj1I" target="_blank" rel="noopener"><span style="font-weight: 400;">What’s Love</span></a><span style="font-weight: 400;"> و</span><a href="https://www.youtube.com/watch?v=JYIaWeVL1JM" target="_blank" rel="noopener"><span style="font-weight: 400;">Rhythm Is a Dancer</span></a><span style="font-weight: 400;"> و</span><a href="https://www.youtube.com/watch?v=oW0VovnyjPY" target="_blank" rel="noopener"><span style="font-weight: 400;">It’s My Life</span></a><span style="font-weight: 400;">، فيما تختفي أخرى لعدم الاندماج معها.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">يتحدث علي عن هذا التحوّل في هذا الميل الموسيقي عبر مقارنة بين الثمانينيات والتسعينيات. في البدايات، كانت السهرات تميل إلى إيقاع أهدأ، مع أغانٍ من نمط الـ&#8221;فريستايل&#8221;، مثل</span><a href="https://www.youtube.com/watch?v=DsQtMK4P9Rg" target="_blank" rel="noopener"> <span style="font-weight: 400;">Spring Love</span></a><span style="font-weight: 400;"> و</span><a href="https://www.youtube.com/watch?v=4kHl4FoK1Ys" target="_blank" rel="noopener"> <span style="font-weight: 400;">You&#8217;re My Heart, You&#8217;re My Soul</span></a><span style="font-weight: 400;"> و</span><a href="https://www.youtube.com/watch?v=Lp2qcCrdBLA" target="_blank" rel="noopener"> <span style="font-weight: 400;">Brother Louie</span></a><span style="font-weight: 400;"> و</span><a href="https://www.youtube.com/watch?v=eNvUS-6PTbs" target="_blank" rel="noopener"><span style="font-weight: 400;">Cheri Cheri Lady</span></a><span style="font-weight: 400;"> و</span><a href="https://www.youtube.com/watch?v=izGwDsrQ1eQ" target="_blank" rel="noopener"><span style="font-weight: 400;">Careless Whisper</span></a><span style="font-weight: 400;">. لاحقاً، مع صعود اليورودانس، تغيّر المشهد، وصارت الحركة عنصراً أساسياً والجسد هو المركز، مع أغنيات مثل</span><a href="https://www.youtube.com/watch?v=ZMtf_ouMTHw" target="_blank" rel="noopener"> <span style="font-weight: 400;">Mr. Vain</span></a> <span style="font-weight: 400;">و</span><a href="https://www.youtube.com/watch?v=EScLmWJs82I" target="_blank" rel="noopener"><span style="font-weight: 400;">Coco Jumbo</span></a><span style="font-weight: 400;">. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">في بلد كان يخرج من الحرب، ارتبطت هذه الحفلات أيضاً بالرغبة في استعادة الحياة الطبيعية، والحركة، والاحتفال، ولو لوقت قصير. بدأت علاقتهم بالموسيقى تتأثّر أكثر فأكثر بما كان رائجاً عالمياً يصلهم عبر الراديو والكاسيتات. وفي أواخر التسعينيات، دخلت أغانٍ أخفّ وأكثر جماهيرية مرتبطة بثقافة البوب العالمية الرائجة آنذاك، مثل</span><a href="https://www.youtube.com/watch?v=nPLV7lGbmT4" target="_blank" rel="noopener"> <span style="font-weight: 400;">Maria Maria،</span></a><span style="font-weight: 400;"> عكست ميلاً متزايداً نحو الإيقاعات البسيطة والسريعة. ومعها، صار الرقص والإيقاع الإلكتروني والنوادي الليلية جزءاً من ثقافة شبابية حضرية في توسّع مستمر.</span></p>
<p><img loading="lazy" decoding="async" class="aligncenter size-full wp-image-81232" src="http://untoldmag.org/wp-content/uploads/2026/06/image.png" alt="" width="353" height="342" srcset="https://untoldmag.org/wp-content/uploads/2026/06/image.png 353w, https://untoldmag.org/wp-content/uploads/2026/06/image-300x291.png 300w" sizes="(max-width: 353px) 100vw, 353px" /></p>
<p><span style="font-weight: 400;">في الوقت نفسه، كانت الأغنية المصرية حاضرة بقوة. تصدّر </span><a href="https://www.youtube.com/watch?v=F4npeninpf4" target="_blank" rel="noopener"><span style="font-weight: 400;">عمرو دياب</span></a><span style="font-weight: 400;"> المشهد، أحياناً بأكثر من عشر </span><a href="https://www.youtube.com/watch?v=xCCfv8-CgKU" target="_blank" rel="noopener"><span style="font-weight: 400;">أغنيات</span></a> <span style="font-weight: 400;">في الليلة الواحدة، إلى جانب </span><a href="https://www.youtube.com/watch?v=1JaeV86FWpY" target="_blank" rel="noopener"><span style="font-weight: 400;">إيهاب توفيق</span></a><span style="font-weight: 400;">، و</span><a href="https://www.youtube.com/watch?v=EeMllONrbAs" target="_blank" rel="noopener"><span style="font-weight: 400;">محمد فؤاد</span></a><span style="font-weight: 400;">، و</span><a href="https://www.youtube.com/watch?v=ORvjhXmTw5M" target="_blank" rel="noopener"><span style="font-weight: 400;">مصطفى قمر</span></a><span style="font-weight: 400;">، و</span><a href="https://www.youtube.com/watch?v=7o2KqcnKFWE" target="_blank" rel="noopener"><span style="font-weight: 400;">هشام عباس</span></a><span style="font-weight: 400;">. &#8220;ما كانت تمر حفلة بلا </span><a href="https://www.youtube.com/watch?v=KLJA-srM_yM" target="_blank" rel="noopener"><span style="font-weight: 400;">حبيبي يا نور العين</span></a><span style="font-weight: 400;">&#8220;، يقول محمّد، &#8220;لازم تتكرّر&#8221;. شكل عمرو دياب نموذجاً لصوت عربي جديد يجمع بين الإيقاع الغربي واللغة العربية الخفيفة والصورة الشبابية، ضمن موجة موسيقية لعب فيها </span><a href="https://www.youtube.com/watch?v=3atVESvYfQY&amp;list=PLSo4LC67-L0aYEk-2eLW0Ykkvpbt5L7p0&amp;index=2" target="_blank" rel="noopener"><span style="font-weight: 400;">حميد الشاعري</span></a><span style="font-weight: 400;"> أيضاً دوراً أساسياً من خلال التوزيع الإلكتروني والإيقاعات الراقصة التي طبعت موسيقى التسعينيات العربية. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">وقد ساعدت هذه الأغاني، بإيقاعها السريع وتوزيعها الحديث وكلماتها الشبابية أو الرومانسية السهلة، على الانتقال بسهولة بين الراديو والسيارة والكاسيت والحفلة، لتصبح جزءاً أساسياً من أجواء السهر. كما صارت تُبنى أكثر فأكثر لتناسب الحفلات، بإيقاع يسمح بالتكرار والرقص الجماعي، ما يفسّر حضورها الكثيف واستمرار مركزية مصر في السوق الموسيقية العربية آنذاك، سواء من حيث الإنتاج أو التوزيع أو صناعة النجوم.</span></p>
<p><img loading="lazy" decoding="async" class="aligncenter size-full wp-image-81230" src="http://untoldmag.org/wp-content/uploads/2026/06/image-1.png" alt="" width="595" height="599" srcset="https://untoldmag.org/wp-content/uploads/2026/06/image-1.png 595w, https://untoldmag.org/wp-content/uploads/2026/06/image-1-298x300.png 298w, https://untoldmag.org/wp-content/uploads/2026/06/image-1-150x150.png 150w, https://untoldmag.org/wp-content/uploads/2026/06/image-1-75x75.png 75w" sizes="(max-width: 595px) 100vw, 595px" /></p>
<p><span style="font-weight: 400;">في المقابل، بقي استخدام أغاني المطربات المصريات محدوداً نسبياً في الحلقات، باستثناءات قليلة مثل </span><a href="https://www.youtube.com/watch?v=Xb6F8nFmoj4" target="_blank" rel="noopener"><span style="font-weight: 400;">سيمون</span></a><span style="font-weight: 400;"> وبعض أغاني </span><a href="https://www.youtube.com/watch?v=9TOdL0-eD_s" target="_blank" rel="noopener"><span style="font-weight: 400;">الديو</span></a><span style="font-weight: 400;">. فقد قدّمت سيمون أيضاً صورة مختلفة عن المطربة التقليدية في تلك المرحلة، بأغانٍ راقصة قريبة من الحياة العادية، كما اشتهرت </span><a href="https://www.youtube.com/watch?v=kwj_v5MXqS0" target="_blank" rel="noopener"><span style="font-weight: 400;">بتعريب</span></a><span style="font-weight: 400;"> أغانٍ عالمية وإعادة تقديمها في قالب بوب عربي انتشر بقوة خلال التسعينيات. ومع هذا، ظلّ هذا المجال في معظمه بيد فنانين ومنتجين وتقنيين رجال.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">أما الأغنية اللبنانية، فقد بقيت أقل حضوراً في سهراتهم، رغم بروز أسماء مثل </span><a href="https://www.youtube.com/watch?v=0K_f3whe448&amp;list=PLT2b5tv5BYKaNPjzy3_i0pgowjU3Ycj1d&amp;index=5" target="_blank" rel="noopener"><span style="font-weight: 400;">راغب علامة</span></a><span style="font-weight: 400;">،</span><a href="https://www.youtube.com/watch?v=iSYeZEs-Bjg" target="_blank" rel="noopener"><span style="font-weight: 400;"> وجورج وسوف</span></a><span style="font-weight: 400;">، و</span><a href="https://www.youtube.com/watch?v=e7ZwBOQAs-w" target="_blank" rel="noopener"><span style="font-weight: 400;">عاصي الحلاني</span></a><span style="font-weight: 400;">، و</span><a href="https://www.youtube.com/watch?v=a-xjclpWksE" target="_blank" rel="noopener"><span style="font-weight: 400;">علاء زلزلي</span></a><span style="font-weight: 400;">، و</span><a href="https://www.youtube.com/watch?v=hPn62obf_l0" target="_blank" rel="noopener"><span style="font-weight: 400;">نوال الزغبي</span></a><span style="font-weight: 400;">، و</span><a href="https://www.youtube.com/watch?v=JaqXehd5tQ0" target="_blank" rel="noopener"><span style="font-weight: 400;">نجوى كرم</span></a><span style="font-weight: 400;">. ففي حين ارتبطت الأغنية المصرية أكثر بأجواء الرقص والحفلات الشعبية والشبابية، اتجه جزء كبير من الأغنية اللبنانية نحو الفيديو كليب والنجومية البصرية والأغاني الهادئة نسبياً، بالتزامن مع صعود الفضائيات في التسعينيات وتحوّلها إلى قوّة أساسية في توجيه السوق الموسيقية وتحديد أنماط الانتشار والنجومية. وأصبحت صورة الفنان عنصراً أساسياً في انتشار الأغنية وتسويقها، ما منحها حضوراً أقوى عبر التلفزيون أكثر من ساحة الرقص نفسها.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">أمّا الحفلة، فيؤكد علي أنها كانت تُبنى كمسار، له </span><a href="https://www.youtube.com/watch?v=B6LhWbQthAI" target="_blank" rel="noopener"><span style="font-weight: 400;">بداية تمهيدية</span></a><span style="font-weight: 400;">، ثم تصاعد تدريجي، وصولاً إلى ذروة، لتنتهي غالباً بأغنية طربية </span><a href="https://www.youtube.com/watch?v=A7OV-tOL3w0" target="_blank" rel="noopener"><span style="font-weight: 400;">لملحم بركات</span></a><span style="font-weight: 400;"> أو </span><a href="https://www.youtube.com/watch?v=dRsLi6htb8A" target="_blank" rel="noopener"><span style="font-weight: 400;">وردة</span></a><span style="font-weight: 400;">. يضبط الدي جاي الانتقال بين اللحظات، حسب تجاوب الناس وطبيعة المناسبة. كما يقول يوسف: &#8220;الحفلة الناجحة هي اللي ما بتوقف أنفاسها&#8221;. لهذا كانت الحفلات تُحضّر عبر أشرطة &#8220;Best Of&#8221; مرتبة، مع تسلسل يسهّل الانتقال. لكن بقي لكل واحد أسلوبه، منهم من يختار تبديل الأغاني السريع ومنهم من يفضل التدرّج. ويضيف يوسف: &#8220;كنت حطّ الأغنية الجديدة قبل ما تخلص اللي قبلها. الناس بدها تكفّي&#8221;.</span></p>
<p><img loading="lazy" decoding="async" class="aligncenter size-full wp-image-81222" src="http://untoldmag.org/wp-content/uploads/2026/06/image-5.png" alt="" width="599" height="561" srcset="https://untoldmag.org/wp-content/uploads/2026/06/image-5.png 599w, https://untoldmag.org/wp-content/uploads/2026/06/image-5-300x281.png 300w" sizes="(max-width: 599px) 100vw, 599px" /></p>
<p><span style="font-weight: 400;">تداخلت الأنماط بين الأشرطة والأماكن، فاجتمعت اليورودانس والبوب والهيب هوب مع الأغاني العربية وفق مزاج موسيقي واحد، وتحوّلت بعض الأغاني إلى ذاكرة مشتركة لأغاني يعرفها الجميع وينتظرها، فتُعاد عبر السهرات. وكانت الأغاني الأجنبية تحمل أحياناً معنى يتجاوز اللحن نفسه، إذ ارتبط تشغيلها بإحساس بالانتماء إلى ثقافة شبابية عالمية وأنماط حياة تُعتبر حديثة آنذاك. في المقابل، بقيت الأغنية المصرية الأقرب من حيث اللغة والإحساس، يستخدمها الدي جاي لصناعة لحظات مشتركة يسهل التفاعل معها. وبين هذين البعدين، كانت الحفلة تتحرك، بين ما يصل من السوق الخارجي وما يتكوّن فيها.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">في هذه الدائرة، تكوّن جو التسعينيات الموسيقي كما عاشه هؤلاء، من المزج الدائم بين الموسيقى العالمية والأنماط المحلية، عبر ممارسات استماع أعادت تكييف ما يصل من الخارج في سياقات اجتماعية خاصة.  مع مرور السنوات، أصبحت الأغاني أقرب إلى هذه اللحظات الجماعية من كلماتها نفسها، تنتقل كتجربة مرتبطة بمكان وزمان محددين. فظهر شكل من الحياة الليلية في بعض الأحياء الهامشية، تقاطع مع أنماط أوسع من الاستهلاك والثقافة الشبابية.</span></p>
<h2><b>من بيروت إلى الضيعة: مسارات الكاسيت</b></h2>
<p><span style="font-weight: 400;">كانت هذه الحياة الليلية تُولد في المدينة، لكنها لا تبقى فيها. فقد عاش هؤلاء الدي جايز في بيروت، لكنهم ظلّوا على صلة دائمة بقريتهم في جبل عامل، يعودون إليها في الصيف والعطل. فمهّد ذلك لسهرات جمعت مراهقين وشباباً في بدايات العشرينيات، لم تكن مألوفة بسهولة من قبل، خصوصاً في قرى أخرى بجبل عامل، حيث كانوا يكتشفون من خلالها أنفسهم وعلاقاتهم بمحيطهم الأوسع. وبين الذهاب والإياب، كانت الأشرطة تتحرّك معهم، متنقلة بين إيقاعين: سهرات يغلب عليها الهاوس واليورو دانس والأغاني الأجنبية، وأخرى تحضر فيها الدبكة والأغاني العربية. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">في بيروت، كانت الحفلات الخاصة تُقام في منازل خالية من الأهل، بين أصدقاء ومعارف، في أجواء مفتوحة للاختلاط والتعارف. يخرج شاب إلى وسط الحلقة، يحاول لفت انتباه فتاة ودعوتها إلى الرقص، أحياناً بإشارة خفيفة عبر القدم. قد تستجيب، أو تكتفي بابتسامة وتنسحب. من حولهما، يتحرّك الآخرون، يرقصون أو يراقبون. يبدو المشهد عفوياً، لكنه لم يكن يُعاش بالطريقة نفسها من الجميع.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">في الضيعة، تصبح هذه العلاقات أكثر انكشافاً. يرقص الشباب والصبايا معاً، لكن بتباعد أكبر، مع حضور أوسع لأهالي القرية، حيث تبقى نظرات الكبار قريبة حتى من دون تدخّل مباشر. وإذا طال التفاعل بين شاب وفتاة أو تكرّر، يتحوّل إلى حديث في اليوم التالي، ويؤثر على صورة الحاضرين وسمعتهم؛ خصوصاً الصبايا، اللواتي كنّ يوازنّ بين رقابة الأهل وكلام الناس والانتباه لتصرّفاتهن خلال السهرة من جهة، ورغبتهن في المشاركة وما يُسمح لهن به وتجنّب التعليقات من جهة أخرى، في فضاء بقيت حركتهن فيه أكثر هشاشة وحساسية تجاه نظرات الآخرين وتعليقاتهم. هكذا كانت الحفلة تمتدّ إلى ما بعد لحظتها، وتحمل معها أثرها في الجماعة.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">كما لعبت الهجرة دوراً مهماً في تشكيل هذه الحفلات؛ فكثير من أبناء القرى هاجروا إلى الولايات المتحدة وعادوا في الصيف حاملين معهم ألبسة وأشرطة وأذواقاً جديدة: جينزات Levi’s، كاسيتات مسجّلة، وأغانٍ لم تكن قد وصلت بعد إلى السوق المحلية. دخلت هذه العناصر إلى الحفلات، وأثّرت على ما يُسمع وما يُلبس وما يُعتبر حديثاً، ومعها، تحوّلت بعض المساحات، خصوصاً الفيلات الفارغة، إلى نقاط لقاء سهّلت انتشار حفلات كهذه.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">يضحك محمّد وهو يتذكّر المنافسة بين المجموعات لتحضير الحفلات: &#8220;أوقات مجموعة أصغر تعمل حفلة لتسبقنا، فنردّ بحفلة أكبر عند ابن زهية الأميركية&#8221;. أحياناً تبدأ الحفلة من دون تجهيزات: تُفتح سيارة، يرتفع الصوت، وتجتمع الحلقة. وفي حالات أخرى، تُنقل العدّة وتُركّب، فتتكيّف الموسيقى مع السياق، وتتراوح بين أغنيات غربية ودبكة بحسب الناس.</span></p>
<p><img loading="lazy" decoding="async" class="aligncenter size-full wp-image-81224" src="http://untoldmag.org/wp-content/uploads/2026/06/image-4.png" alt="" width="599" height="371" srcset="https://untoldmag.org/wp-content/uploads/2026/06/image-4.png 599w, https://untoldmag.org/wp-content/uploads/2026/06/image-4-300x186.png 300w" sizes="(max-width: 599px) 100vw, 599px" /></p>
<p><span style="font-weight: 400;">لم تكن هذه الممارسات منفصلة تماماً عن أشكال أقدم من الاجتماع، مثل الدبكة والغناء الجماعي والمجوز والميجانا والعتابا، التي عرفتها قرى جبل عامل، حيث كان الناس يجتمعون في الساحات والبيدر، تدبك النساء والرجال في حلقات، ويشارك الحاضرون في صنع الإيقاع عبر التصفيق وضرب الأقدام، مع تفاعل عازف المجوز أو المغنّي مع الحضور.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">لكن مع الكاسيت، تغيّر شكل هذه الحفلات. صار الإيقاع يُحضَّر مسبقاً، وينتقل مع الشريط. يقف الدي جاي خارج الحلقة قليلاً، يختار أغاني مسجّلة مسبقاً، ويحدّد تسلسلها. فتحوّل جزء من الفرح الجماعي من فعل حي يُبنى عبر المغني والعازف والجماعة، إلى مسار يعدّه الدي جاي سلفاً عبر شريط مُسجَّل في زمن ومكان آخرين، رغم استمرار تفاعل الناس مع الأغاني بالغناء والحركة والصراخ في هذا الإطار؛ مما أثّر على شكل التعبير عن الفرح الجماعي، فتقلّصت مساحات الارتجال والتفاعل والغناء المباشر.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">ولم تخلُ هذه السهرات من التوتر؛ فهي لم تكن مألوفة تماماً في محيطها، وتراوح التعامل معها بين القبول والتحفّظ والانتقاد. أحياناً يشتكي الجيران، أو تُبذل محاولات لإيقاف الحفلة. &#8220;كانوا يطلبوا نخفّف… بس كنّا نكمّل&#8221;، يقول يوسف. فقد كانت هذه المناسبات مساحة تفاوض مستمر حول استخدام المكان، ومستوى الصوت، ومدة السهرة، وحدود ما يُعتبر &#8220;زيادة عن اللزوم&#8221; بين شاب وفتاة. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">تأتي الضغوط أحياناً من أبناء القرية المتزمّتين أو من المنتسبين إلى حزب الله، وأحياناً من كلام الناس نفسه، كنوع من الرقابة المستمرة، تغذّيها صورة الشباب &#8220;الفلتانة&#8221; في نظر البعض. لم يكن دائماً منعاً قاطعاً، لكنّه كان إطاراً يعرف الجميع كيف يتحرّك فيه أو يلتفّ حوله. فيُخفَّض الصوت بعد ساعة معيّنة، تُؤجَّل بعض الأغاني إلى وقت متأخر، أو تُشرب بيرة بعيداً عن العيون؛ فتستمرّ السهرة ضمن هذه الحسابات الصغيرة. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">في النهاية، كانت هذه الحفلات جزءاً من حياة تُعاش في جغرافيات اجتماعية وسياسية محددة، بكل ما فيها من حدود وتسويات ووصم اجتماعي أوسع قد يحيط بهؤلاء الشباب والصبايا. داخلها، كانت تُختبر العلاقات والغراميات، وتُبنى لحظات من القرب والمرح إلى جانب المشاكل والاحتكاكات، فيتشكّل زمن خاص مرتبط بإيقاع الليلة، من دون أن ينفصل عن القيود التي تحيط به. وفي الوسط، كان الدي جاي ومعه الكاسيت، يربطان بين هذه الأمكنة، وينسجان لحظات مشتركة، تبقى في الذاكرة وتنتقل بين الناس.</span></p>
<h2><b>ما يبقى من الليل: ذاكرة صغيرة لزمن تغيّر</b></h2>
<p><span style="font-weight: 400;">حين أستعيد اليوم قصص علي ومحمّد ويوسف، أعود إلى مسارات يمكن تتبّعها عبر بقايا أشرطة وصور وذكريات. هو أرشيف حميمي صغير يفتح لحظات من زمن ما بين الحروب، ويستحضر تفاصيل لم تدخل في السرديات الكبرى. من خلاله، تظهر أشكال من السهر والتنقّل والعمل، في مناطق امتدّت بين بيروت وقرى جبل عامل. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">تأتي هذه التجارب خلال مرحلة أعادت فيها المدينة والقرى ترتيب نفسها بعد الحرب الأهلية، وظهرت فيها أماكن متعدّدة للسهر واللقاء، بين صالات وبيوت خاصة. ساهم الدي جاي والأشرطة في نقل الموسيقى بين هذه الأماكن، وربطها عبر الاستخدام المتكرر، وغيّرا طرق الاستماع والاحتفال بين العام والخاص. </span></p>
<p><img loading="lazy" decoding="async" class="aligncenter size-full wp-image-81226" src="http://untoldmag.org/wp-content/uploads/2026/06/image-3.png" alt="" width="500" height="500" srcset="https://untoldmag.org/wp-content/uploads/2026/06/image-3.png 500w, https://untoldmag.org/wp-content/uploads/2026/06/image-3-300x300.png 300w, https://untoldmag.org/wp-content/uploads/2026/06/image-3-150x150.png 150w, https://untoldmag.org/wp-content/uploads/2026/06/image-3-75x75.png 75w, https://untoldmag.org/wp-content/uploads/2026/06/image-3-350x350.png 350w" sizes="(max-width: 500px) 100vw, 500px" /></p>
<p><span style="font-weight: 400;">ومعها، تشكّل مشهد سمعي جديد، ابتعد عن الحي والعائلة نحو ثقافة شبابية مرتبطة بالكاسيت والرقص والقنوات الفضائية. بقيت هذه الأغاني في الذاكرة، لا بكلماتها فقط، بل بالرقص والحركة وما رافقها من طرق جديدة للاجتماع والعيش وتخيّل الحياة الحديثة.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">لذا، يمكن قراءة هذه التجارب في هذه الدوائر كجزء من تاريخ الترفيه، حيث تتقاطع الحركة بين المدينة والضيعة مع شبكات العمل والعلاقات، في فضاء مليء بالحدود والتوازنات وعلاقات القوة. في مناطق تُختزل اليوم غالباً في صور نمطية عن الانغلاق أو الانضباط، تكشف هذه الحكايات عن مساحات من التجريب والاختلاف، مهددة اليوم بالنسيان مع ما تتعرّض له هذه الأمكنة من محاولات محو.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">بعد عام 2000، تفرّقت الطرق. من هاجر، ومن تزوّج، ومن انشغل بالعمل. انتهت تلك المرحلة كما تنتهي مراحل كثيرة. بالنسبة إلى علي ومحمّد ويوسف، كانت تلك السنوات زمن البدايات والحلم، وزمن التعلّم والانشغال بالصوت والحفلات، قبل أن تدخل حياتهم في إيقاع آخر.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">ومع ذلك، بعض الأشياء بقيت. ما زال يوسف يحتفظ بتسجيلات من تلك الفترة. يقول: &#8220;لليوم عندي بلاي ليست من هديك الفترة. أوّل ما أسمعها برجع لهيديك الليالي وبعيش اللحظة&#8221;. مع هذه الأغاني، يعود يوسف إلى زمن كامل، بإيقاعه وتفاصيله، وبما حمله من إمكانيات وحدود. </span></p>
<p>The post <a rel="nofollow" href="https://untoldmag.org/ar/%d8%b0%d9%83%d8%b1%d9%8a%d8%a7%d8%aa-%d8%a7%d9%84%d8%af%d9%8a-%d8%ac%d8%a7%d9%8a-%d8%a8%d9%8a%d9%86-%d8%a8%d9%8a%d8%b1%d9%88%d8%aa-%d9%88%d8%ac%d9%86%d9%88%d8%a8-%d9%84%d8%a8%d9%86%d8%a7%d9%86-%d8%a7/">ذكريات الدي جاي بين بيروت وجنوب لبنان: الكاسيت وما تبقّى من أصواته</a> appeared first on <a rel="nofollow" href="https://untoldmag.org/ar/">Untold</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>لام قمريّة: الاعتداءات الجنسية وأسئلة الجسد المؤجَّلة</title>
		<link>https://untoldmag.org/ar/%d9%84%d8%a7%d9%85-%d9%82%d9%85%d8%b1%d9%8a%d9%91%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%a7%d8%b9%d8%aa%d8%af%d8%a7%d8%a1%d8%a7%d8%aa-%d8%a7%d9%84%d8%ac%d9%86%d8%b3%d9%8a%d8%a9-%d9%88%d8%a3%d8%b3%d8%a6%d9%84%d8%a9/</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[ عرين هواري]]></dc:creator>
		<pubDate>Fri, 26 Sep 2025 17:31:34 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[إبادة جماعية في فلسطين]]></category>
		<category><![CDATA[تعليق]]></category>
		<category><![CDATA[جندر]]></category>
		<category><![CDATA[سياسة]]></category>
		<category><![CDATA[في العمق]]></category>
		<category><![CDATA[مجتمع]]></category>
		<category><![CDATA[Featured 3]]></category>
		<category><![CDATA[Resistance]]></category>
		<category><![CDATA[إبادة]]></category>
		<category><![CDATA[إعلام]]></category>
		<category><![CDATA[اسرائيل]]></category>
		<category><![CDATA[اكاديميا]]></category>
		<category><![CDATA[تضامن]]></category>
		<category><![CDATA[تقاطعية]]></category>
		<category><![CDATA[حرب]]></category>
		<category><![CDATA[غزة]]></category>
		<category><![CDATA[فلسطين]]></category>
		<category><![CDATA[نسوية]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://untoldmag.org/?p=80027</guid>

					<description><![CDATA[<p>الإبادة تحجب المشهد، والعنف بأشكاله الأخرى لا يختفي. عملان دراميان يقدّمان مدخلًا لإعادة طرح الأسئلة النسويّة المؤجَّلة عن الجسد والعدالة والاختلاف.</p>
<p>The post <a rel="nofollow" href="https://untoldmag.org/ar/%d9%84%d8%a7%d9%85-%d9%82%d9%85%d8%b1%d9%8a%d9%91%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%a7%d8%b9%d8%aa%d8%af%d8%a7%d8%a1%d8%a7%d8%aa-%d8%a7%d9%84%d8%ac%d9%86%d8%b3%d9%8a%d8%a9-%d9%88%d8%a3%d8%b3%d8%a6%d9%84%d8%a9/">لام قمريّة: الاعتداءات الجنسية وأسئلة الجسد المؤجَّلة</a> appeared first on <a rel="nofollow" href="https://untoldmag.org/ar/">Untold</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<h3><b>في لحظة الإبادة</b></h3>
<p><span style="font-weight: 400;">منذ بدء حرب الإبادة على شعبنا أصبح الشرّ المطلق عنوان اللحظة التاريخية التي نعيشها. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">تؤثّر الإبادة المستمرّة في غزّة في المشهد العالميّ كلّه، وما بعدها لن يكون كما قبلها؛ لا في غزّةَ فقط، وإنما في العالم أجمع. لحظة غزّة فارقة في التاريخ؛ حيث تدفع هذه اللحظة الإباديّة بجموع المثقفين إلى إعادة النظر بمفاهيمهم وأفكارهم وقيمهم ورؤاهم، كما تتحداهم في تحديدهم أولوياتهم وتراتبيّات القضايا والأسئلة التي تشغلهم في الشأنين العامّ وربما الشخصي كذلك. كما وبنفس القوة باتت تهزّ وجدانهم.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">تحوّلت كل قضية أخرى غير غزّة، بالرغم من أهميتها، إلى صغيرة وغير مستحِقّة؛ فأمام ماكينات القتل والتجويع والتدمير والتهجير، وأمام سحق الأجساد وتقطيع الأطراف والأوصال وقطع الماء والغذاء وكلّ سبل الحياة عن شعبنا في غزة، وأمام مشاهد تعذيب وتجويع أسرانا وأسيراتنا الصامدين تصغر الكبائر. منذ بدء هذه اللحظة، المستمرّة منذ ما يقارب السنتين، والتي همشّت كل ما دونها وجعلته يبدو حقيراً بالرغم من أهميته، وجدت نفسي وربما كما مئات الملايين من أحرار وحرّات العالم نخجل من الخوض بأي قضية أخرى في الشأن العام. نخجل، لكن مع الأسف، لم تخجل أيٌ من الموبقات الأخرى ولم يخجل مرتكبوها داخل مجتمعنا. الجريمة المنظمّة في الداخل الفلسطينيّ لا تزال مزدهرة، والفساد أيضاً، والعنف الجنسيّ يتفشّى بقوّة وعنجهية و&#8221;سرية&#8221; مكشوفة أمامنا. فإذا أجّلنا معالجة الجريمة المنظّمة لن يتوقف تصاعدها من تلقاء نفسه، وإذا تجاهلنا قضايا الاعتداءات الجنسية لن تتوقف؛ ما جعلني أعود لأفتح هذه القضية وهذا الملف.</span></p>
<h3><b> مدخل </b></h3>
<p><span style="font-weight: 400;">لن تتناول المقالة قضية الاعتداءات الجنسية نفسها، بل النقاشات المتعلِّقة بها وتلك التي تدور في فلكها والتي لا تقلّ أهمية عنها، وبشكل خاص الاختلافات في معالجة بعض تبعاتِها. من أجل ذلك، سوف أعود للحملة التي بادَرَتْ إليها نهاية عام 2019 جمعيّة السوار </span><span style="font-weight: 400;">النسويّة الفلسطينيّة ومقرها حيفا، التي تعمل على محاربة ظواهر العنف الجندري عامة، والاعتداءات الجنسيّة على النساء على وجه الخصوص</span><span style="font-weight: 400;">. كان عنوان الحملة &#8220;</span><a href="https://did.li/ho4aa" target="_blank" rel="noopener"><span style="font-weight: 400;">كل يوم شهادة</span></a><span style="font-weight: 400;">&#8220;،</span><span style="font-weight: 400;"> تناولت قضايا الاعتداءات والتحرّشات الجنسيّة عموماً، ومن قبل شخصيّات عامّة على وجه الخصوص.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">كمدخل للنقاش ومن اجل محاولة مقاربة</span><span style="font-weight: 400;"> تبعات القضية موضع النقاش، سوف استعين بعملين دراميين أثرت بي مشاهدتهما، حيث لمسا ما يجيش بفكري وبمشاعري: الأول عمل أمريكي سأتناوله باقتضاب والثاني مسلسل عربي مصري سوف أتعمق به أكثر. رغم اختياري لعمل درامي أجنبي، يعالج سياق ثقافي مختلف عن منطقتنا العربيّة، ورغم الاختلاف في الكثير من القيم الاجتماعية بين الثقافتين، الا ان الموقف النسوي في هذه القضايا قاطع للجغرافيا والسياقات السياسية وكذلك التجربة الإنسانية والوجدانيّة متشابهة. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">وفي حين السياق الثقافي شبيه سواء كنا في فلسطين او مصر او دولة أخرى، فإنّ التجربة الفلسطينية بكونها فاعلة في سياق استعماري </span><span style="font-weight: 400;"> يقابلها نضال وطني</span><span style="font-weight: 400;"> يرفع من مستوى الحساسية حين التعامل مع هذه القضايا؛ حيث من ناحية مؤسسات تنفيذ القانون هي جزء بنيويّ من المؤسسة الحاكمة وثانيا بعض هذه القضايا تحدث داخل الحيز السياسي والثقافي الوطني. ولكن كما اشرت التجربة الإنسانية والوجدانيّة في جميع الحالات متشابهة.    </span></p>
<h3><b>في شرعيّة الاختلاف </b></h3>
<p><span style="font-weight: 400;">رافقت تلك الحملة </span><span style="font-weight: 400;">نقاشات حادّة بين الناشطات النسويّات الفلسطينيات في مناطق ال 48، عكست اختلافاتٍ في وجهات النظر. لاحقًا، انقطعت النقاشات وبقي الاختلاف دون أن يجد له مسارًا آمنًا للحوار على الرغم من أهميّته وشرعيّته. </span><span style="font-weight: 400;">طَرَحت تلك النقاشات وبشكل ضمنيّ، فضلاً عن الاختلافات، بعض الأسئلة التي ظلّت دون إجابات أو بالأحرى قدِّمت لها إجابات مختلفة بشكل مستقطب، دون تبنّيها بعد ذلك من قبل أي منصة نسويّة حواريّة لتعالجها، أو لتقرّ على الأقل بتعقيداتها. لم يكن ذلك ناتجًا بالضرورة عن تمترس الناشطات والقياديّات النسويّات في مواقفهنّ أيديولوجيٍّا، لكن ربما نتيجة للاختلاف الناتج عن تجارب مختلفة خاضتها الفواعل النسويّة خلال الحملة، ومعايشتهن لمشاعرَ مختلفة نتج عنها حسّاسيات لاعتباراتٍ مختلفة.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">لكن المؤكد أنّنا نخشى الخوض في الموضوع لكونه قد يطرح اختلافات، ما أن تظهر حتى تتطّور الى خلافاتٍ نحن لسنا جاهزاتٍ للخوض بها، وربما لا نعرف أصلاً كيف يمكن أن نخوض النقاش حولها. وهذا ليس اتهاماً أو لوماً، بل إشارة إلى أنّنا لم نخُض النقاش حولها بها لأننا اعتقدنا، ولا نزال ربما، نعتقد انّه يفترض بنا اعتماد رأي واحد وحيد حولها. لاسيّما لكونها تمسّ &#8221; قدس أقداس “منظورنا النسويّ، أي سؤال الجسد.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">نحن نُجمع، أو يفترض بنا، قيميًا على أهميّة الدفاع عن كرامة الجسد وعن سيادة صاحبته وصاحبه عليه. هذا المبدأ كان من الأبجديّات الأولى التي تعلّمناها مع بداية وعينا النسويّ، وعندما بدأنا طرح مشروعنا النسويّ.  إذ أكدنا، ومنذ اللحظة الأولى، على أولوية كرامة المرأة وجسدها وحقها في الحياة داخل منظومة اجتماعيّة عادلة، خالية من الذكورية ومن العنف والجنسيّ منه على وجه الخصوص.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">خلال مسارنا النسويّ تحدّانا السياق التاريخي والسياق السياسيّ، وخلاله تعلّمنا أولاً من خلال قراءاتنا واشتباكنا مع الأطر المعرفيّة النقديّة، وثانيًا على أجسادنا، بأنه لا يكفي التأكيد على رفض المفاضلة بين النسويّ والوطنيّ والدفع بمساري النضال معًا، وإنّما بتنا نصرّ على أهمية فهم تشابك البنى القمعية معًا ومحاربة ما يفرزه تشابكها. انطلاقاً من هذا الوعي، نزعنا &#8221; القداسة&#8221; عن &#8221; الرجولة الوطنية&#8221;، لإدراكنا أنّ الرجال في الحركة الوطنيّة غير معصومين عن ممارسة القمع الذكوريّ، وأحيانًا ولا حتّى النساء داخلها.  </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">رغم المسيرة التي خضناها معًا وطورنا خلالها تفاهماتٍ أو ربما ثوابتَ غير مكتوبةٍ، لا تزال بيننا خلافات لم نخُض النقاش حولها ولم نعط شرعيّة لمجرد وجودها. من بين هذه الخلافات القضيّة التي طرحتها أعلاه، ما يحوجني لنقاشها إلى الاتكاء على معالجة أعمال دراميّة نجحت بأن تلمسَ فكريًّا ووجدانيًّا ما يختلج بعقلي وبصدري. لتعينني من ناحية على طرح مجادلتي، وعلى التعبير عن مشاعري من ناحيةٍ أخرى.</span><span style="font-weight: 400;"> </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">ورغم أن هذه النقاشات خرجت من سياق فلسطينيات الداخل، إلا أنها ليست محصورة فيه؛ فهي تتقاطع مع تجارب نسويّة في العالم العربي وفي أماكن أخرى من العالم، حيث يطرح العنف الجنسي وأسئلة الجسد ومشروعيّة الاختلاف في مقاربته تحدّيات مشابهة، ما يجعل هذه القضية فلسطينية وعربية وعالمية في آنٍ معًا.</span></p>
<h3><b>الدراما مَدخلًا </b></h3>
<p><span style="font-weight: 400;">شاهدت خلال العام المنصرم مسلسلًا أمريكيا اسمه &#8220;العرض الصباحيّ&#8221; (</span><span style="font-weight: 400;">The Morning Show</span><span style="font-weight: 400;">)) تناول بشكل مركزيّ موضوع التحرّشات الجنسيّة من قبل شخصيّة عامّة، وفي بعض حلقاته قدّم مقاربة مهنيّة ونسويّة إلى حدّ ما في الموضوع. ربما لم تكن نسويّة وفق معاييرنا الصارمة، وربما ليس حتى وفق معاييرنا غير الصارمة، إن صحّت التعابير. لكن المؤكد أنّ الحلقات الأولى لهذا المسلسل نجحت في لمس العلاقات الإنسانيّة والمشاعر المركبّة التي تحيط بقضايا الاعتداءات الجنسيّة. حيث تناولت المتحرشّ كمعتدٍ وكمرتكبٍ لجريمة، ولكن كإنسان وزميلٍ وصديقٍ كذلك. حيث الإعلاميّ المتحرش في هذا المسلسل، الذي أدّت بطولته الممثلة &#8220;جنفر انستون &#8220;، هو في نفس الوقت زميل وصديق لبطلة المسلسل؛ يعيش معها يوميًا في الاستوديو ويتشارك معها في تجاربَ يوميةٍ، وفي علاقة طويلة الأمد تخللتها كما علاقات الصداقة المودّة، الدعم، والمزاح، والتكافل وأحيانًا بعض الارتباك.    </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">مؤخراً، شاهدت المسلسل الدرامي المصريّ &#8220;لام شمسية&#8221; (2025) </span><span style="font-weight: 400;">للكاتبة مريم نعّوم والمخرج كريم الشنّاوي</span><span style="font-weight: 400;">، والذي تناول موضوع الاعتداءات الجنسية عموماً، والاعتداءات الجنسية على الأطفال خصوصاً. قدّم المسلسل طرحاً رائعاً في قضيّة هامّة من حيث تعامله معها سياسياً في إطارٍ نسويّ، وكذلك تعامله معها مهنياً وإنسانياً، وفي معالجته الدرامية كذلك. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">قدّمت الكاتبة عملًا يحترم عقولنا أولاً، وقلوبَنا ومشاعرَنا ووجداننا ثانيًا. كذلك حاول لمس علاقة قصصية كهذه بتركيبتنا النفسية وفي علاقاتنا الأسريّة والاجتماعيّة والإنسانيّة، في ظل بنىًّ اجتماعيّة وثقافيّة مهيمنة تفرض نفسها علينا. ساهم العمل بتقديم ظاهرة الجرائم الجنسيّة بالصورة التي تضع الضحيّة والناجي أو الناجيّة في المركز. أظهر لنا بصدق وبعمق آلام الضحايا وارِتباكاتهم في طفولتهم، بالتوازي مع تناوله للآثار المتراكمة كطبقات في أجسادهم وفي نفوسهم وذاكرتهم واحلامهم ومخيّلاتهم؛ طالما لم تحظَ تلك الاعتداءات بمعالجة مهنية أولًا ومنصِفة ثانيًا. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">قدّم المسلسل إسهاماً هامّاً من خلال طرحه ظاهرة تشكّل جرحًا عميقًا يعيشه الملايين من الأطفال والنساء والشباب والكهول،  لحساسيّة العالية، وثانياً لأنّه عرض مسارًا ليس سهلاً تخلّلته العديد من التحدّيات،  إلّا أنّه وصل في النهاية إلى انتصار&#8221; الحقيقة&#8221;  والعدل، أو لنقل &#8220;العدل النسبيّ التعويضيّ&#8221;. خلال هذا المسار، دعمت العائلة طفلها وقام بعض المهنيّين بأدوارهم وقامت المنظومة القضائيّة بالحد الأدنى المطلوب منها. فالاعتداء يؤلم الضحيّة ويقهرها والشعور بالظلم يزيد من ألمها، لكن ما يؤلمها أكثر ويحبطها ويعود عليها بتجربة الاعتداء مجددًا وبالندم والإحباط والتدهور النفسيّ، هو خوض مسار مقاومة من قبل المعتَدى عليها أو عليه، وثم خسارة قضيّته قانونيًّا او أو أسريًّا او مجتمعيًّا. حين تختار الضحية أن تقف من أجل نفسها، تمرّ عبر مسار قاسٍ جدًا وطويل يشوبه الكثير من الآلام والكثير من الأمل. وبالتالي، فإنّ الفشل في هذه المعركة العادلة قد يحبط من يخوضها للأبد وقد ينهار. الأنكى من كل هذا، أنّ هذا الندم قد يحبط الأخريات والآخرين وقد يخيف كل مَنْ وضع أمله في الأصوات التي تحاول المقاومة و&#8221;الكشف&#8221; عن نفسها و&#8221;السرّ&#8221; الذي يُفترض أن يُخجِلها بالرغم من أنّه يفترض أن يُخجِلَ المجرم الذي أحدثه، أو على لسان إحدى حملات جمعيّة السوار: &#8220;هو اللي لازم ينخزي&#8221;. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">نجح &#8220;لام شمسيّة&#8221; في خوض هذا التحدّي من خلال إنتاج مسلسلٍ دراميٍّ من خمسة عشر حلقة. قامت ببطولته الفنانة الجميلة أمينة خليل، التي قامت بدور نيلي، والتي كسرت من خلال حجابها أفكاراً نمطية تتعلق بربط الموقف الحرّ والنسويّ بطريقة الحياة التي نحب ربّما بشكل استحواذي أن نسمّيها &#8220;علمانية&#8221;، والتي يعتبر غياب الحجاب من أهمّ رموزها. قوة الكتابة، والإخراج، والتمثيل، لم تقتصر على اختيار بطلة تلبس حجاباً، لكنها تكمن بالأساس في قدرة العمل على جعل الحجاب تفصيلاً قد يلفت النظر في الحلقة الأولى ليغدوَ غير مرئيٍّ نهائيًّا خلال حلقات المسلسل. إذ تظهر البطلة في دور الأم والزوجة والمعلمة والضحيّة، وثم المقاوِمة والناجيّة والمدافِعة بكل قوتها عن طفلها وعن طلّابها؛ فلا يرى الُمشاهد ولا يهتّمّ أصلا بشكل شعرها أو بغطاء رأسها، رغم الحضور القوي لوجهها، ولتعابيرِه الجميلة، والقويّة، والغاضبة.</span></p>
<h3><span style="font-weight: 400;"> </span><b>في ظل استمرار الاعتداء وغياب الحوار</b><span style="font-weight: 400;"> </span></h3>
<p><span style="font-weight: 400;">لن يتّسع المقال للخوض في جميع محاور هذا العمل</span><span style="font-weight: 400;">، لكن استوقفتني في سياق المقالة بعض القضايا التي عبّرت عنها بعض مشاهد هذا العمل بصدقٍ وحساسيّة، ولكن بإنسانية كذلك. حين أظهرت تلك المشاهد المجرم بصورته الإجراميّة الكاملة كمجرم يعتدي جنسيًّا على أطفالٍ قاصرين، ولكنها أظهرت في نفس الوقت صديقه الحميم الذي يحبّه وأظهرت المجرم نفسه في دوره كأبن غالٍ على أمّه وكأستاذٍ له مكانة بين طلاّبه وكأبٍ حنون وداعمٍ لابنته. يُظهِر المسلسل بشاعة الاعتداء الجنسيّ على الأطفال وبشاعة المجرمين خاصة حين اعتدائهم على منْ يفترض أن يكونوا مؤتمَنين عليهم، لكنه يظهر كذلك كل ما يحيط بتلك الجريمة من تبعاتٍ على ضحايا المعتدي وعلى عائلة الضحايا، ولكن كذلك على عائلة المعتدي نفسه بكونها هي الأخرى ضحيّة إضافيّة للمعتدي.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">أشرت أعلاه أنه كان من الأسهل عليّ الاتّكاء على أعمال دراميّة، لأفتح مجددًا هذا الملف الصعب. ولا أقصد ملف الاعتداءات الجنسيّة عمومًا حيث نخوضه كحركة نسويةّ منذ أكثر من ثلاثة عقود؛ وقد أقمنا خطوط طوارئ ومشاريع تثقيفية وتوعوية كثيرة. وتقوم الأطر النسوية جميعها بجهودٍ عظيمة في الدعم والتوعية والمرافَعة بهذه القضايا. لكن، وعلى الرغم من اتفاقنا على القيم المتعلقة بالاعتداءات الجنسية على أنواعها، لا نزال نعيش تحدي التعامل مع ما يحيط بهذه القضايا ومع تبعاتها.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">منذ انتهاء حملة &#8220;كل يوم شهادة&#8221;، لم نجرِ، نحن الناشطات الفلسطينيّات، أيّ حوارٍ آمن حول اختلافاتنا التي لم تكن على المبدأ النسويّ، وإنما تعلّقت أحياناً في تشخيص قضية عينيّة أو في طريقة معالجتها. لم نفِ النقاشَ الذي بدأناه حقًّه، لكنّ التحرش والاعتداءات الجنسية لا تزال تحدث من حولنا، لا سيّما تلك التي ترتبط بأصدقاءٍ لنا، أو أقرباء، أو زملاء في العمل، أو في الحركة الوطنيّة أو في المجتمع المدني؛ والتي قد ترافقها مشاعر مختلَطة. لكنها بكل الحالات عادت لتكون مخفيّة، اعتداءات كانت أو تهمًا أو شُبُهات. </span></p>
<h3><b>ختامها دعوة</b><span style="font-weight: 400;"> </span></h3>
<p><span style="font-weight: 400;"> من المؤكد أن هنالك قضايا ليست سهلة وقد تكون صعبة، وقد لا نملك أحيانًا حلولًا لها. قد نخوض معركة خاسرة وقد نربح مقابلها قرارًا هامًّا ينصف امرأة وينصف موقفًا وقد ينصف مقولة مهمة، لكنه قد يحمل في نفس الوقت تبعاتٍ قطعًا لسنا نحن المسؤولات عنها، لكننا لن نستطيع إدارة وجوهنا لها. وذلك بسبب: أولاً، لأن تبعاتها قد تخصّ أناسًا يخصوننا، ثانيا، لأنّها قد تؤثر في علاقاتٍ ودينامكياتٍ نحن جزء منها، وثالثًا، لأننا بشر وقد نتأثّر شعورياً، ورابعًا لأننا قد نخاف ونضعف.  قد لا تدخل مشاعرنا الشخصية في تقييمنا لقضيّة معينة أو في سلطتنا التقديريّة حين نتخذ قرارًا، لكن قد يرافق مسار فضح أو وقف الاعتداء أو محاكمة المعتدي جرحاً لمشاعر من هم أقرباء لنا ونحبّهم ولا ذنبَ لهم، لأن الحياةَ في أبسطِ تعبير لها مركّبة وفي تعبير آخر قاسية ولعينة. خلال السنوات طُرِحت أمامنا أسئلة معقدة مثل؛ هل نصدق جميع النساء؟</span><span style="font-weight: 400;"> هل التصديق المطلق هو معيارٌ للنسويّة؟</span><span style="font-weight: 400;"> هل الاعتداءات الجنسية هي أكبر الجرائم؟ كيف نتعامل مع مشاعرنا في قضايا اعتداءات يرتكبها أشخاص نعمل معهم أو أقرباء لنا أو من نحبهم؟  وهل يمكن أن نفتح مسارًا للمسامحة بعد العقاب؟ وأخيراً، </span><span style="font-weight: 400;">هل يمكن لخطابنا النسويّ أن يستوعب التردّد؟ الخوف؟ العجز؟ التناقضات؟ وهل يجب أن نحلّ جميع التناقضات لنبقى نسويّات؟ </span><span style="font-weight: 400;">انطلاقا من منطلقات ثلاثة: أولها الولاء للقضيّة العادلة، وثانيها الاعتراف بإنسانيتنا وما نحمله من مشاعر معقدة، وثالثها ضرورة الرفق بأنفسنا والتسامح مع الاختلاف وحتى مع الخطأ، أرى أنه من المهم أن نلتقي النسويات لنتحاور حول الفيلة الموجودة في غرفتنا، في بيئة نسويّة حاضنة ومحِبّة ودافئة تحمينا وتسمح لنا أن نسأل أسئلة صعبة وأن نقدم، أحياناً، إجاباتٍ خاطئة. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">لا تقتصر دعوتي هذه على النسويّات الفلسطينيّات، ولكني أدعونا في الحركة النسويّة العربيّة إلى خوض تلك الحوارات التي تعنينا جميعنا وعشناها وما زلنا نعيشها جميعا في سياقاتنا المختلفة.</span></p>
<p>The post <a rel="nofollow" href="https://untoldmag.org/ar/%d9%84%d8%a7%d9%85-%d9%82%d9%85%d8%b1%d9%8a%d9%91%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%a7%d8%b9%d8%aa%d8%af%d8%a7%d8%a1%d8%a7%d8%aa-%d8%a7%d9%84%d8%ac%d9%86%d8%b3%d9%8a%d8%a9-%d9%88%d8%a3%d8%b3%d8%a6%d9%84%d8%a9/">لام قمريّة: الاعتداءات الجنسية وأسئلة الجسد المؤجَّلة</a> appeared first on <a rel="nofollow" href="https://untoldmag.org/ar/">Untold</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>عثرةٌ لا نجاة منها</title>
		<link>https://untoldmag.org/ar/%d8%b9%d8%ab%d8%b1%d8%a9%d9%8c-%d9%84%d8%a7-%d9%86%d8%ac%d8%a7%d8%a9-%d9%85%d9%86%d9%87%d8%a7/</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[هبة مضر سلمان النواتي]]></dc:creator>
		<pubDate>Tue, 19 Aug 2025 19:27:49 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[إبادة جماعية في فلسطين]]></category>
		<category><![CDATA[تعليق]]></category>
		<category><![CDATA[Featured 1]]></category>
		<category><![CDATA[Literature]]></category>
		<category><![CDATA[Prose]]></category>
		<category><![CDATA[إبادة]]></category>
		<category><![CDATA[حرب]]></category>
		<category><![CDATA[غزة]]></category>
		<category><![CDATA[فلسطين]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://untoldmag.org/?p=79870</guid>

					<description><![CDATA[<p>قصيدة من غزّة، من قلب الحصار والخذلان في زمن الإبادة؛ من بين الأيام الثقيلة التي لا تمضي، حيث تتشابك تنهيدات التعب مع رجاء الرحمة.</p>
<p>The post <a rel="nofollow" href="https://untoldmag.org/ar/%d8%b9%d8%ab%d8%b1%d8%a9%d9%8c-%d9%84%d8%a7-%d9%86%d8%ac%d8%a7%d8%a9-%d9%85%d9%86%d9%87%d8%a7/">عثرةٌ لا نجاة منها</a> appeared first on <a rel="nofollow" href="https://untoldmag.org/ar/">Untold</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p>1.</p>
<p>صدأٌ داخلي ،</p>
<p>عِبءٌ داخلي،</p>
<p>تنهيدةٌ مُثقلة ،</p>
<p>انتظارٌ ثقيل ،</p>
<p>صدرٌ مُثْقلٌ بثقلٍ لا يُحتمل ،</p>
<p>يسكن صدري كغيمةٍ نسيت كيف تُمطر ،</p>
<p>الأيام تمضي بخطى ثقيلة وتأخذ خلفها بُعد الأحبة وكُل ألمٍ لا يمكن تهدئته ،</p>
<p>تأخذ نظرةً هاربةً من مستقبلٍ تخيلتُه لي ،</p>
<p>تزداد عتمتي في كل خطوةٍ أُخطيها ،</p>
<p>كُل خطوةٍ تمضي تأخذ معها ألف كلمةٍٍ وشعور ،</p>
<p>كُل خطوةٍ تمضي تأخذ نفساً ضيقاً وروحاً منهكة ،</p>
<p>أرتجف من الداخل كأنني في عثرةٍ لا أستطيع أن أنجو منها ،</p>
<p>أقع في صمتٍ طويلٍ تحت وسادتي التي شهدت على ثقل صدري ،</p>
<p>ونومٌ مُكابرٌ للهروب من كدّ الحياة ،</p>
<p>وخوفٌ من خذلان الأحبة ،</p>
<p>وغصةٌ في قلبٍ رقيق لا يحتملُ ايّ قسوة ،</p>
<p>ونزيفٌ خفيف من الحنين والشوق ،</p>
<p>وطريقٌ غامق بلا لون ،</p>
<p>وموسيقى بلا صوت ،</p>
<p>وغيمةٌ تخشى الانهيار ،</p>
<p>وسماءٍ مُثقلة ،</p>
<p>وأرضٌ جافة ،</p>
<p>وأسئلةٍ لا جواب لها ،</p>
<p>ومخيلاتِ التي تخشى وجود البعض ،</p>
<p>حبيبيّ يالله ،</p>
<p>أنتَ أعلم بكلٍ ذلك فهبني رحمةً وعفواً من عندكَ</p>
<p>&nbsp;</p>
<p>2.</p>
<p>الشمسُ تشرق كل يومٍ ولكنها لا تشرق بنفسي ولا أراها ،</p>
<p>ثقلٌ يجثم على صدري من معركةٍ شاقةٍ لا أعرف نهايتها ،</p>
<p>أيامٌ مُتشابهة بلا لون يُزهر ما بداخلي ،وبلا صوتٍ يُشعرني بالأمان ،</p>
<p>فراغٌ يبتلع كل شيء ببطء ،</p>
<p>كل عثرة حاولت النهوض منها تأتي عثرة أقوى تمضي بي لأيامٍ مضت ،</p>
<p>أتخبط كل حين وآخر بوجهةٍ أردت أن أعيشها بكل تفصيلة بها بكل ما تحمله الكلمة من معنى لأظهر ما يجول في داخلي وأظهره ،</p>
<p>سلسلةٌ من الأيام الشاقة الهالكة ،</p>
<p>تتسلل إلى نفسي أفكارٌ كأشعة الشمس التي تتسلل الى النافذة ،</p>
<p>تضيء روحي الخفية ،</p>
<p>كل محاولة تبدو كأنها ضبابةٌ صباحية ،</p>
<p>تتسلل دائماً إلى ذهني الأمنيات التي تبعثرت في الطريق ،</p>
<p>الأحلام التي لم تكتمل ،</p>
<p>الزمن يطوي صفحاته واحدةً تلو الأخرى دون انجازٍ وعلمٍ ،</p>
<p>هل سيستمر الزمن على هذا النحو ؟</p>
<p>هل ستستمر الحياة بلا هدفٍ وبلا وجهة؟</p>
<p>أيامٌ مرت وتمرُ بثقل على قلبي الرقيق ،</p>
<p>أيامٌ تزحف ببطءٍ كأنها متعمدةٌ إيذائي ،</p>
<p>ماذا لو انتهى كل شيء بلقاء الأحبة والأهل ؟</p>
<p>ماذا لو مضت هذه الأيام بتحقيق حلمٍ أو امنية ؟</p>
<p>أتمنى أن تكون هذه الأيام الصِعاب طريقاً لتقودني لكل شيء فقدته روحي ،</p>
<p>وأنّ كل انتكاسةٍ وخيبةٍ شعرت بها كانت تُمهد لتُعيد الحياة بروحي مجدداً ،</p>
<p>&nbsp;</p>
<p>3.</p>
<p>أجلسُ وحيدةً بمكانٍ لا يعرفه الأمن والأمان ،</p>
<p>أوراقي مُبعثرة حولي ، وأقلامي صامتةٌ تشاركني ثقل صدري ،</p>
<p>الكُتُبُ الخاصة بي تُحَدقُ بي بلا رحمةٍ،</p>
<p>بكل مرةٍ أفتح صفحةً وأغرق في سطورها المليئةُ بالتفاصيل الصغيرة ،</p>
<p>عقاربُ الساعةِ تُلاحقني وتُطاردني ،</p>
<p>الوقتُ يمضي وأنا ما زلتُ عالقةً في تلكَ السطور التي لم افهم مدى عُمقها ، ومعادلةٍ تُراوغ ذهني ،</p>
<p>عينايَّ مُرهقتانِ تلمعانِ بدمعة مكبوتةٍ تحمل الكثير من اليأس والاستسلام ،</p>
<p>دمعةٍ تود الهروبَ من كل شيء ،</p>
<p>دمعةٍ تودُ إنجاز الكثير الذي لا يحتمل تأجيلاً ،</p>
<p>دائماً ما يتسلل إليَّ شعورُ العجزِ بكل شيءٍ أراهُ ،</p>
<p>دائماً ما يجولُ في ذهني ،</p>
<p>هل أنني سأتجاوز تلك العثرة التي وقعتُ بها وأقومُ ناهضةُ فرحةً متفوقة؟</p>
<p>هل هذا الكابوس سينتهي ويصبح ذكرى؟</p>
<p>لا أحد يُجيب على تلك الاسئلة يبقى الصمتُ سيدَ كل شيء كعادته ،</p>
<p>بوسط هذا الصمت ،</p>
<p>يشتعلُ أملٌ صغيرٌ في قلبيَّ الرقيق ،</p>
<p>ربما القادمُ أجمل ،</p>
<p>ربما تعبُ اليوم سيُصبح إنجازاً أصِيغُه بسيرتي يوماً ما ،</p>
<p>كلُ ما أريده الآن لحظة سلامٍ تُبعدني عن كل هذا الصخب الذي أعيشه .</p>
<p>The post <a rel="nofollow" href="https://untoldmag.org/ar/%d8%b9%d8%ab%d8%b1%d8%a9%d9%8c-%d9%84%d8%a7-%d9%86%d8%ac%d8%a7%d8%a9-%d9%85%d9%86%d9%87%d8%a7/">عثرةٌ لا نجاة منها</a> appeared first on <a rel="nofollow" href="https://untoldmag.org/ar/">Untold</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>في صمت أمي البوسنيّة… حكايةٌ عن غزة </title>
		<link>https://untoldmag.org/ar/%d9%81%d9%8a-%d8%b5%d9%85%d8%aa-%d8%a3%d9%85%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%a8%d9%88%d8%b3%d9%86%d9%8a%d9%91%d8%a9-%d8%ad%d9%83%d8%a7%d9%8a%d8%a9%d9%8c-%d8%b9%d9%86-%d8%ba%d8%b2%d8%a9/</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[سارة الخطيب]]></dc:creator>
		<pubDate>Tue, 12 Aug 2025 01:11:54 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[إبادة جماعية في فلسطين]]></category>
		<category><![CDATA[الممارسات والأفكار النسوية]]></category>
		<category><![CDATA[تعليق]]></category>
		<category><![CDATA[جندر]]></category>
		<category><![CDATA[حكاية]]></category>
		<category><![CDATA[Featured 2]]></category>
		<category><![CDATA[Resistance]]></category>
		<category><![CDATA[إبادة]]></category>
		<category><![CDATA[اسرائيل]]></category>
		<category><![CDATA[البوسنة والهرسك]]></category>
		<category><![CDATA[تضامن]]></category>
		<category><![CDATA[حرب]]></category>
		<category><![CDATA[حزن]]></category>
		<category><![CDATA[غزة]]></category>
		<category><![CDATA[فلسطين]]></category>
		<category><![CDATA[مهجر]]></category>
		<category><![CDATA[نزاع]]></category>
		<category><![CDATA[هجرة]]></category>
		<category><![CDATA[هوية]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://untoldmag.org/?p=79810</guid>

					<description><![CDATA[<p>ربما ما أعادني للنقاش مع أمي هو أنني كنت أبحث عن أمل، عن ناجٍ من "المستقبل" ليقول لي إن لهذا الكابوس نهاية، أيّة نهاية كانت، أشاركها مع اصدقائي بعد أن فقد الكثير منهم الأمل.</p>
<p>The post <a rel="nofollow" href="https://untoldmag.org/ar/%d9%81%d9%8a-%d8%b5%d9%85%d8%aa-%d8%a3%d9%85%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%a8%d9%88%d8%b3%d9%86%d9%8a%d9%91%d8%a9-%d8%ad%d9%83%d8%a7%d9%8a%d8%a9%d9%8c-%d8%b9%d9%86-%d8%ba%d8%b2%d8%a9/">في صمت أمي البوسنيّة… حكايةٌ عن غزة </a> appeared first on <a rel="nofollow" href="https://untoldmag.org/ar/">Untold</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p><span style="font-weight: 400;">قاطعتني أمي فجأة، ونحن نتحدث على الهاتف، لتقول: &#8216;نسيت أشتري أغراض للبيت… ما عنا غير تونة.&#8217; </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">صمتُّ. كنت أعلم تمامًا كم تكره التونة — ليس لأن طعمها سيء، بل لأن رائحتها تُشبه رائحة الحرب. في تلك اللحظة، لم تكن أمي تتحدث عن التونة، كانت تتحدث عن الذاكرة.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">منذ بداية الحرب على غزة، أصبح النقاش حول الوطن، والتضحية، والمقاومة، والتخلي، والنزوح — الذي لطالما كان صعبًا فلسطينيًا — أكثر صعوبة، خاصة بين الفلسطينيين، الذين وجدوا أنفسهم أمام أسئلة جديدة لا تتعلق فقط بالاحتلال والحصار، بل تمتد إلى الإبادة، والمجاعة والتهجير. لذلك، ناقشت أمي وهو نادرًا ما يكون مؤشراً جيداً، وأنا واعية تمامًا أنها ليست فلسطينية، رغم أنها عاشت في فلسطين لأكثر من عشرين عامًا. ناقشتها كشاهدة على إبادة بينما ناقشتني كناجيةٍ منها.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">كثيرًا ما كانت أمي تُغضبني في مراهقتي. كانت دائمًا تختلف معنا — أنا وإخوتي — في آرائنا الراديكالية، اليمينية منها واليسارية، إذ تحاول جهدها &#8211; في كل نقاشٍ سياسي بيننا- أن تسحبنا إلى منتصفٍ لا نؤمن بوجوده، ولا نعتقد أنه يتسع للفلسطينيين، كانت دائمًا تقول: &#8220;حاولوا تشوفوا الصورة الأكبر والأبعد.&#8221; وما إن نواجهها برفض — راديكاليّ أيضًا — حتى تجدد نداءها، مع إضافة بعض العبارات باللغة الصربية لا مرادفات لها بالعربية.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">أظن أن لجوئي لأمي في النقاش قبل عامين كان جزءًا من عادة تعلمناها في صغرنا؛ أن نسأل أمهاتنا عن أيّة ظاهرة لا نفهمها في العالم. ثم كبرت قليلًا، وظننت، كما يظن المراهقون جميعًا، أنني فهمتُ كل شيء، فتوقفت عن سؤال أمي، وبتُّ أتهرّب من نقاشات الوطن وقضاياه معها. فأنا أعلم أننا لن نتفق سواء أتحدثنا بالعربية أم الصربية!</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">ربما ما أعادني للنقاش مع أمي هو أنني كنت أبحث عن أمل، عن ناجٍ من &#8220;المستقبل&#8221; ليقول لي إن لهذا الكابوس نهاية، أيّة نهاية كانت، أشاركها مع اصدقائي بعد أن فقد الكثير منهم الأمل. وأمي كانت تمثل هذا المستقبل، بعد أن رأت نهاية حربٍ استمرّت خمس سنوات، بما فيها من المآسي والموت.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">كانت ماما &#8220;صبية&#8221; حين اندلعت الحرب في البوسنة عام 1992. وعلى الرغم من رفضها التام مناقشة حربٍ أكلت من عمرها خمس سنوات، إلا أن هناك ما كان يظهر في تفاصيل صغيرة— كانت توفّر المياه في كل شيء، من الطبخ إلى التنظيف، وكانت لا تحب متابعة الأخبار على التلفزيون، وتعامل الجميع بلطفٍ زائد، خاصة من لا يستحقون ذلك. وكأنها تحاول أن تُقنع من حولها، خاصة أنا، أن الدنيا لا تزال بخير، وأن أسوأ الناس يمكن أن يجدوا من يعاملهم بلطف. وأن شرّ العالم كله، لو وقف على بابها، لعانقته وأعادته إلى هذا العالم حبًا.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">لم أكن أحب ذلك في أمي (وأنا لا أحب أحدًا بقدر ما أحبها). كلما أشرتُ إلى عدم منطقية استحقاق الجميع للحب، كانت تبتسم وتقول: &#8220;نحن نأخذ ما لا نستحق من الألم، فلِمَ لا نأخذ ما لا نستحق من الحب أيضًا؟&#8221; لم أفهمها. وأغضب كلما أراها لا ترد على الأذية بأذية. كانت ترد عليّ: &#8220;أنا مرتاحة هكذا.&#8221; فأغضب أكثر، كيف لها أن ترتاح قبل أن ترد الصاع صاعين؟! كنت أخاف أن يراها العالم ضعيفة، فيزيدون أذيتهم لها. هو لا يراها قويةً مثلما أراها، أنا التي أعلم قوتها، تساءلتُ كثيرا، لماذا تريد اخفاء قوتها؟</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">كنت استدرجها إلى موضوع الحرب من أجل اختبار نظرية هاويةٍ في تحليل النفس، أو أرى نفسي كذلك. سألتها عن الحرب في البوسنة عشرات المرات، ونجحتْ — كما الأمهات — في التملص من الإجابة. تقول: &#8220;كأنو سمعت تلفوني بيرن!&#8221; وتخرج من الغرفة، أو تقول: &#8220;كانت صعبة&#8221; ثم تنقل الحديث إلى مكانٍ آخر يضمن عدم العودة إلى موضوع &#8220;التابو&#8221; هذا.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">ولأني كنت في حينها باحثةً متدربة، مازالت تؤمن بأخلاقيات البحث، توقفتُ عن سؤالها. أوضحت أمي بالصربية ثم بالعربية، أنها لا تريد الحديث عن الحرب في البوسنة أو الإبادة. احترمت رغبتها وأخرجتها من دراستي. سافرت إلى البوسنة أبحث عمن يجيبني عن السؤال ذاته: كيف يعود الناس إلى الحياة الطبيعية بعد أن يختبروا أبشع صور الموت — الإبادة؟ </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">بحثت عن الجواب في البوسنة لمدة عام،  تحدثت فيه مع الكثيرين، من العائلة والأصدقاء والخبراء، الصغار والشيوخ، من كل الطوائف والأديان، لكني لم أجد جوابًا عند أحد. قررتُ وقتها ترقية نفسي إلى باحثةٍ أكاديمية متمرسة، تتخلى عن أخلاقيات البحث وعدت أضغط على أمي كصحفيةٍ مزعجة لا تقبل رفض طلب إجراء المقابلة. كنت مؤمنةً أنها تملك الإجابة على سؤالي، و لا تريد مشاركتها معي. ونسيت، كما ينسى الأطفال دومًا، أن من حق الأمهات ألا يشاركوا كل شيء مع أطفالهم. لم أعتقد في حينها أن ذلك من حقها. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">على الرغم من إلحاحي، لم تنجح أيٌّ من محاولاتي في استدراجها للحديث. وأدركت أخيرًا أنني لن أرى الحرب يومًا بعيون أمي.</span></p>
<p style="text-align: center;"><span style="font-weight: 400;">***</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">عندما بدأت الحرب في غزة، أتعبتني النقاشات الفلسطينية التي عادة ما تنتهي بمشاجرة، فذهبت إلى أمي. وكأن حالة عدم اليقين أعادتني إلى عمر الخمس سنوات في متجر بقالةٍ كبير، تبدو كل أروقته متشابهة. أتصل بها يوميا، واتفادى الشجار، والحديث عن الحرب، فلا يسقط مني شيئ إلا سهوا.</span></p>
<h3><strong>الحوار الأول – اليوم الرابع منذ بدء الحرب</strong></h3>
<p><span style="font-weight: 400;">قلت: أعلنوا أهداف الحرب.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">قالت: هناك أهداف أخرى، لن يُشاركها أحد مع المساكين الذين يُذبَحون الآن، لكنها ستصنع من جثثهم طريقًا إليها. لا أدري ما الهدف، المال ربما، أو البترول. أعتقد أن الحروب كلها سببها المال أو البترول، أو الاثنين معًا. ستصبح لحياة الإنسان ثمن، وسينخفض بسرعة رهيبة. هناك عرضٌ كبير على حياة أكثر من مليوني شخص، والطلب مهما ارتفع، لن يصل إلى حجم هذا العرض. وعليه، ستنخفض كلفة حياة الإنسان.  </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">قلت: وكيف لا تنخفض؟  قالت: تنخفض لا محالة… لا أريد الحديث عن الحرب، رجاءً…</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">شرحت أمي لي الأمر كما لو كان معادلةً في محاضرة &#8220;مقدمة في الاقتصاد&#8221;، أزعجني الحديث، ربما لأنني لم أحب محاضرات &#8220;سنة أولى&#8221; أبدا.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;"> المؤكد أننا لم نكن في حينها، بعد، نعدّ الشهداء أرقامًا ولم نكن نراهم جزءاً من معادلةٍ رياضية يمكن شرحها بهذه البساطة أو الاختصار.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">تراجعت عن الضغط على أمي، كنت متأكدة أنها اضطرتْ للحديث عن الحرب في أكثر من مناسبة في ذلك اليوم وكنت، بكل صدق لا أريد أن أزعجها. أما أمي فقد عاملتني كما تعامل الغرباء حين يضطرونها الى النقاش حول الحرب- بعيدا عن تفاصيل حياتها أو تجربتها في حرب البوسنة. أعتقد أنها في حينها كانت تتمنى أن تتوقف الحرب قبل أن تضطر لمناقشتها.</span></p>
<p style="text-align: center;"><span style="font-weight: 400;">***</span></p>
<h3><b>الحوار الثاني – 93 يوم منذ بدء الحرب</b></h3>
<p><span style="font-weight: 400;">قلت: كيف للإنسان أن يقتل إنسانًا بهذه الوتيرة وبهذه الطريقة؟ ليسوا ببشر!</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">قالت: هم يقولون الشيء ذاته، &#8220;الفلسطينيون حيوانات بشرية، مش بني آدمين.&#8221;</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">شعرت أنني انزعجتُ من ردّها، تداركت الموقف وقالت بسرعة: أعتقد أنهم خائفون فحسب، الخوف… سيفاجئك دائمًا يا سارة. الإنسان الخائف والجائع، يُجرّد من أخلاقه وصفاته وشخصيته، ولا يبقى منه إلا إنسانٌ خائف أو جائع. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">أعلم هذا جيدًا، رأيت أشخاص عرفتهم طوال عمري يتحولون إلى أشخاص جائعين، جائعين فقط. (لم أقل شيئًا). </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">أكملتْ وهي لا تنظر إلى وجهي في الهاتف: بعد تهجيرنا من بوسنة، وزّعوا علينا علب تونة مقرفة، ما زال طعمها في فمي. كانت مقرفة بحق، تبقى رائحتها في الملابس، كرائحة السجائر تمامًا. كلما عانقك أحد — وهو أمرٌ نادر أثناء النزوح — علم أنك أكلت علبة التونة المقرفة. كنت أكرهها، كنا جميعا نكرهها، لا أعتقد أن أيّاً منا أكل التونة لسنوات بعد الحرب. لا أدري من قرر أن يرسل التونة الى البوسنة من &#8220;جماعة المساعدات&#8221; ولكنه كان قرارًا سيئًا. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">الجائع سيأكل يا سارة، أي شيء، كل شيء، وإن لم يجد ما يأكله سيصنع من روحه غذاءً مؤقتاً، كلما طال الجوع هضمت الروح أكثر فأكثر. الانسان الجائع ليس انسان، هو جائع فقط. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">كذلك الخوف، يؤذي صاحبه ولا يترك منه شيئًا، فيخسر الانسان نفسه ولا يكون سوى خائف والإنسان الخائف، الخائف فقط، يقتل ويسرق وينهب. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">لذلك يا حبيبتي إن خفتِ يومًا تذكري أن تشعري بشيءٍ اخر معه، حاولي أن يكون الخوف مصحوبًا بالأمل، بالحب، بالنشوة ان اضطررت، أي شيء.   </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">يومها أدركت لأول مرة لماذا لا تحب أمي علب التونة.</span></p>
<p style="text-align: center;"><span style="font-weight: 400;">***</span></p>
<h3><b>الحوار الثالث – اليوم 217 منذ بدء الحرب</b></h3>
<p><span style="font-weight: 400;">&#8220;رأيت فيديوهاتٍ لأطفال يحملون جثثًا وهم نازحون. لم أستطع النوم.&#8221;</span><span style="font-weight: 400;"><br />
</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">قالت أمي بلهجتنا الفلسطينية: &#8220;تحكيليش.&#8221;</span><span style="font-weight: 400;">قلت ببراءة، وكأنني لم أتعمد استدراجها إلى حديث الحرب: &#8220;أنا فقط أقول إنني لم أستطع النوم.&#8221;</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;"> قالت: طبيعي، فاهمتك، النوم أول من يتخلى عنا عند الألم وكأن الألم يرفض أن يتم تجاهله أو التهرب منه، يفرض عليك أن تواجهه…</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;"> أنا أيضًا لم أستطع النوم مراتٍ عديدة خلال الحرب وبعدها وأنا لم أملك هاتفاً يبثّ لي صور أطفالٍ ميتين طوال اليوم. أذكر عندما</span><span style="font-weight: 400;"> أخبرني فلاديمير — صديق العائلة — أن أباه أُصيب خلال نزوحهم، فحمله على ظهره لمسافة عشرة كيلومترات وهو ينزف حتى مات بين يديه. فحمله بعدها عشرة كيلومتراتٍ أخرى جثةً هامدة. دفنه تحت شجرة لا يتذكرها. حاول كثيرًا أن يتذكر، وعاد بعد الحرب يسير الطريق ذاته مئات المرات دون أن يتذكر. فكر مرارًا أن يحفر تحت كل شجرة في الطريق.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;"> أقنعناه ألا يفعل.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;"> نظرتْ أمي إلى الهاتف وقالت:</span><span style="font-weight: 400;"><br />
</span><span style="font-weight: 400;"> &#8220;ما واساني عند موت أمي مقولةُ صديقةٍ لها جلست بجانبي يوم العزاء وأمسكت بيدي وقالت: دفن الأطفال لأهلهم أهون من دفن الأهل لأطفالهم.&#8221;</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;"> قلت لها بسخرية: يا لها من مواساةٍ عظيمة! أن أدفن أمي خير من أن تدفنني!</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;"> أجابت: نعم، أن يدفن الابن أباه أمر طبيعي، كان يحصل قبل الحرب وسيبقى يحصل بعدها. ربما لم يكن من الطبيعي أن يدفنه تحت شجرةٍ على طريق نزوح طويل. ولكن حمل الأطفال لآبائهم أهون من حمل الآباء لجثث أطفالهم، سواء أكان ذلك في تابوت أو كيس بلاستيكي!</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;"> ابتسمت أمي ابتسامةً طفيفة، كأنها أدركت أنها لا تستطيع منع نفسها من البحث عن الجيد في السيء وقالت: قد يكون فلاديمير محظوظًا لهذا. توقفت الحرب قبل أن يكبر ويصبح أبًا يُضطر لحمل جثث أطفاله، أو يُضطر أطفاله إلى دفنه تحت شجرة.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;"> لن يدرك يومًا أنه محظوظ. فلا أبشع من الموت في الحرب.  موتٌ عام، لم يصبك لأنك شجاع فيُصبح شرفًا، ولم يصبك لأنك مجرم فيُصبح عقابًا، وإنما قتلك محض صدفة. ربما كنت تقف في المكان الخاطئ، تتحدث مع الشخص الخاطئ. ربما دخلت إلى منزلك قبل وقتك المعتاد، أو بعده، أو فيه.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;"> لا أبشع من الموت في الحرب؛ موتٌ سيُدفن مع كل مآسي الحرب حين تتوقف. سيقولون: &#8220;مات في الحرب&#8221;، كأنه مات في وباء أو زلزال.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">لكن موت الحرب مختلف؛ يفرض بالضرورة على كل من بقي حيًا أن يسأل: ماذا لو بقي هذا الميت بيننا؟ أكان سيتزوج؟ أم يتعلم؟ أكنا سنبقى أصدقاء أم تفرّقنا الحياة؟ هل كان ليكون أبًا جيدًا؟ أمّاً حنونة؟</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;"> أسئلة تسرقها الحرب وتلوّح بها من مسافة محسوبة، لا تسمح لك أن تنسى الأموات، ولا تمنحك راحة الجواب.&#8221;</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;"> هزّت أمي رأسها كأنها تحاول محو صورةٍ بشعة في مخيلتها، نظرت في الهاتف وقالت بحزم:</span><span style="font-weight: 400;"><br />
</span><span style="font-weight: 400;"> &#8220;لا تُشاهدي الأخبار. نامي أبكر اليوم!&#8221;</span></p>
<p style="text-align: center;"><span style="font-weight: 400;">***</span></p>
<h3><strong>الحوار الرابع- 370 يوم منذ بدء الحرب</strong></h3>
<p><span style="font-weight: 400;">&#8220;تعبت يا ماما، كأنو هالحرب ولا عمرها حتخلص! شو هالحرب الطويلة هاي؟!&#8221;</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;"> قالت:</span><span style="font-weight: 400;"><br />
</span><span style="font-weight: 400;"> &#8220;لا يقاس عمر الحروب هكذا، أعتقد أن عمر هذه الحرب سيختلف من شخص لآخر. </span><span style="font-weight: 400;"><br />
</span><span style="font-weight: 400;"> فهو للأم التي فقدت طفلها بعد يومين من الحرب، حرب يومين لا ثالث لهما.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;"> أما لمن نجا، فهي اليوم في يومها ٣٧٠، وعندما تتوقف الحرب، أو القتال، سيبقى من يبحث عن أهله تحت الركام، وهو من لن تنتهي حربه حتى يجدهم.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;"> أنتِ محظوظة يا جميلتي أن الحرب لم تنتهِ بالنسبة إليكِ، هذا يعني أن هناك جزءًا ما في داخلك لا يزال على قيد الحياة، يحاول النجاة. لم يُقتل بعد.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;"> الحرب ليست تجربةً جماعية، حتى وإن كان الموت كذلك. الحرب شخصية. شخصية بالضرورة.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;"> هناك شعورٌ بالاستهداف الشخصي الذي يُنسى، أو يُجمع في حصيلة المعاناة الجماعية.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;"> لكنه ليس جماعيًا، فلكل شخص روايةٌ عن الحرب، ربما لو سمعتها كلها لظننتِ أن كل واحد منهم عاش حربًا مختلفة في المكان والزمان ذاته.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;"> قد تكون مصيدة جمع الالام الشخصية أخطر اليوم مما كانت عليه. حرب البوسنة قدرت الجانب الشخصي أكثر؛ فقد كان كل قاتل يعرف ضحيته. أما هذه الحرب فهي مجرد قنابل تسقط من طائرات حربية، بلا وجوه. عملية القتل بالنسبة للطيار ليست شخصية، بل مجرد كبسة زر، فعلٌ آليّ بلا ذكريات أو مشاعر. لا يضطر فيها القاتل إلى النظر في عيون ضحاياه وهم يأخذون أنفاسهم الأخيرة، فلا يطاردونه في منامه.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">ولكن حتى ولو سقطت القنبلة ذاتها، ومن الطائرة ذاتها، على البناية ذاتها، وقتلت عشرة أشخاص، فلكلٍّ منهم، يا حبيبتي، ألمٌ شخصي وثأر شخصي، حتى وإن لم تجد أشباحهم قاتلًا ليطاردوه في منامه.</span></p>
<p style="text-align: center;"><span style="font-weight: 400;">***</span></p>
<h3><strong>الحوار الخامس &#8211; توقفت عن عد الأيام منذ بدء الحرب</strong></h3>
<p><span style="font-weight: 400;">&#8220;مش قادرة أصدق إنو رجعوا للحرب!&#8221;</span><span style="font-weight: 400;"><br />
</span><span style="font-weight: 400;"> نظرت إليّ باستياءٍ عظيم وقالت:</span><span style="font-weight: 400;"><br />
</span><span style="font-weight: 400;"> &#8220;سارة، لا أريد التحدث عن الحرب&#8230; رجاءً.&#8221; وأطفأت الهاتف.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">اعتقدت أنني انكشفتُ، وأنّ أمي أدركت أنني استدرجتها لمشاركة أجزاء من الحرب في البوسنة لم ترغب في مشاركتها معي، كأنها أكلت علب تونة مقرفة، أو أن فلاديمير الذي يزورنا في بيت جدي ويشوي السمك وهو يضحك، دفن أباه تحت شجرة في عمر الـ١٤ عامًا.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;"> حاولتُ جاهدةً أن أقدم ضماناتٍ لأمي، أن أشجعها على الحديث.</span><span style="font-weight: 400;"><br />
</span><span style="font-weight: 400;"> أخبرتها أن هذا مفيدٌ لها. قلت لها بالصربية:</span><span style="font-weight: 400;"><br />
</span><span style="font-weight: 400;"> &#8220;سيكون الحديث عما عشتهِ في الحرب مفيدًا لكِ، لا تغلقي الجروح قبل تعقيمها.&#8221;</span><span style="font-weight: 400;"><br />
</span><span style="font-weight: 400;"> تجاهلتني، كأنها ترى الأنانية من وراء طلبي، كأنني أغلق جراحي بخيوط جراحها. لم تجبني.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">ربما لم أكن أسألها عن الحرب فحسب، بل كنت أفتّش عن طريقةٍ أكتب بها شيئًا لا يُكتب.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">أما اليوم، فما يزال النقاش فلسطينيًا صعبًا، وينتهي بمشاجرة. ولم تعد أمي تودّ نقاش الحرب منذ أن عادت في يناير الماضي. حتى أنني، أنا أيضاً، توقفتُ عن نقاشها، ولم أعد أتابع الأخبار على التلفزيون، أو أشتري علب التونة.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">إلى أمي. اعتذر عن المشاركة. </span></p>
<p>The post <a rel="nofollow" href="https://untoldmag.org/ar/%d9%81%d9%8a-%d8%b5%d9%85%d8%aa-%d8%a3%d9%85%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%a8%d9%88%d8%b3%d9%86%d9%8a%d9%91%d8%a9-%d8%ad%d9%83%d8%a7%d9%8a%d8%a9%d9%8c-%d8%b9%d9%86-%d8%ba%d8%b2%d8%a9/">في صمت أمي البوسنيّة… حكايةٌ عن غزة </a> appeared first on <a rel="nofollow" href="https://untoldmag.org/ar/">Untold</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>أجساد النساء مرآة للحرب: الجسد كأرشيف للمحو والمقاومة</title>
		<link>https://untoldmag.org/ar/%d8%a3%d8%ac%d8%b3%d8%a7%d8%af-%d8%a7%d9%84%d9%86%d8%b3%d8%a7%d8%a1-%d9%85%d8%b1%d8%a2%d8%a9-%d9%84%d9%84%d8%ad%d8%b1%d8%a8-%d8%a7%d9%84%d8%ac%d8%b3%d8%af-%d9%83%d8%a3%d8%b1%d8%b4%d9%8a%d9%81-%d9%84/</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[مريم محمد الخطيب]]></dc:creator>
		<pubDate>Wed, 04 Jun 2025 08:54:15 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[إبادة جماعية في فلسطين]]></category>
		<category><![CDATA[تعليق]]></category>
		<category><![CDATA[جندر]]></category>
		<category><![CDATA[مجتمع]]></category>
		<category><![CDATA[Displacement]]></category>
		<category><![CDATA[إبادة]]></category>
		<category><![CDATA[اسرائيل]]></category>
		<category><![CDATA[حرب]]></category>
		<category><![CDATA[حقوق الانسان]]></category>
		<category><![CDATA[غزة]]></category>
		<category><![CDATA[فلسطين]]></category>
		<category><![CDATA[نسوية]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://untoldmag.org/?p=79546</guid>

					<description><![CDATA[<p>في وجه التواطؤ العالمي، في وجه التجاهل، يظل الجسد الأنثوي شاهدًا لا يمكن شطبه، وذاكرة لا يمكن محوها. هو ليس ضحية فحسب، بل وثيقةُ وجود، وشهادةُ مقاومة، وذاكرةُ شعبٍ يقاتل كي يُرى</p>
<p>The post <a rel="nofollow" href="https://untoldmag.org/ar/%d8%a3%d8%ac%d8%b3%d8%a7%d8%af-%d8%a7%d9%84%d9%86%d8%b3%d8%a7%d8%a1-%d9%85%d8%b1%d8%a2%d8%a9-%d9%84%d9%84%d8%ad%d8%b1%d8%a8-%d8%a7%d9%84%d8%ac%d8%b3%d8%af-%d9%83%d8%a3%d8%b1%d8%b4%d9%8a%d9%81-%d9%84/">أجساد النساء مرآة للحرب: الجسد كأرشيف للمحو والمقاومة</a> appeared first on <a rel="nofollow" href="https://untoldmag.org/ar/">Untold</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p><span style="font-weight: 400;">في الخيام التي نُصبت على عجل، والمدارس المُحوّلة إلى مآوٍ، تعیش النساء في صمتٍ لا یُفصِح عن نفسه. هذا الصمت ليس اختيارًا، بل نتيجة تراكم طويل من الإنهاك الجسدي والنفسي. فحين تُنهك الحرب مدينة، لا تتفتّت فقط الجدران، بل الأجساد، وخاصة أجساد النساء. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">في قلب هذا الإنهاك، يبرز الحيض كواحد من أبرز أشكال المعاناة المنسيّة. هذه الوظيفة الجسدية الطبيعية، التي يفترض بها أن تكون مسألة صحية يومية، تتحول في زمن الحرب إلى عبء مركّب، يتقاطع فيه العار المجتمعي مع غياب الرعاية الصحية، والنظرة القامعة تجاه جسد المرأة.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">النساء في النزوح، في الخيمة، والأماكن المكتظة التي تفتقر إلى الحد الأدنى من الخصوصية، يُجبرن على التعامل مع الحيض وكأنه أمر طارئ يجب إخفاؤه بأي ثمن. دون مستلزمات نظافة أو بيئة آمنة أو اعتراف بمعاناتهن. ومع ضغط الاحتلال والإبادة، يضاف عبء ثقافي من المجتمع، الذي يفرض الصمت والعار على أجسادهن، فيصبح الحيض سرًا مكبوتًا يزيد من عزلتهن ويضاعف معاناتهن اليومية، وسط صراع مستمر بين قسوة الواقع ورقابة المجتمع.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">ويٌعاد بذلك تعريف الجسد الأنثوي كمكان تُمارَس عليه السلطة بشكل مباشر، حيث تُحدّد قيمته حسب ما إذا كان يُسمح له بالبقاء أو يُترك للموت. يُستبعد جسد المرأة الفلسطينية من الحياة التي يُعترف بها، فلا يُرى أو يُسمع داخل معاناة غزة. هناك، تُمنع المرأة الناجية من الحديث عن حيضها، خوفها، أو جوعها، لأن صوتها لا يتوافق مع الخطاب الرسمي للحرب، الذي يركز على الأرقام ويُفضل اللغة المحايدة على الشهادات الشخصية التي تكشف المأساة الحقيقية.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">لا يٌسجَّل الجسد الأنثوي كرقم في قائمة الإصابات، ولا يُذكر في تقارير الإغاثة أو نشرات الأخبار، بل يتحول إلى أرشيف حيّ للعنف، لا يكتفي برواية ما حدث، بل يعيشه ويعيد كتابته في اضطراباته، وصمته، وتأقلمه مع الخوف. ليصبح بذلك وثيقة سياسية، يُظهر كيف يتحوّل العنف الممنهج إلى تجربة حميمة مكتومة تعيشها المرأة داخل جسدها. ولا ينتهي الانتهاك بانتهاء القصف، بل يستمر في صمت ما بعد الإبادة. </span></p>
<h3><b>الحيض في زمن الحرب: الجسد بين الإهمال والاستهداف</b></h3>
<p><span style="font-weight: 400;">في ظل الحصار والاستهداف الممنهج للبنية الصحية، الذي يمنع وصول المستلزمات الأساسية مثل الفوط أو الأدوية المسكنة، تخفي النساء نزيفهن في طبقات من القماش أو قطع من الخيام الممزقة، أو حتى ورق الجرائد والخِرَق القذرة. هذا الاستخدام القسري لأدوات غير آمنة، يؤدي إلى انتشار الالتهابات والأمراض النسائية الخطيرة، وسط غياب تام لشروط النظافة أو الخصوصية. وهكذا، بيتحوّل الحيض من فعلٍ بيولوجي طبيعي إلى تجربة سياسية: يُحرَم الجسد من حقوقه الأساسية، ويُجبر على الصمت تحت وطأة الخوف والعجز.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">ما يزيد من قسوة هذه التجربة أن النساء يُستهدفن كجزء من استراتيجية الاحتلال. فقد دمّر الجيش الإسرائيلي المستشفيات، بما فيها أقسام الولادة والصحة الإنجابية، وقصفَ سيارات إسعاف تقل نساءً حوامل أو جريحات، وعرقلَ وصول الأدوية المرتبطة بالصحة الإنجابية والمساعدات عبر المعابر. وثّقت منظمات حقوقية حالات تشوهات خلقية، وولادات طارئة في ظروف غير إنسانية، وحرمان آلاف النساء من العمليات الجراحية. بهذا، يتحول جسد المرأة الفلسطينية إلى ساحة مواجهة: يُقصف، يُحاصر، ويُترك ينزف دون علاج أو مساعدة.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">وفي ظل هذا الانهيار الكامل للرعاية، يُضاف عبء اجتماعي آخر. إذ يُتوقع من النساء تحمّل الألم بصمت، دون أن تُؤخذ معاناتهن على محمل الجد. وتتحول الدورة الشهرية إلى حديث هامس، أو بكاء في الزوايا، في ظل غياب الاعتراف والدعم.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">كما تُجبر بعض النساء على الزواج مجددًا، لا بدافع الرغبة، بل لحماية أطفالهن أو لتخفيف العبء الاقتصادي عن أسرهن بسبب الأوضاع المعيشية القاسية. أحيانًا، يُصبح مهر الفتاة كيس طحين أو وعدًا بالطعام. هذا النوع من الزواج يُفرض على النساء دون أن يُمنحن الوقت لفهم قراراتهن أو معايشة حزنهن، بل يُختصر وجودهن في وظيفة النجاة، ويُستخدم جسدهن كوسيلة للبقاء.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">في ظل هذه الظروف، يبدو الجسد الأنثوي مسرحًا لصراعٍ مضاعف: صراع ضد بنية استعمارية تسحق كل ما هو حي، وصراع ضد ثقافة تُخفي معاناة النساء وتُقصيها. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">ويصبح الحيض فعل مقاومة صامت. تُجبر النساء على التعاطي مع أجسادهن كأدوات للبقاء، ويجدن في الاعتراف بألمهن تحديًا للإنكار. حين تطلب امرأة فوطًا صحية في خيمة، أو تتحدث عن وجعها، فهي تمارس فعلًا سياسيًا يعلن أن الجسد الأنثوي يستحق الحياة، لا الخزي.</span></p>
<h3><span style="font-weight: 400;"> </span><b>الجسد الأنثوي أرشيف للسردية المغیّبة</b></h3>
<p><span style="font-weight: 400;">في غزة، لم یعد الجسد الأنثوي مجرد كیان بيولوجي، بل صار خریطة يومية للحصار، تحمل أثار الجوع، والحرمان، والإذلال الممنھج. وتظهر تجلياته في الإرهاق المستمر، والاضطرابات الهرمونية، وتبدلات الجسد تحت وطأة الضغط ونقص التغذية. في كل ذلك، يتحول الجسد إلى سجل حيّ لتجربة، إلى وثيقة تتكلم بصمتٍ عن تفاصیل لا تُكتب في تقارير المنظمات ولا تُرصد في نشرات الأخبار. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">في الوقت نفسه، یُفرض على المرأة أن تكون رمزًا وواجھة. فھي التي &#8220;تحمل العائلة&#8221;، وتُطالَب بالصمود، بینما یُتوقّع من جسدھا أن يستمر في العطاء رغم التھتك، ويواصل أداء طقوس الحیاة رغم محاولات المحو المستمر. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">لكن ھل تُقاس النجاة بعدد الأيام، أم بعدد التأويلات الممكنة؟</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;"> في البقعة الأكثر ازدحامًا بالموت على ھذا الكوكب، صارت الحیاة محاولة دؤوبة لإعادة تأویل النجاة، فهي ليست مجرد بقاء جسدي، بل فعل دائم لإعادة تشكيل الحياة وسط الدمار والفقد. فالنساء لا ينجون فقط، بل يتحوّلن إلى واجهات للفقد، يُعاد تشكيل وجودهن في قلب المعاناة، دون أن يُمنحن صوتًا يوازي ما يواجهنه.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">ھذا الجسد، الذي غالبًا ما كان یُقرأ اجتماعیًا باعتباره &#8220;وعاء الشرف&#8221; أو &#8220;رمز العائلة&#8221;، بات الیوم آخر أرشیف متبقٍ لذاكرة المدينة. وحين تُستھدَف النساء عمدًا، فإن ما یُستھدَف ھو الذاكرة، والاستمرارية، والنَفَس الأخیر للحیاة.</span> <span style="font-weight: 400;">تفقد اللغة قدرتها على السرد، ويصبح الجسد هو الراوي الوحيد. يصرخ بصمت، يحمل الندبة كأرشيف، ويواصل مقاومته بلغة لا يفهمها إلا من عاش النجاة كألم دائم.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">وفي نهاية هذا النزيف الطويل، يبقى سؤال الجسد معلّقًا: هل من قيمةٍ له في زمن الفقد؟ كيف نُقرّ بأن الجسد الأنثوي، وسط الخراب، ليس مجرّد أداة للعبور، بل هو موقع للمعاناة والمقاومة معًا؟ </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">في وجه التواطؤ العالمي، في وجه التجاهل، يظل الجسد الأنثوي شاهدًا لا يمكن شطبه، وذاكرة لا يمكن محوها. هو ليس ضحية فحسب، بل وثيقةُ وجود، وشهادةُ مقاومة، وذاكرةُ شعبٍ يقاتل كي يُرى، وكي يُصغي العالم أخيرًا إلى وجع النساء، لا كصدى عابر، بل كحقيقة مركزية في كل حرب.</span></p>
<p>The post <a rel="nofollow" href="https://untoldmag.org/ar/%d8%a3%d8%ac%d8%b3%d8%a7%d8%af-%d8%a7%d9%84%d9%86%d8%b3%d8%a7%d8%a1-%d9%85%d8%b1%d8%a2%d8%a9-%d9%84%d9%84%d8%ad%d8%b1%d8%a8-%d8%a7%d9%84%d8%ac%d8%b3%d8%af-%d9%83%d8%a3%d8%b1%d8%b4%d9%8a%d9%81-%d9%84/">أجساد النساء مرآة للحرب: الجسد كأرشيف للمحو والمقاومة</a> appeared first on <a rel="nofollow" href="https://untoldmag.org/ar/">Untold</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>أبدٌ يتفكك: صدى ما لم يُكتب، وشِعرية الأرشيف</title>
		<link>https://untoldmag.org/ar/eternity-unwoven-echoes-of-the-unwritten-and-poetics-of-the-archive/</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[فيرونيكا فيريري]]></dc:creator>
		<pubDate>Thu, 22 May 2025 12:05:44 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[أبدٌ يتفكك]]></category>
		<category><![CDATA[تعليق]]></category>
		<category><![CDATA[سياسة]]></category>
		<category><![CDATA[مجتمع]]></category>
		<category><![CDATA[Activism]]></category>
		<category><![CDATA[Berlin]]></category>
		<category><![CDATA[Displacement]]></category>
		<category><![CDATA[Exile]]></category>
		<category><![CDATA[Resistance]]></category>
		<category><![CDATA[اكاديميا]]></category>
		<category><![CDATA[اوروبا]]></category>
		<category><![CDATA[ثورة]]></category>
		<category><![CDATA[حرب]]></category>
		<category><![CDATA[سوريا]]></category>
		<category><![CDATA[لجوء]]></category>
		<category><![CDATA[هجرة]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://untoldmag.org/eternity-unwoven-echoes-of-the-unwritten-and-poetics-of-the-archive/</guid>

					<description><![CDATA[<p>الكتابة والأرشفة هما فعلان عاطفيان وسياسيان، ورفضٌ لأن تُسلّم الذاكرة إلى الصمت، ومحاولةٌ لتحويل التاريخ إلى نسيجٍ حيّ، حيث تتحول النهايات إلى بدايات.</p>
<p>The post <a rel="nofollow" href="https://untoldmag.org/ar/eternity-unwoven-echoes-of-the-unwritten-and-poetics-of-the-archive/">أبدٌ يتفكك: صدى ما لم يُكتب، وشِعرية الأرشيف</a> appeared first on <a rel="nofollow" href="https://untoldmag.org/ar/">Untold</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p><span style="font-weight: 400;">في ذلك اليوم، انفتحتْ أمامنا أبوابٌ كثيرة، وتبعتها أخرى لا تُعد. بعضها كان مغمورًا بالفرح، وبعضها حمل ثِقل الفقد والألم. أُزيحت أبواب الزنازين وأرشيفاتها، كما فُتحتْ أبواب القصر الرئاسي وألبومات صور بشار الأسد الخاصة. الحدود السورية والمنازل فتحتْ أيضًا أبوابها، مرحّبةً بعودة أولئك الذين أُجبروا على الرحيل، ممن لم يتخيلوا يومًا أنّ العودة ممكنة. ذلك الأبد، الذي نسجه نظام البعث بإحكام، بدا كنسيجٍ يلتفّ حول الأفق بأسره، ويخنق كل احتماليةٍ لفتح هذه الأبواب. لم يكن بعيدًا ذلك الزمن الذي بدا فيه هذا المستقبل، الذي نعيشه اليوم، مستحيلًا، غير متوقع، بل وغير متخيّلٍ تمامًا. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">واليوم، فتحنا أرشيفاتنا نحن أيضًا.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">بصدق، عزيزتي القارئة، عزيزي القارئ، تعود جذور هذا الفتح إلى زمنٍ بدا فيه النسيج مستهلكًا حتى آخر خيط، كأنّه لا يُمزّق، إذ كان الواقعَ الوحيد الذي عرفناه وعايشناه. في ظل هذا القبول، وربما الاستسلام، كنا نؤمن أنّ ثمة معنىً في أن نقول شيئًا عن ماضٍ، عن زمن ثوري، بدا وكأنه قد أُغلِق إلى الأبد كمشروع سياسي.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">يمكن قراءة هذه المجموعة من النصوص ضمن سياق أعمال التوثيق والأرشفة، التي رافقت الثورة منذ بدايتها، كأدواتٍ حيّةٍ سجّلت واقع الحرب، وتحولتْ لاحقًا إلى أحد أشكال مقاومة القمع، وأساسٍ للمطالبة بالعدالة والمساءلة في سوريا وفي المنافي. إذ أن حفظ  المواد المسروقة، والمهرّبة، والمنقذة، سواءٌ أكانت فيديوهاتٍ، أو مذكرات، أو صورًا، أو شهادات، أو قصصًا، لم يكن سوى سبيل  لإبقاء الروح الثورية نابضة، وللبرهنة على أن هذا &#8220;الحدث&#8221; لم يكن مجرد لحظةٍ عابرة، بل حقيقةٌ قائمة.</span></p>
<h3><b>نسيجٌ حيّ</b></h3>
<p><span style="font-weight: 400;">تخيّلنا أن تكون مقدمة هذه المجموعة امتدادًا لمسار الأرشفة، وانفصالًا عنه في آنٍ معاً. سعينا إلى التقاط: كيف تتسلل الأرشفة إلى كل خيطٍ من أفكارنا، ومن أحاديثنا، ومن محاولاتنا للكتابة عن الثورة، ما قبلها وما بعدها، تمامًا كما تتسلل أفكارنا إلى الحقائق نفسها. فتَشكُّل هذه الأرشيفات لا يفصل بين الفرديّ والجماعيّ، بين المُعاش والمتخيَّل، بين الماضي والحاضر.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">هي شذراتٌ تتكشّف كنسيجٍ حيّ: ساعة، أغنية، أمواج بحرٍ لا تهدأ، تلفازٌ مكسور، حافلاتٌ خضراء، وموقعٌ بيروقراطيّ. كلّ جزءٍ من هذا الأرشيف يحمل صداه الخاص، يتحدى قبضة النظام، ويرفض السرديات الموحّدة، حتى تصبح كلُّ كلمةٍ فعل مقاومة، ورفضًا لترك لحظات الأمل واليأس العابرة تتلاشى من دون أن  تُدوَّن أو تُروى.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">قبل 8 ديسمبر 2024، لم يكن في حوزتنا سوى هذه الشذرات، نحاول بها فهم تاريخٍٍ صاغه الفقد والمنفى، ونتلمّس من خلالها الزمن بما وثّقناه وكتبناه. لكنْ، حين يتحول ما كان مستحيلًا إلى واقع، يعود الزمن إلى الحاضر، حاملاً معه أصداء الأمل والشفاء، التي بدورها تسلّلتْ إلى كلماتنا. ها هي ساعة التاريخ تدقّ من جديد، ويتدفق الزمن مرةً أخرى، ليذكّرنا بأن التاريخ، وهذه الأرشيفات، ليست مجرد مستودعٍٍ جامد لـ &#8220;ما كان&#8221;، بل كائنٌ حيّ، نابض، يتحرّك ويتنفس، يحمل ثقل الماضي ووعد الممكن. ضوءٌ جديدٌ  يسطع على مساحات الحزن، والسوداوية، والخوف، والإذلال، التي ظننّا أننا فهمناها، لكننا لم ندركها تمامًا. ما حسبناه أبديّاً كان لا بد من إعادة تخيّله، إذ تمزّقتْ خيوط النسيج الذي أحكمناه حوله.</span></p>
<h3><b>الكتابة، الأرشفة</b></h3>
<p><span style="font-weight: 400;">وإن كان هذا واضحًا قبل 8 ديسمبر 2024، فقد ازداد جلاءً بعده. حين كتبنا هذه الشذرات الأرشيفية، اكتشفنا كيف تحوّلت إلى جسورٍ لإعادة تخيّل التاريخ وتشكيله باستمرار. هذه الأرشيفات المتشظية تنسج خيوطًا من زمنٍ مبعثر، وتعيد إلى الذاكرة أنفاسًا جديدة. ينهار الزمن ويُعاد ترتيبه، فهو لم يعد مجرد خطٍّ مستقيم، بل دائرةٌ تتناغم فيها النهايات مع البدايات، ويتحول الفقد إلى إمكانياتٍ متجددة. الكتابة، إذًا، باتت بالنسبة إلينا مفتاح التحول، وآلة زمنٍ تنساب بين الذاكرة والحاضر، وتشارك في بناء هذه الأرشيفات وإعادة  تشكيلها على الدوام.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">ليست الكتابة والأرشفة تمارين فكريةً فحسب، بل هي أفعالٌ عاطفية وسياسية، ترفض أن </span><span style="font-weight: 400;">تُسلّم الذاكرة إلى الصمت</span><span style="font-weight: 400;">. حتى الأشياء تتخلى عن سكونها وتغدو كائنات، كياناتٍ مستقلة، تتنفس. تستحضر قلعة حلب الطفولة، في متاهةٍ من الذكريات التي أعادت الثورة نسيجها. يتشكل جسرٌ بين مواقع الذاكرة هذه، مجسدًا الحماية والفقدان في آنٍ معاً. الفقد ملموسٌ في دمار حلب، لكنه حاضرٌ أيضًا في صمت البحر، ذاك الذي يحمل في جوفه قصصًا تُروَى، وأحلام نجاة، وأطياف موت. ويحمل ساعةً، كانت صامتةً من قبل، تبدأ في النقر بتحدٍّ، مسترِدّةً الزمن المفقود من هوّة النسيان. على ساحات الرقص في برلين، تتداخل أصداء صوت عبد الباسط الساروت مع إيقاعٍ جديد، يربط سوريا 2011 بليالي 2019 النيونية، حيث تتلاشى الثورات الماضية في نبضاتٍ موسيقيةٍ متقطعة، وشذراتٍ متناثرةٍ من الأمل.   </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">في سعينا لكتابة أرشيفنا الخاص، وأرشفة شذراتنا، سعينا أيضًا وراء المعنى في فضاءات ذاكرةٍ فوضويةٍ متكسرة. في عالمٍ تتشكل فيه الخسارات والشروخ في مجرى التاريخ، نلتمس شذراتٍ تتّصل ببعضها، لتمنحنا رؤىً حول: كيف ولماذا تشكّلت الأمور في زحام ما حدث. يصبح هذا البحث عن المعاني مواجهةً حيّةً مع الماضي، متبدّلة، وزائلة أحيانًا. فلم نبحث عن تفسيرات مباشرة، بل عن معانٍ تتساقط من غموض التجربة. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">في الصفحات التالية، عزيزتي القارئة، عزيزي القارئ، نشاركك هذه المعاني التي تحملها أصداء الأصوات الضائعة، وأجزاء الثورة، ومرارة الفرص المهدورة، وطعم التجدّد المفاجئ. لكنْ؛ تبقى المعاني، كما الأرشيفات، مراوغةً دائمًا، كلمعةٍ خاطفة، أو فكرةٍ نظنّ أننا التقطناها، لكنها تفلت منا مجددًا. في هذا المسعى، تتحوّل الأرشيفات إلى فضاءاتٍ للتغيّر المستمر. عمليةٌ لا تنتهي، تدفعنا إلى أسئلةٍ قد لا نجد لها أجوبةً كاملة، لكنها تدفعنا قدمًا، كما فعلت بالأمس، وكما تفعل اليوم..</span></p>
<p>&nbsp;</p>
<hr />
<h6 style="text-align: right;" data-start="0" data-end="111"><strong>كُتب هذا النص قبل فبراير 2025.</strong><br data-start="30" data-end="33" /><strong>النص جزء من ملف “<a href="https://untoldmag.org/ar/category/archive-writing-ar/">أبدٌ يتفكك</a>“، من إعداد وتنسيق فيرونيكا فيريري وإنانا عثمان.</strong></h6>
<p style="text-align: right;"><strong><img loading="lazy" decoding="async" class="wp-image-79463 size-full alignleft" src="http://untoldmag.org/wp-content/uploads/2025/05/Screenshot-2025-05-23-at-12.50.11 p.m.png" alt="" width="132" height="82" /></strong></p>
<h6 style="text-align: right;" data-start="113" data-end="169"><strong>الملف ثمرة تعاون بين “Archivwar” و”Untoldmag” و”<a href="https://www.arabpop.it/" target="_blank" rel="noopener">Arabpop</a>“</strong></h6>
<h6 style="text-align: right;" data-start="171" data-end="196"><strong>التنسيق البصري: غريغ أولا</strong></h6>
<h6 style="font-weight: 400; text-align: right;"></h6>
<p>&nbsp;</p>
<h6 style="text-align: right;"><span style="font-weight: 400;"><img loading="lazy" decoding="async" class="wp-image-79465 alignleft" src="http://untoldmag.org/wp-content/uploads/2025/05/Screenshot-2025-05-23-at-12.50.27 p.m-300x97.png" alt="" width="254" height="82" srcset="https://untoldmag.org/wp-content/uploads/2025/05/Screenshot-2025-05-23-at-12.50.27 p.m-300x97.png 300w, https://untoldmag.org/wp-content/uploads/2025/05/Screenshot-2025-05-23-at-12.50.27 p.m.png 438w" sizes="(max-width: 254px) 100vw, 254px" /></span></h6>
<h6 style="text-align: right;" data-start="282" data-end="555">حصل هذا المشروع على تمويل من برنامج الاتحاد الأوروبي “هورايزون أوروبا” للبحوث والابتكار، في إطار اتفاقية منحة “ماري سكلودوفسكا-كوري” رقم 101064513 تحت عنوان:<br data-start="439" data-end="442" /><strong data-start="442" data-end="526">“ARCHIVWAR – الأرشيف في زمن الحرب: عائلات متفرقة وماضٍ يتلاشى في سوريا المعاصرة”</strong>، بتمويل من الاتحاد الأوروبي.</h6>
<h6 style="text-align: right;"></h6>
<h6 style="text-align: right;"><span style="font-weight: 400;"><img loading="lazy" decoding="async" class="wp-image-79467 alignleft" src="http://untoldmag.org/wp-content/uploads/2025/05/Screenshot-2025-05-23-at-12.50.19 p.m-300x105.png" alt="" width="240" height="84" srcset="https://untoldmag.org/wp-content/uploads/2025/05/Screenshot-2025-05-23-at-12.50.19 p.m-300x105.png 300w, https://untoldmag.org/wp-content/uploads/2025/05/Screenshot-2025-05-23-at-12.50.19 p.m.png 388w" sizes="(max-width: 240px) 100vw, 240px" /></span></h6>
<h6 style="text-align: right;" data-start="557" data-end="754">الآراء والمواقف المعبر عنها في هذا المشروع تعود حصريًا للمؤلفين ولا تعكس بالضرورة آراء الاتحاد الأوروبي أو الوكالة الأوروبية التنفيذية. ولا يتحمل الاتحاد الأوروبي ولا الجهة المانحة أي مسؤولية عنها.</h6>
<h6 style="text-align: right;"></h6>
<p>The post <a rel="nofollow" href="https://untoldmag.org/ar/eternity-unwoven-echoes-of-the-unwritten-and-poetics-of-the-archive/">أبدٌ يتفكك: صدى ما لم يُكتب، وشِعرية الأرشيف</a> appeared first on <a rel="nofollow" href="https://untoldmag.org/ar/">Untold</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>موعدنا بكرا</title>
		<link>https://untoldmag.org/ar/our-time-is-tomorrow/</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[إنانا عثمان]]></dc:creator>
		<pubDate>Thu, 22 May 2025 12:04:07 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[أبدٌ يتفكك]]></category>
		<category><![CDATA[تعليق]]></category>
		<category><![CDATA[حكاية]]></category>
		<category><![CDATA[سياسة]]></category>
		<category><![CDATA[مجتمع]]></category>
		<category><![CDATA[Activism]]></category>
		<category><![CDATA[Literature]]></category>
		<category><![CDATA[Resistance]]></category>
		<category><![CDATA[اكاديميا]]></category>
		<category><![CDATA[اوروبا]]></category>
		<category><![CDATA[ثورة]]></category>
		<category><![CDATA[سوريا]]></category>
		<category><![CDATA[مهجر]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://untoldmag.org/our-time-is-tomorrow/</guid>

					<description><![CDATA[<p>أرشيف الثورة هو مخلوق الأمل وصانعه، يفيض بحرقةٍ وصحوة. قد استطاع السوريون عبر أرشيف ثورتهم وتوثيق ما عاشوه منذ 15 آذار 2011، تجاوز تلك الفجوة الزمنية التي حاول القمع أن يفرضها.</p>
<p>The post <a rel="nofollow" href="https://untoldmag.org/ar/our-time-is-tomorrow/">موعدنا بكرا</a> appeared first on <a rel="nofollow" href="https://untoldmag.org/ar/">Untold</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p><span style="font-weight: 400;">موعدنا بكرة، وشو تأخر بكرة</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">قولك مش جاي حبيبي؟</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">عم شوفك بالساعة بتكات الساعة،</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">من المدى جاي حبيبي</span></p>
<p>&nbsp;</p>
<p><span style="font-weight: 400;">باغتتني كلمات فيروز، تحمل صوتها كشعاعٍ يخترق ظلال ذاكرةٍ ثقيلة الحمولة، متزامنة مع فيديو لساحة ساعة حمص في &#8220;ريل&#8221; على إنستغرام. تلك الثواني التي لم تتجاوز الإحدى والعشرين، كانت كافيةً لإعادة تشكيل أرشيفٍ كاملٍ من ثلاثة عشر عامًا مضت. سنواتٌ بدأت بثورةٍ هزت أسوار الصمت، واستعادت لنا القدرة على الأمل، قبل أن يغشاها ضباب الأبد، وتنفجر خيباتها في كل أفق.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">فجأة استعادت دقات الساعة حضورها لتتجاوزه وتتجاوز الصوت. أخذت تحملنا إلى أعماقنا، إلى دواخلنا حيث خبّأنا خيباتنا وآمالنا وشعورنا العميق بالأسى وعدميّة كل شيْ، مهما زهت صورته، أمام تهشم إيماننا بالعدالة وشبح الخراب المرابط فوق أرواحنا وأصوات مغيبينا في مسالخ نظام الأسد، التي بانت لنا محصنةً ومستدامة، رغم كل ما وثّقنا وشاركنا وكتبنا وصرخنا وأشهدنا العالم. فجأة رجعت دقات الساعة تجمع شتات أرواحنا المتناثرة، وتعيدها إلى لحظة طوفانٍ للمشاعر. لم تكن مجرد لمحةٍ من الماضي، بل كانت اختراقًا لأركان الروح، تجوب بها بين كل محطات الألم والحسرة لتعود بها إلى مكانٍ واحد، وهو &#8220;الآن&#8221;، إلى الشك من جديد بأن الغد ربما لم يُسرق منا تمامًا، وأن الأحلام التي تكسّرت، مهما تناثرت، ربما قادرةٌ على أن تتجمع، وتولد من جديد؟!</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">في تلك الثواني، كان قلبي يرتجف، وروحي بالكاد تلتقط أنفاسها، كما لو أن الحلم، الذي كدنا ننساه، يمكنه أن يعود ويصبح بوصلتنا من جديد، في لحظةٍ سحريةٍ من الضوء بعد طول عتمة.</span></p>
<h3><b>السابع من ديسمبر 2024</b></h3>
<p><span style="font-weight: 400;">كيف أصف مذاق أملٍ عاد فجأة بعد سنوات تغييبه القسري، وبعد لجوئنا إلى التطبيع مع فقدانه لمجرد النجاة بما تبقى منا؟</span><span style="font-weight: 400;"><br />
</span><span style="font-weight: 400;">ثوانٍ قليلة في ذلك &#8220;الريل&#8221; كانت كفيلةً بإحياء شعورٍ ظننته قد ضاع إلى الأبد. لم يكن مجرد أمل، بل عودةٌ &#8220;للغد&#8221; كمساحة للحلم  والخيال والترقب. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">ففي هذا اليوم تحديداً، فتح سجن عدرا أبوابه. ذاك السجن الذي حاك فيه أبي لي حقيبة خرزٍ خلال سنوات اعتقاله، خرزة بخرزة، كأنه ينسج لي حياةً في زمن عالق.</span></p>
<figure id="attachment_79408" aria-describedby="caption-attachment-79408" style="width: 1512px" class="wp-caption aligncenter"><img loading="lazy" decoding="async" class="wp-image-79408 size-full" src="http://untoldmag.org/wp-content/uploads/2025/05/Foto-1_شنتة-خرز_credit_-Inana-Othman.jpeg" alt="" width="1512" height="2016" srcset="https://untoldmag.org/wp-content/uploads/2025/05/Foto-1_شنتة-خرز_credit_-Inana-Othman.jpeg 1512w, https://untoldmag.org/wp-content/uploads/2025/05/Foto-1_شنتة-خرز_credit_-Inana-Othman-225x300.jpeg 225w, https://untoldmag.org/wp-content/uploads/2025/05/Foto-1_شنتة-خرز_credit_-Inana-Othman-768x1024.jpeg 768w, https://untoldmag.org/wp-content/uploads/2025/05/Foto-1_شنتة-خرز_credit_-Inana-Othman-1152x1536.jpeg 1152w, https://untoldmag.org/wp-content/uploads/2025/05/Foto-1_شنتة-خرز_credit_-Inana-Othman-750x1000.jpeg 750w, https://untoldmag.org/wp-content/uploads/2025/05/Foto-1_شنتة-خرز_credit_-Inana-Othman-1140x1520.jpeg 1140w" sizes="(max-width: 1512px) 100vw, 1512px" /><figcaption id="caption-attachment-79408" class="wp-caption-text">تصوير انانا عثمان</figcaption></figure>
<p>&nbsp;</p>
<p><span style="font-weight: 400;">في فضاءات الطارئ، حيث يرسم السجن حدوده كنحّاتٍ لا يبصر  </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">تتشكل الحياة من الصوت، طقسًا أبديًا يتحدى عُقم الزمن  </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">فما هو الزمن الذي لا يعرف حدوده؟  </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">ذاكرتنا، يا أمي، هي سجنٌ خفيّ </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">ثقبٌ يلتهم الماضي، يحفر فجواتٍ من النسيان</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">وفي يقظتها تُولد حياةٌ وغضبٌ مستتر  </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">يتجسدان في القصائد، في الأصوات التي تحملنا  </span></p>
<p>&nbsp;</p>
<p><span style="font-weight: 400;">ماما، لقد علّمتني أن أنسج القوافي بجسدي </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">أن أرقص حين تهجرني الكلمات</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">لأن الصوت ينبعث من الجسد  </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">آلةً كاتبة تُترجم الألم إلى حركة </span></p>
<p>&nbsp;</p>
<p><span style="font-weight: 400;">ولكن، لماذا تصمت أجسادنا</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">ونحن الآن أكثر عطشًا للمعنى؟  </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">لا يا أمي، ليس ذلك الصمت كالملح الذي يحفظ الأشياء، كما كنت تقولين </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">بل هو صمتٌ كحجرةٍ تعجّ فيها الظلال الثقيلة</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">قصصٌ عالقةٌ بين الأقبية </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">حجرة بلا نور، حيث يضيعُ الزمن خيوطه  </span></p>
<p>&nbsp;</p>
<p><span style="font-weight: 400;">الخوف يا أمي ظلُّ قصيدةٍ ملتفة</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">تدور بلا انتهاء، تبحث عن الأفق المفقود  </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">لكن، معه بقي ذاك الصوت </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">نصبًا من الضوء</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">وإرادةً تُعيدنا إلى البدء </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">من جديد</span></p>
<h3><b>البارحة</b></h3>
<p><span style="font-weight: 400;">أعلنتْ فصائل المعارضة سيطرتها على حلب وتقدُّمها إلى مدنٍ سوريّةٍ أخرى: حماة وحمص. لم أكن أدرك أن غدا سيكون يوم يُنبَش فيه أرشيف عقودٍ من الاستبداد والخوف والحلم والشتات وإرث نظام الأسد من الأهوال، ومن خرابٍ لم نقوَ بعد على إحصائه وإدراك حجمه. سيكون يومًا لن ينساه أيّ سوري وسورية على هذه الأرض.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">لم ننم ليلتنا. في تلك اللحظة، أصبح أرشيف كل السنوات حيًّا مثلنا. نذكِّر أنفسنا بذواتنا قبل أن تغلبنا الخيبة وضرورات النجاة من واقعنا المعاش بعيدًا عن دواخلنا المحرومة والمكلومة والمسكونة بالأسى.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">لطالما أحببت الأرشيف. كان يُخيَّل إليّ أنه آلة سفر خارقة، تعبر الزمن والمكان، وتجمع العوالم اللانهائية، حيث تتقاطع المشاعر والأبعاد الإدراكية. أكثر ما شدَّني إليه كان واقع الفقد؛ فقدَ ما كان مألوفًا محبوبًا مرغوبًا وأصبح منفًى، مرجوّاً، مفقودًا، أو ممنوعًا، كالوطن وأبي في السجن وذاكرة الثورة والحلم.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">مع استيلاء الأسد وحزب البعث على السلطة في بداية السبعينيات، وتأسيس ما سُمي &#8220;الأبد الأسدي&#8221;، بدأت مرحلةٌ جديدة من الاحتكار السياسي والفضائي العام. تأسست ثقافةٌ من الرضوخ والقمع، حيث بدأ النظام في تشكيل أرشيفٍ طويلٍ من الخوف في أجسادنا ويومياتنا ولغتنا، أُعيد تدويره عبر الأجيال. تجسد هذا الأرشيف في شتى المعالم: ذكرى مجزرة حماة في الثمانينات، وأرشيف السجون والمعتقلات، ولغة الطاعة والبعث المفروضة في المدارس لتكوين الفرد السوري وفق نموذج النظام. وفي بداية الألفية، ظهر طيف أمل متمثلٌ في ربيع دمشق، الذي تحول سريعًا إلى فخٍّ خائب، ليشهد على تلاشي الآمال.</span></p>
<h3><b>ساعة الحلم وصناعة المستحيل</b></h3>
<p>&nbsp;</p>
<p><span style="font-weight: 400;">في 15 آذار 2011، انطلقت الثورة السورية كوميضٍ خاطفٍ اخترق حجاب الصمت والخوف، ليصنع المستحيل. وعلى رغم الخيبة الثقيلة التي أُلقيت على كاهل الحلم الثوري، وُلِد &#8220;أرشيف جديد&#8221;، أرشيفٌ رقميٌّ ومنطوق، يتنفس بملامح مختلفة عما سبقه، يحمل وجوه الثورة وأصواتها، ويؤرخ لذاكرة لا تُمحى.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">كانت ساحة الساعة في حمص شاهدةً على لحظاتٍ مهمة من هذه الذاكرة، في مدينةٍ جمعت ألقابًا كأنها مرآةٌ لشعبها: أم الفقير، أم الحجارة السوداء، عاصمة النكتة وخفة الدم، لتضيف إليها لقب &#8220;عاصمة الثورة&#8221;. هذه الساحة احتضنت كل شيء، مظاهرةٌ سلمية تحولت إلى مجزرة، ثم إلى تشييعٍٍ واعتقال، ثم اعتصامٍ ثم مجزرة، ليعاد نسج المأساة في مشهدٍ جديد، ودورة من الدم والحصار.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">ساحة الساعة لم تكن مجرد نقطةٍ جغرافية، بل أصبحت رمزًا حيًا للثورة، فكرةً امتدت بجذورها لتلامس كل حيٍّ من أحياء حمص الثائرة، وكل مدينةٍ وبلدة رفعت لواء الحرية. قال أ. وهو صديقٌ وناشطٌ من القصير، معبّرًا عن هذا التحول: &#8220;بعد مجزرة الساعة، حاول النظام أن يمحو أثر الساحة من وجداننا، منعنا من الاعتصام والتظاهر فيها، فقلنا: إذا لم نتمكن من الوصول إلى الساعة، فلتأتِ الساعة إلينا. وهكذا، ظهرت نماذج رمزيةٌ للساعة في كل حي ثائر&#8221;، كأنها شظايا من قلب حمص تنبض في كل مكان.</span></p>

<a href="https://untoldmag.org/ar/our-time-is-tomorrow/foto-3_-clock-on-wall__credit_-lens-young-homsi%d8%b9%d8%af%d8%b3%d8%a9-%d8%b4%d8%a7%d8%a8-%d8%ad%d9%85%d8%b5%d9%8a-2/"><img loading="lazy" decoding="async" width="300" height="225" src="https://untoldmag.org/wp-content/uploads/2025/05/Foto-3_-Clock-on-wall__credit_-lens-young-homsiعدسة-شاب-حمصي-300x225.jpg" class="attachment-medium size-medium" alt="" srcset="https://untoldmag.org/wp-content/uploads/2025/05/Foto-3_-Clock-on-wall__credit_-lens-young-homsiعدسة-شاب-حمصي-300x225.jpg 300w, https://untoldmag.org/wp-content/uploads/2025/05/Foto-3_-Clock-on-wall__credit_-lens-young-homsiعدسة-شاب-حمصي-768x576.jpg 768w, https://untoldmag.org/wp-content/uploads/2025/05/Foto-3_-Clock-on-wall__credit_-lens-young-homsiعدسة-شاب-حمصي-750x563.jpg 750w, https://untoldmag.org/wp-content/uploads/2025/05/Foto-3_-Clock-on-wall__credit_-lens-young-homsiعدسة-شاب-حمصي.jpg 960w" sizes="(max-width: 300px) 100vw, 300px" /></a>
<a href="https://untoldmag.org/ar/our-time-is-tomorrow/foto-4_clock-on-wall-_credit_-lens-young-homsi-2/"><img loading="lazy" decoding="async" width="300" height="225" src="https://untoldmag.org/wp-content/uploads/2025/05/Foto-4_clock-on-wall-_credit_-lens-young-homsi-300x225.jpg" class="attachment-medium size-medium" alt="" srcset="https://untoldmag.org/wp-content/uploads/2025/05/Foto-4_clock-on-wall-_credit_-lens-young-homsi-300x225.jpg 300w, https://untoldmag.org/wp-content/uploads/2025/05/Foto-4_clock-on-wall-_credit_-lens-young-homsi-768x576.jpg 768w, https://untoldmag.org/wp-content/uploads/2025/05/Foto-4_clock-on-wall-_credit_-lens-young-homsi-750x563.jpg 750w, https://untoldmag.org/wp-content/uploads/2025/05/Foto-4_clock-on-wall-_credit_-lens-young-homsi.jpg 960w" sizes="(max-width: 300px) 100vw, 300px" /></a>

<audio class="wp-audio-shortcode" id="audio-79419-1" preload="none" style="width: 100%;" controls="controls"><source type="audio/mpeg" src="http://untoldmag.org/wp-content/uploads/2025/04/Hiam-for-syria_جوا-سجون-الشام.mp3?_=1" /><a href="http://untoldmag.org/wp-content/uploads/2025/04/Hiam-for-syria_جوا-سجون-الشام.mp3">http://untoldmag.org/wp-content/uploads/2025/04/Hiam-for-syria_جوا-سجون-الشام.mp3</a></audio>
<p><span style="font-weight: 400;">حملتنا أغاني الثورة وأغانيكِ يا أمي </span><span style="font-weight: 400;"><br />
</span><span style="font-weight: 400;">كما كانت أمواج البحر الأبيض المتوسط تحملنا كل صيف</span><span style="font-weight: 400;"><br />
</span><span style="font-weight: 400;">قبل أن نصل إلى ألمانيا</span><span style="font-weight: 400;"><br />
</span><span style="font-weight: 400;">إيقاعاتٌ حملت حلمنا وعبء صمتٍ دام أربعين عامًا،</span><span style="font-weight: 400;"><br />
</span><span style="font-weight: 400;">احتضنتْنا داخل وطننا وفي الشتات</span><span style="font-weight: 400;"><br />
</span><span style="font-weight: 400;">كان الأمل طائر فينيق، مفتاحًا</span><span style="font-weight: 400;"><br />
</span><span style="font-weight: 400;">ينحت أمواجاً للمعنى في الكلمات</span><span style="font-weight: 400;"><br />
</span><span style="font-weight: 400;">في 15 آذار قبل 13 عامًا، كانت الساعة صفر</span><span style="font-weight: 400;"><br />
</span><span style="font-weight: 400;">لبداية مستقبلٍ لا نهاية له</span><span style="font-weight: 400;"><br />
</span><span style="font-weight: 400;">أصوات الحرية نسجت مصانع وجودنا</span><span style="font-weight: 400;"><br />
</span><span style="font-weight: 400;">وأعلنت الصوت</span><span style="font-weight: 400;"><br />
</span><span style="font-weight: 400;">في مملكة الصمت</span></p>
<h3><b>زمانية الحصار</b></h3>
<p><span style="font-weight: 400;">وسط ظلام الحصار الذي خيم على أحياء حمص المعارضة بين 2011 و2014، لم تكن المعاناة وحدها الحكاية. كان الحصار أكثر من مجرد جدرانٍ تضيّق الخناق على الأرواح، بل تحولٌ إلى ساحة للصمود، وفضاءٌ يتجلى فيه إبداع الإنسان في البقاء، المقاومة، والبحث عن الحياة رغم الموت المرابط من كل صوب.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">في الأحياء المحاصرة مثل بابا عمرو، الخالدية، والقصور، كانت الحياة تنبض بصور التضامن والابتكار. روى النجاة قصصًا أصرت على أن تتجاوز واقع طغيان المعاناة، لتبرز جوانب المقاومة اليومية: أمٌّ تعلم أطفال الحي، شبابٌ ينسجون شبكات دعمٍ اجتماعية، وضحكاتٌ تتحدى صدى القذائف.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">الحصار لم يكن فقط قيدًا، بل كان اختبارًا لإرادة البقاء. كما وصفه أحد مختبريه من أبناء حمص: &#8220;لا أريد أن أروي فقط عن معاناتنا، بل عن الحياة التي عشناها. عن ضحكاتنا، تضامننا، ومحاولاتنا لأن نبقى أحياء.&#8221; كانت الحياة تحت الحصار فعل مقاومة بحد ذاته، ترفض الاستسلام وتكتب ذاكرةً جديدة للثورة، ذاكرة لا تحكي عن القمع فقط، بل عن الإنسان الذي ظل يقاوم ليحيا.</span></p>
<h3><b>الباصات الخضراء&#8230;النهاية</b></h3>
<p><span style="font-weight: 400;">من أكثر المشاهد إيلامًا التي نقشَت جروحها في الذاكرة، كانت لحظة إجلاء أهالي حمص من المناطق المحاصرة بالباصات الخضراء، مشهدٌ ينبض بالأنين والوجع ويفيض بالخذلان والقهر.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">في ذلك الاتفاق الذي أُبرم في 2014 تحت إشراف الأمم المتحدة، كان لهذه الحافلات أن تحمل آخر مقاتلي المعارضة من حي حمص القديم، لتفتح الطريق أمام سيطرة القوات الحكومية. لكن الباصات الخضراء لم تكن سوى رمزٍ آخر للزمن الذي اختنقت فيه الأحلام، إذ أن النظام السوري قد استخدمها منذ 2011 لتهجير أهالي حمص، بعد حصارٍ طال، وقصفٍ أفقدهم في النهاية سبل الأمل والبقاء.</span></p>
<h3><b>الغد الذي جاء بعد الأبد</b></h3>
<p><span style="font-weight: 400;">في يوم 8 ديسمبر 2024، سقط النظام الأسدي بعد 53 عامًا من القمع المتواصل، ليصبح &#8220;المستحيل&#8221; الذي طالما حلم به السوريون حقيقة. كان ذلك اليوم لحظةً فارقةً في كتابة التاريخ السوري من جديد، فها هو الشعب السوري يرسم صورةً جديدة للأمل، أملٌ عاد رغم الخيبات وعمق الهشاشة، وعاد ينبض في أعماق قلوبهم مهما تفرقت بهم السبل في منافي الزمن والجغرافيا والخيبات. اليوم، عادت الساعة تدقّ لتكون رمزًا للحرية، ولإعادة بناء العدالة والوطن. الثورة لم تكن فقط ضد نظامٍ ديكتاتوري، بل كانت أيضًا رحلة لإعادة خلق الزمن الذي سُرق من السوريين/ات لعقودٍ طوال. </span><span style="font-weight: 400;">عودة الزمن كانت بمثابة زلزالٍ هز كياننا وذاكرتنا على حدٍّ سواء. لم تكن مجرد حدث، بل كانت جسراً يربط الماضي بالمستقبل كالحلم المفقود الذي أصبح حاضرًا من جديد. </span></p>
<h3><b>الأرشيف السوري كحارسٍ للألم والهشاشة ونافذهٍ للمستقبل</b><span style="font-weight: 400;">  </span></h3>
<p><span style="font-weight: 400;">أرشيف الثورة هو مخلوق الأمل وصانعه، يفيض بحرقةٍ وصحوة. إذ استطاع السوريون عبر أرشيف ثورتهم، بتوثيق ما عاشوه منذ 15 آذار 2011، تجاوز تلك الفجوة الزمنية التي حاول القمع أن يفرضها. الأرشيف، الذي حمل قصص التظاهر والعمل السياسيّ والمعتقلين وضحايا المجازر والأمهات اللواتي فقدن أبناءهن، لم يكن فقط تذكيرًا بالماضي بل كان رهاناً على جولة أخرى في المستقبل.</span></p>
<h3><b>موت الأبد وعودة الزمن </b></h3>
<p><span style="font-weight: 400;">أتذكّر، لكن ذاكرتي ليست جسرًا للماضي  </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">بل نافذةٌ تطلُّ على القادم البعيد  </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">يقف المؤرخ عند صفحةٍ فاصلة  </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">لا لينظر خلفه فقط  </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">بل لينسج بخيوط الزمن لوحةً  </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">من أملٍ ممزوجٍٍ بالأسى  </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">شظايا وظلال، فضاءٌ نابضٌ بالمعنى  </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">لمن يجرؤ على الغوص في أعماقه  </span></p>
<p>&nbsp;</p>
<p><span style="font-weight: 400;">انظروا إليّ  </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">كنتُ بالأمس سجناً لطاغية  </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">كتلةً متربةً من كلماتٍ مفرغة  </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">تخبو أصوات المهمّشين بين جدراني  </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">وتتوارى قصصهم في زنازيني  </span></p>
<p>&nbsp;</p>
<p><span style="font-weight: 400;">أما اليوم فأنا نبضٌ ينفجر من تحت الركام  </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">ضوءٌ يمزّق حجاب الظلام</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">أنا فيديو يوثّق مدينةً تتنفس وسط الرماد  </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">صورةٌ تختزل الرعب  </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">وصوتٌ ينازع: &#8220;أنا حي&#8230; أنا هنا&#8221; </span></p>
<p>&nbsp;</p>
<p><span style="font-weight: 400;">أنا آلة زمنٍٍ لا يملكها طاغٍٍ  </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">مفتوحةٌ أمام الجميع  </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">لكن، هل الحقيقة ثابتة  </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">وهي هشّةٌ كأولئك الذين يحكونها  </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">أولئك الذين وثّقوا ثورتهم  </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">كي يهزموا شبح النسيان؟  </span></p>
<p>&nbsp;</p>
<p><span style="font-weight: 400;">&#8220;لماذا توثّقون&#8221;  </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">سألوا الشهود والناجيات  </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">فأجابوا: صرخةٌ ضد العدم  </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">دليلٌ يشهد أمام العالم  </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">ومرآةٌ تعكس اللامعقول  </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">في وجه الممكن  </span></p>
<p>&nbsp;</p>
<p><span style="font-weight: 400;">لكن التوثيق لم يكن صرخةً فحسب  </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">كان أملاً خفيّاً   </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">بأن الألم سيُثمر حقاً  </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">وبأن ما سُحق اليوم  </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">لن يتلاشى في فراغ الغد  </span></p>
<p>&nbsp;</p>
<p><span style="font-weight: 400;">أنا الأرشيف لا أحفظ ما مضى</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">بل أحمل وعداً  </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">بأن الأمهات اللواتي خططن رسائل الوداع  </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">والأطفال الذين رسموا السماء تحت القنابل  </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">والشيوخ الذين رووا عن حمص حكاياتهم  </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">لن يختفوا في زوايا العدم  </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">ولن يبتلعهم النسيان  </span></p>
<p>&nbsp;</p>
<p><span style="font-weight: 400;">لستُ مكاناً لبقايا الأمس  </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">أنا بداية الممكن  </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">حيث تُستعاد السلطة على الحكاية  </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">وحيث تولد العدالة  </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">من رحم الألم  </span></p>
<p>&nbsp;</p>
<hr />
<h6 style="text-align: right;" data-start="0" data-end="111"><strong>كُتب هذا النص قبل فبراير 2025.</strong><br data-start="30" data-end="33" /><strong>النص جزء من ملف “<a href="https://untoldmag.org/ar/category/archive-writing-ar/">أبدٌ يتفكك</a>“، من إعداد وتنسيق فيرونيكا فيريري وإنانا عثمان.</strong></h6>
<p style="text-align: right;"><strong><img loading="lazy" decoding="async" class="wp-image-79463 size-full alignleft" src="http://untoldmag.org/wp-content/uploads/2025/05/Screenshot-2025-05-23-at-12.50.11 p.m.png" alt="" width="132" height="82" /></strong></p>
<h6 style="text-align: right;" data-start="113" data-end="169"><strong>الملف ثمرة تعاون بين “Archivwar” و”Untoldmag” و”<a href="https://www.arabpop.it/" target="_blank" rel="noopener">Arabpop</a>“</strong></h6>
<h6 style="text-align: right;" data-start="171" data-end="196"><strong>التنسيق البصري: غريغ أولا</strong></h6>
<h6 style="font-weight: 400; text-align: right;"></h6>
<p>&nbsp;</p>
<h6 style="text-align: right;"><span style="font-weight: 400;"><img loading="lazy" decoding="async" class="wp-image-79465 alignleft" src="http://untoldmag.org/wp-content/uploads/2025/05/Screenshot-2025-05-23-at-12.50.27 p.m-300x97.png" alt="" width="254" height="82" srcset="https://untoldmag.org/wp-content/uploads/2025/05/Screenshot-2025-05-23-at-12.50.27 p.m-300x97.png 300w, https://untoldmag.org/wp-content/uploads/2025/05/Screenshot-2025-05-23-at-12.50.27 p.m.png 438w" sizes="(max-width: 254px) 100vw, 254px" /></span></h6>
<h6 style="text-align: right;" data-start="282" data-end="555">حصل هذا المشروع على تمويل من برنامج الاتحاد الأوروبي “هورايزون أوروبا” للبحوث والابتكار، في إطار اتفاقية منحة “ماري سكلودوفسكا-كوري” رقم 101064513 تحت عنوان:<br data-start="439" data-end="442" /><strong data-start="442" data-end="526">“ARCHIVWAR – الأرشيف في زمن الحرب: عائلات متفرقة وماضٍ يتلاشى في سوريا المعاصرة”</strong>، بتمويل من الاتحاد الأوروبي.</h6>
<h6 style="text-align: right;"></h6>
<h6 style="text-align: right;"><span style="font-weight: 400;"><img loading="lazy" decoding="async" class="wp-image-79467 alignleft" src="http://untoldmag.org/wp-content/uploads/2025/05/Screenshot-2025-05-23-at-12.50.19 p.m-300x105.png" alt="" width="240" height="84" srcset="https://untoldmag.org/wp-content/uploads/2025/05/Screenshot-2025-05-23-at-12.50.19 p.m-300x105.png 300w, https://untoldmag.org/wp-content/uploads/2025/05/Screenshot-2025-05-23-at-12.50.19 p.m.png 388w" sizes="(max-width: 240px) 100vw, 240px" /></span></h6>
<h6 style="text-align: right;" data-start="557" data-end="754">الآراء والمواقف المعبر عنها في هذا المشروع تعود حصريًا للمؤلفين ولا تعكس بالضرورة آراء الاتحاد الأوروبي أو الوكالة الأوروبية التنفيذية. ولا يتحمل الاتحاد الأوروبي ولا الجهة المانحة أي مسؤولية عنها.</h6>
<h6 style="text-align: right;"></h6>
<p>The post <a rel="nofollow" href="https://untoldmag.org/ar/our-time-is-tomorrow/">موعدنا بكرا</a> appeared first on <a rel="nofollow" href="https://untoldmag.org/ar/">Untold</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		<enclosure url="http://untoldmag.org/wp-content/uploads/2025/04/Hiam-for-syria_جوا-سجون-الشام.mp3" length="167" type="audio/mpeg" />

			</item>
		<item>
		<title>2013 – الشروع في العملية: مقتطف من رواية لقد كانت أياماً</title>
		<link>https://untoldmag.org/ar/2013-getting-the-process-going-an-excerpt-of-the-novel-there-were-days/</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[لونا علي]]></dc:creator>
		<pubDate>Thu, 22 May 2025 12:03:21 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[أبدٌ يتفكك]]></category>
		<category><![CDATA[تعليق]]></category>
		<category><![CDATA[ثقافة]]></category>
		<category><![CDATA[حكاية]]></category>
		<category><![CDATA[سياسة]]></category>
		<category><![CDATA[مجتمع]]></category>
		<category><![CDATA[مراجعة]]></category>
		<category><![CDATA[Berlin]]></category>
		<category><![CDATA[Borders]]></category>
		<category><![CDATA[Displacement]]></category>
		<category><![CDATA[Exile]]></category>
		<category><![CDATA[Literature]]></category>
		<category><![CDATA[Prose]]></category>
		<category><![CDATA[اوروبا]]></category>
		<category><![CDATA[حرب]]></category>
		<category><![CDATA[سوريا]]></category>
		<category><![CDATA[هجرة]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://untoldmag.org/2013-getting-the-process-going-an-excerpt-of-the-novel-there-were-days/</guid>

					<description><![CDATA[<p>بين البلاط المتشقق لمكتب الأجانب الألماني، يشعر آراس بثقل شعب وقع في دائرة من الاضطرابات الثورية، وقمعه المروع وبيروقراطية المنفى.</p>
<p>The post <a rel="nofollow" href="https://untoldmag.org/ar/2013-getting-the-process-going-an-excerpt-of-the-novel-there-were-days/">2013 – الشروع في العملية: مقتطف من رواية لقد كانت أياماً</a> appeared first on <a rel="nofollow" href="https://untoldmag.org/ar/">Untold</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p><span style="font-weight: 400;">كانت الأرض المرصوفة غير مستوية، شقّت الجذور في أماكنٍ طريقها نحو الأعلى، فبرز بعضُ بلاط الأرصفة، والتفّ الطحلب حول الأطراف، يعانق الحجر. بعدها يأتِ شارع بلا سيارات، أعمدة لصفّ الدراجات، قليل منها، سلّم، و درابزين معدني. ثمّ واجهة حجرية بنيّة أطلَقت من صدر آراس تنهيدة ثقيلة. لقد كره هذا المبنى بشدة، وكرهت عيناه هذا المشهد، هذه الواجهة الحجرية الفظّة. وامتدت كراهيته لكل ما هو حوله، حتى قليلاً لنفسه. لم يكن آراس وحيدأً في ذلك، ولربما حتى في هذا الكره. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">أفسحت الحجارة المرصوفة إلى جانبه الطريقَ لوالدته ومعلمته السابقة في اللغة الألمانية. &#8220;شكراً لانضمامك إلينا. هذا يعني لنا الكثير!&#8221; قال آراس للسيدة هوفمان، ممتنًا ومومئاً برأسه.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">كانت السيدة هوفمان امرأة طويلة القامة، قصيرة الشعر الأجعد الرمادي. كانت منتفخةَ الجفون. إذ أصبحت الليالي أقصر مع تقدم العمر. كان وجهها طويل ومجعد وكانت لديها وقفة مائلة بعض الشيء، ليس بسبب الإنهاك أو عناء العمل المدرسي والضغوط المرتبطة به. إنما كان معظم طلابها صغار القامة، يجلسون في مقاعدهم أمامها. وكانت قد اعتادت على ألا تتحدث إليهم من علو. كان آراس قد شكر السيدة هوفمان حينها ربما لمئات من المرات، بينما طلبت منه هي أن يناديها، دون تكلّف، بـإسمها الأول. لكن الوقت كان لايزال مبكراً، وكانت هي في مخيلة آراس لا تزال معلمة اللغة الألمانية، شخصاً يجب احترامه. &#8220;أنا أفعل ذلك بسرور!&#8221;، أكّدت السيدة هوفمان.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">كانت والدته تقف بجانبها، تحمل ملفاً مليئاً بالأوراق. استدارت السيدة هوفمان إلى نادية: &#8220;لا أعرف ما إذا كان آراس قد أخبركِ، لكنني في الحقيقة قضيت عطلة مع عائلتي في حلب. مدينة رائعة للغاية، مدينة جميلة جداً.&#8221; مالت نادية برأسها وسألت: &#8220;هل زرتم القصر؟&#8221; – &#8220;القلعة&#8221;، صحّح آراس. &#8220;نعم، بالطبع سمعت أنها دُمرت&#8221; – &#8220;فقط الجهة الخلفية&#8221;، أجاب آراس. &#8220;فقط الجهة الخلفية&#8221;، أومأت نادية برأسها.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">عندما كان آراس صبياً صغيراً، كان يتوه باستمرار في أروقة القلعة، باحثًا دائمًا عن مشهد جديد لاكتشافه. ذات مرة، كان برفقة أحد أقاربه، يبحثان عن التلة التي يُقال إن إبراهيم قد حلب فيها بقرة، وهو السبب الذي نالت بسببه المدينة التي عاشوا فيها اسم &#8220;حلب&#8221;، الشهباء، مثل الحليب الذي حلبه. كان الضياع في القلعة أشبه بطقس معتاد، حيث يتلاشى الزمن، ويظهر في كل مرة شيء جديد يستحق الاكتشاف. في إحدى المرات، مع قريب آخر، عثرا على قبر الابن الثالث لصلاح الدين. وفي مرة أخرى، تسلّقا إلى الزنزانات التي كانت تُستخدم سابقًا لتخزين الحمضيات. قادهم البحث في النهاية إلى قاعة العرش، واحدة من الغرفتين الوحيدتين اللتين بقيتا على حالتهما الأصلية، على الرغم من أن أحدًا لم يكن يعتقد بصحة ذلك. أما النقوش والهندسة المعمارية فقد كانت بالفعل بتصميمها الأول. كان آراس يجلس هناك محاولاً دائمًا عدّ المربعات والمثلثات المتداخلة، لكنه لم يصل يوماً إلى النهاية. كانت القلعة بالنسبة له متاهة شاسعة، ملعبًا مليئًا بالمغامرات. لم يكن آراس يضيع حقًا هناك، فقد اعتاد الزوار الآخرون رؤية أطفال مثله يتجولون دون ذويهم، وكان يتم إعادته في كل مرة إلى المدخل الرئيسي، حيث كان ينتظر مع الحراس. وأثناء الإنتظار، كان يتخيل المعارك التي استعصت فيها القلعة على السقوط، بفضل خندقها العميق، إلى أن تصل عائلته ويعود للانضمام إليهم. في ذلك الوقت، لم يدرك أحد أن القلعة ستتعرض لمزيد من الأضرار، وأن الدمار المتزايد للمدينة لن يكون سوى نبوءة زائفة لماضٍ كان فيه لقب &#8220;حلب الشهباء&#8221;، الذي كان يعني في السابق الرخام الأبيض المخلوط بالأسود، أما الآن فهو يعني الرماد والأنقاض.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">كانت الأرض تمنح سطحها الثابت وغير المستوي للناس المتجمعين حولها. كانت الأنظار تتوجه إلى الساعات على المعاصم وإلى الهواتف المحمولة، نظرات قلقة تملأ المكان. كانت السجائر تجد طريقها إلى بعض الأفواه، بينما كان آخرون منهمكين في أحاديث جانبية مع رفقائهم. قلة فقط كانوا قد حضروا بمفردهم، وهؤلاء الذين جاؤوا وحدهم كانوا يلتفتون حولهم. أن تكون وحيدًا هنا يتطلب أعصابًا قوية، فكر آراس وابتسم لنفسه. سيتم إدخال نظام المواعيد لاحقًا، وسيتم تحويل كل شخص إلى قائمة انتظار مرتبة أبجدياً عبر هاتفه المحمول.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">عندما فُتحت الأبواب، وإذ بها ابتلعت من كان يقف مباشرة أمامها. من دخل أولاً كان كالذي طُحن في مطاحن بطيئة الحركة. استقبل المدخل كلاً من السيدة هوفمان وآراس ونادية. كانوا يسيرون بخطى هادئة وغير مستعجلة، خالية من التردد، لكن بلا ثقة كبيرة. الأرضية كانت تعكس صدى خطواتهم، مكسوة بالبلاط، وفي مواجهتهم كان مكتب الاستقبال. إلى اليمين كان الطريق يؤدي إلى مكتب المواطنين، بينما اتجهوا هم إلى اليسار، صاعدين الدرج. كان السيليكون على درابزين الدرج باللون الأحمر وقد بدا مهترئاً. الباب الذي وقفوا أمامه الآن كان بلون أخضر نعناعي، بمقبض فضي خالٍ من الزخارف. تجمّع حول الباب خمسة أشخاص، دون ترتيب واضح. سجّل آراس الوجوه في ذاكرته، آملاً أن تتذكر هذه الوجوه بدورها وربما الباب كذلك وجهَه أيضاً، عندما يظهر الوجه السادس ليحدد من سيكون التالي.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">آخر مرة غادر فيها آراس هذا المبنى كانت قبل أربع سنوات، وقد اعتقد حينها أنها ستكون المرة الأخيرة بالفعل. كان وداعاً سعيداً، رغم أنه لم يكن من السهل عليه تصديق ذلك. عندما بدأت أسماء الموتى تضاف، كل يوم جمعة، واحداً تلو الآخر إلى الأغاني. عندما انقطعت الكهرباء والمياه ووسائل الاتصال عن المدن، وازدادت الاعتقالات وبدأ الناس يختفون بشكل متزايد. حين قرر الديكتاتور، الذي وصف شعبه بأنه غير متعلم بما يكفي للإصلاحات، قمعَ الثورة تحت سماء محصنة بالرصاص، رافعاً شعار &#8220;الأسد أو نحرق البلد&#8221;. كانت الجدران تردد: &#8220;الأسد إلى الأبد&#8221;، تكراراً ومراراً. وعندما اتحد الجنود الذين رفضوا إطلاق النار على إخوتهم وأخواتهم وأصدقائهم وجيرانهم وأقاربهم وشكلوا الجيش السوري الحر، كانت نادية تتنقل بين شاشة الكمبيوتر والشوارع، أمام السفارات والمباني البرلمانية أو البلدية، على أمل سماع رسالة واحدة تنهي كل شيء. في ذلك الوقت، أدرك آراس أنه لن يطول الأمر قبل أن يستعيد هذا المبنى نظرته إليه. والآن، بعد عامين، حدث ذلك بالفعل؛ فالوداعات ليست أبداً للأبد.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">بينما كان الاتحاد الأوروبي في مثل هذا اليوم يناقش مسألة تزويد الثوار السوريين بالأسلحة، وكانت ألمانيا ترى أن هذه الخطوة ليست بفكرة جيدة لأنها ستدفع الطرف الآخر إلى تعزيز تسلحه أيضاً، كان الدرابزين المقابل للباب الأخضر النعناعي يمنح آراس بعض الدعم. أما البلاط تحت قدميه، فقد أثار قلقه. فقد جذب انتباهه بتشققه وتمزقه في بعض الأماكن، وكأنه شهد مقاومة عنيفة، كما لو أن شخصاً ما حاول تدمير هذا المكان بقدميه مراراً، محاولات يائسة. هل كانت هذه الشقوق علامة على اتفاق ضمني بين الشرطة والأرض، حيث تقدم الشرطة وجوهاً مختلفة، بينما تمارس الأرض صرامة السلطة؟ امتلأ مجال رؤية آراس باللون الأحمر.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">إلى جانبه، كانت نادية والسيدة هوفمان تتحدثان. &#8220;هل يمكنك من فضلك الترجمة؟&#8221;، طلبت والدته منه. بدأ آراس بالترجمة: &#8220;رجل يقف أمام المحكمة، وقد حكم عليه القضاة الثلاثة بالإعدام.&#8221; &#8220;مُنح الرجل أمنية أخيرة، كما هو المعتاد. معظم الناس يطلبون رؤية والدتهم مرة أخرى، أو الطعام، أو ما شابه. لكن الرجل اعتقد أنه ذكي، وطلب أن يتعلم اللغة الألمانية.&#8221; نادية كانت تستعد لإلقاء النكتة بابتسامة. &#8220;قال القاضي الأول: &#8216;لا، لا يمكننا تلبية هذه الأمنية.&#8217; وافقه القاضي الثاني قائلاً: &#8216;سيستغرق ذلك وقتاً طويلاً للغاية. ولن يتم تنفيذ الحكم بهذه الطريقة أبداً.'&#8221; تذكر آراس أنه يعرف النكتة بالفعل، واستعد لرد فعل السيدة هوفمان. &#8220;قال القاضي الثالث: &#8216;ينبغي علينا تلبية أمنيته. سيكون هو من ينفذ حكم الإعدام بنفسه.'&#8221; شارك الناس الواقفون حولهم في الضحك، بينما ضحكت السيدة هوفمان وقالت: &#8220;سأروي هذه النكتة لطلابي، إنها رائعة&#8221;.</span></p>
<hr />
<p><span style="font-weight: 400;">لقد كانت أياماً (العنوان الأصلي باللغة الألمانية، &#8220;Da waren Tage&#8221;) هي أول رواية للكاتبة لونا علي، كتبت ونشرت باللغة الألمانية بواسطة S. Fischer عام 2024.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">يراقب آراس بطل الرواية، الثورة السورية من مسافة بعيدة. ولد آراس في حلب لكنه نشأ في ألمانيا، وكان في الفصل الدراسي الأول بكلية الحقوق في عام 2011 عندما بدأت الثورة. ومع تصاعد العنف في سوريا، يتغلغل الصراع بشكل متزايد في حياته في ألمانيا. من قاعات المحاضرات إلى مكاتب الهجرة، أثناء التدريب في الأردن، أو كضيف في برنامج حواري سياسي، يستعيد آراس ذكرى الثورة كل عام باعتبارها اندماجًا بين الواقع والخيال. وبالتالي، تتساءل رواية لقد كانت أياماً كيف تشكل الرغبة في الحرية &#8211; وقمع تلك الرغبة &#8211; حياة وأفعال ولغة بطل الرواية في الشتات.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">المقتطف من الفصل الثالث. يتناول الفصل التأثير الأكثر مباشرة لقمع الثورة السورية على آراس: رغبة عائلته في الهروب من الحرب. تدور أحداث الفصل في 15 مارس 2013، في مكتب الأجانب (Ausländerbehörde)، حيث يحاول آراس ووالدته نادية و السيدة هوفمان، معلمة الألماني السابقة، تقديم إعلان التزام لتأمين لم شمل الأسرة &#8211; الممر الآمن الوحيد بين سوريا وألمانيا في ذلك الوقت. لتحقيق هذه الغاية، يعتمدون على السيدة هوفمان، التي يؤهلها دخلها لتقديم ضمان (Bürgschaft). يستكشف الفصل البيروقراطية اللاإنسانية لمكتب الأجانب، والتي تقلل من شأن الأفراد وتحولهم الى خاضعين بينما تفكك أيضًا شبكة معقدة من السياسة، و(ما بعد) الاستعمار، والقرابة، مما يعزز في نهاية المطاف التضامن.</span></p>
<p>&nbsp;</p>
<hr />
<h6 style="text-align: right;" data-start="0" data-end="111"><strong>كُتب هذا النص قبل فبراير 2025.</strong><br data-start="30" data-end="33" /><strong>النص جزء من ملف “<a href="https://untoldmag.org/ar/category/archive-writing-ar/">أبدٌ يتفكك</a>“، من إعداد وتنسيق فيرونيكا فيريري وإنانا عثمان.</strong></h6>
<p style="text-align: right;"><strong><img loading="lazy" decoding="async" class="wp-image-79463 size-full alignleft" src="http://untoldmag.org/wp-content/uploads/2025/05/Screenshot-2025-05-23-at-12.50.11 p.m.png" alt="" width="132" height="82" /></strong></p>
<h6 style="text-align: right;" data-start="113" data-end="169"><strong>الملف ثمرة تعاون بين “Archivwar” و”Untoldmag” و”<a href="https://www.arabpop.it/" target="_blank" rel="noopener">Arabpop</a>“</strong></h6>
<h6 style="text-align: right;" data-start="171" data-end="196"><strong>التنسيق البصري: غريغ أولا</strong></h6>
<h6 style="font-weight: 400; text-align: right;"></h6>
<p>&nbsp;</p>
<h6 style="text-align: right;"><span style="font-weight: 400;"><img loading="lazy" decoding="async" class="wp-image-79465 alignleft" src="http://untoldmag.org/wp-content/uploads/2025/05/Screenshot-2025-05-23-at-12.50.27 p.m-300x97.png" alt="" width="254" height="82" srcset="https://untoldmag.org/wp-content/uploads/2025/05/Screenshot-2025-05-23-at-12.50.27 p.m-300x97.png 300w, https://untoldmag.org/wp-content/uploads/2025/05/Screenshot-2025-05-23-at-12.50.27 p.m.png 438w" sizes="(max-width: 254px) 100vw, 254px" /></span></h6>
<h6 style="text-align: right;" data-start="282" data-end="555">حصل هذا المشروع على تمويل من برنامج الاتحاد الأوروبي “هورايزون أوروبا” للبحوث والابتكار، في إطار اتفاقية منحة “ماري سكلودوفسكا-كوري” رقم 101064513 تحت عنوان:<br data-start="439" data-end="442" /><strong data-start="442" data-end="526">“ARCHIVWAR – الأرشيف في زمن الحرب: عائلات متفرقة وماضٍ يتلاشى في سوريا المعاصرة”</strong>، بتمويل من الاتحاد الأوروبي.</h6>
<h6 style="text-align: right;"></h6>
<h6 style="text-align: right;"><span style="font-weight: 400;"><img loading="lazy" decoding="async" class="wp-image-79467 alignleft" src="http://untoldmag.org/wp-content/uploads/2025/05/Screenshot-2025-05-23-at-12.50.19 p.m-300x105.png" alt="" width="240" height="84" srcset="https://untoldmag.org/wp-content/uploads/2025/05/Screenshot-2025-05-23-at-12.50.19 p.m-300x105.png 300w, https://untoldmag.org/wp-content/uploads/2025/05/Screenshot-2025-05-23-at-12.50.19 p.m.png 388w" sizes="(max-width: 240px) 100vw, 240px" /></span></h6>
<h6 style="text-align: right;" data-start="557" data-end="754">الآراء والمواقف المعبر عنها في هذا المشروع تعود حصريًا للمؤلفين ولا تعكس بالضرورة آراء الاتحاد الأوروبي أو الوكالة الأوروبية التنفيذية. ولا يتحمل الاتحاد الأوروبي ولا الجهة المانحة أي مسؤولية عنها.</h6>
<h6 style="text-align: right;"></h6>
<p>The post <a rel="nofollow" href="https://untoldmag.org/ar/2013-getting-the-process-going-an-excerpt-of-the-novel-there-were-days/">2013 – الشروع في العملية: مقتطف من رواية لقد كانت أياماً</a> appeared first on <a rel="nofollow" href="https://untoldmag.org/ar/">Untold</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>جنةٌ لم تكتمل: قد لا ينتهي الأرشيف</title>
		<link>https://untoldmag.org/ar/paradise-interrupted-the-archive-may-not-end/</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[فيرونيكا فيريري]]></dc:creator>
		<pubDate>Thu, 22 May 2025 12:02:09 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[أبدٌ يتفكك]]></category>
		<category><![CDATA[تعليق]]></category>
		<category><![CDATA[حكاية]]></category>
		<category><![CDATA[سياسة]]></category>
		<category><![CDATA[مجتمع]]></category>
		<category><![CDATA[Activism]]></category>
		<category><![CDATA[Berlin]]></category>
		<category><![CDATA[Exile]]></category>
		<category><![CDATA[Resistance]]></category>
		<category><![CDATA[اكاديميا]]></category>
		<category><![CDATA[اوروبا]]></category>
		<category><![CDATA[ثورة]]></category>
		<category><![CDATA[حرب]]></category>
		<category><![CDATA[سوريا]]></category>
		<category><![CDATA[لجوء]]></category>
		<category><![CDATA[موسيقى]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://untoldmag.org/paradise-interrupted-the-archive-may-not-end/</guid>

					<description><![CDATA[<p>تخبو الثورات، لكن سحرها يبقى حيًّا في الموسيقى، والذاكرة، وشظايا حلمٍ جماعي. هذه حكايةٌ عن الشهادات التي نتمسّك بها، عن لحظاتٍ نرفض أن ندعها تمضي.</p>
<p>The post <a rel="nofollow" href="https://untoldmag.org/ar/paradise-interrupted-the-archive-may-not-end/">جنةٌ لم تكتمل: قد لا ينتهي الأرشيف</a> appeared first on <a rel="nofollow" href="https://untoldmag.org/ar/">Untold</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p style="text-align: left;"><b><i>يونيو 2019، برلين، على أريكة</i></b></p>
<p><i><span style="font-weight: 400;">جنّة جنّة جنّة يا وطنّا</span></i></p>
<p><span style="font-weight: 400;">تتسلّل الكلمات والموسيقى التي لا تهدأ إلى جسدي، المنهك والمخمور، الملقى على أريكةٍ في بيت شخصٍ شبه غريب، لا يجمعني به سوى رابطٍ واحد، سوريا. يهبط الليل أخيرًا على مساء برلين الصيفيّ، وأنا أستمع مرارًا وتكرارًا إلى أغنية &#8220;</span><a href="https://www.youtube.com/watch?v=yO3liF3DVQ8&amp;ab_channel=SuleimanAlShaami" target="_blank" rel="noopener"><i><span style="font-weight: 400;">جنة جنة</span></i></a><span style="font-weight: 400;">&#8220;٬ التي أعادت توزيعها الفرقة السورية الألمانية</span><a href="https://soundcloud.com/ahmad-kouraiem/shkoon-jana-jana-build-your-castles-live-at-plotzlich-am-meer-festival-2017" target="_blank" rel="noopener"> <i><span style="font-weight: 400;">شكون</span></i></a><span style="font-weight: 400;">.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">بدايتها ونهايتها تذوبان في سيلٍ من الأصوات والكلمات والإيقاعات. يمتدّ الظلام إلى سعفة النخيل التي تؤطر النافذة، ليلتهمَ بحركته البطيئة كلّ تفصيلٍ في تلك الغرفة الغريبة. ليلٌ جامح، يتقدّم بنهمٍ مفترس لا يعرف الرحمة، يبتلع جسدي وعقلي معًا، وقد كانا حتى اللحظة مستسلمَين لتصاعد السِنث وضربات الإيقاع المتلاحقة. أنا والمكان، الماضي والحاضر، نتبدّد معًا، في تلاشٍ فادحٍ وعميق، لا قُدسيّة فيه.</span></p>
<p style="text-align: center;"><span style="font-weight: 400;">***</span></p>
<p style="text-align: left;"><b><i>مايو 2021، برلين، على مكتب</i></b></p>
<p><span style="font-weight: 400;">لم تكن تلك المرة الأولى التي أستمع فيها إلى هذه الأغنية، أو هذه النسخة المعاد توزيعها بالذات. كالعديد من الأغاني التراثية، أُعيد إحياء هذه الأغنية في آذار/مارس 2011، واكتسبت معاني جديدة، لتُصبح صوت تلك المرحلة التاريخية، صوت الثورة، بعد اندلاع الاحتجاجات في سوريا. ارتبطت الأغنية أيضًا بإحدى أبرز أيقوناتها: عبد الباسط الساروت، حارس المرمى الشاب، الذي حمل الثورة بصوته وحضوره، وقاد المظاهرات في حمص. لاحقًا، تحوّل إلى مقاتلٍ في صفوف الجيش السوري الحر، بعد القمع الوحشي والحصار الذي فرضه نظام الأسد على مدينته، في مسارٍ وثّقه فيلم &#8220;</span><a href="https://www.returntohoms.com/" target="_blank" rel="noopener"><span style="font-weight: 400;">العودة إلى حمص</span></a><span style="font-weight: 400;">&#8221; للمخرج طلال ديركي. تحوّلت الأغنية، بكل ما حملته من تأويلاتٍ لا تنتهي، إلى معلَمٍ صوتي في لياليّ البرلينية منذ وصولي في أيار/مايو 2018. شهدتُ على تحوّلاتها المتعددة، التي لم تمسّ قُدسيّتها، في الحفلات العربية التي غصّت بها برلين قبل الجائحة.</span></p>
<p style="text-align: center;"><span style="font-weight: 400;">***</span><span style="font-weight: 400;"> </span></p>
<p style="text-align: left;"><b><i>فبراير 2019، برلين، ملهى ليلي</i></b></p>
<p><span style="font-weight: 400;">ليلةٌ شتوية عادية، لا شيء يميّزها. تنطلق دبكةٌ إلكترونية على وقع أغنية &#8220;جنة جنة&#8221;، فتُحرّك طاقةً جياشة تتردد أصداؤها على ساحة الرقص. المحتفلون، ملتصقين ببعضهم، يحيّون بعضهم، يرقصون، يشربون، ويتحادثون. لكن ما إن تبدأ هذه الأغنية، حتى ينصهر هذا الجمع المتنوع في كيانٍ واحد. صديقي آزاد، الواقف إلى جانبي، يستسلم هو الآخر لسحر الأغنية والمكان. يصرخ، يغنّي، يشدّ على يدي وينطلق بدبكةٍ عفوية. أتبع صوته وجسده. نتجاهل الحَرّ، وضيق المكان، ونقص الأوكسجين٬ ونرقص. نتسلّل بين الراقصين المنفردين، نبحث عن مساحةٍ صغيرة نكمل فيها خطواتنا بين سلاسل الأيدي المتشابكة من حولنا. تُعاد الأغنية فورًا، والطاقة ما زالت تسكن الغرفة بكل قوتها، فيما الأجساد المبلّلة بالعرق والأصوات المرتفعة تستمرّ بالحركة والغناء كجسدٍ واحد.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;"> </span></p>
<p><i><span style="font-weight: 400;">في تلك اللحظة، لم أفكّر كثيرًا بما كان يحدث، كالعديد من اللحظات التي تطبع حياتي الليلية. رقصتُ فقط، تركت نفسي انجرف مع الصوت والإيقاع. فلا وقتَ، ولا مساحة، ولا حتى رغبة في تأمل سرّ تلك الأغنية؛ كان كلّ شيء يدور حول الانغماس في اللحظة، تذوّق لذّتها المُسكرَة، المُمتعة، ككائنٍ جائعٍ في غابةٍ تحتضر. ربما كانت تلك اللحظات على ساحة الرقص تطهيريّةً إلى هذا الحدّ، لأنها كانت محاولةً للتشبّث بشيءٍ جميلٍ كان على وشك أن ينتهي، أو ربما انتهى فعلًا، لكننا لم نكن مستعدّين بعد لوداعه.</span></i></p>
<p><i><span style="font-weight: 400;">الثورات لا تدوم إلى الأبد، ولا ينبغي لها أن تدوم. ومع ذلك، فإن تلك اللحظات السحرية الخالصة قد تبقى&#8230; أو لعلنا نُريد (نحتاج) لها أن تبقى، ألا تسقط، ألا تنهار إلى الأبد، لئلّا ننهار نحن معها. دائمًا ما تُعيدني هذه اللحظات إلى قصيدة أوجينيو مونتالي &#8220;</span></i><a href="https://paralleltexts.blog/2017/11/01/i-limonithe-lemon-trees-by-eugenio-montale/" target="_blank" rel="noopener"><i><span style="font-weight: 400;">أشجار الليمون</span></i></a><i><span style="font-weight: 400;">&#8220;. حيث يتجوّل في مدينةٍ صاخبةٍ من إسمنت، تقاطعه فجأةً لحظة نقاءٍ خالص، حين يلمح شجرة ليمونٍ مخفيةً في فناء مبنى. ربما كانت الثورة تحمل رائحة الليمون التي كان مونتالي يبحث عنها بيأس، ذاك الكنز الأخير الذي قد تهبه الحياة، والعالم، والطبيعة للناس العاديين. وربما كانت الجنّة، &#8220;جنة جنة&#8221;٬ هي أشجار مونتالي.</span></i></p>
<p style="text-align: center;"><span style="font-weight: 400;">***</span></p>
<p style="text-align: left;"><b><i>أكتوبر 2022، برلين، حانة قديمة</i></b></p>
<p><span style="font-weight: 400;">بالنسبة لأزاد، ذلك الصديق الذي أمسك بيدي في تلك الليلة، حين رقصنا الدبكة معاً وكأننا أسرى النشوة، كانت الأغنية استعارةً لماضيه الثوري. بعد ثلاث سنوات من تلك الليلة، وبعد ما بدا كأنه عمرٌ كاملٌ منذ اندلاع الثورة، كنّا نتحدّث عن الأفكار التي أحملها في هذا النص. ابتسم لي ولشريكته، وفي ابتسامته لمعة مرارة، وقال إنه نسي تلك الليلة، لكنه يتذكّر الأغنية كجزءٍ من شبابه، حين كان يصل إلى الساحة ليحتجّ، يرقص، يستمع إلى </span><i><span style="font-weight: 400;">جنة جنة</span></i><span style="font-weight: 400;">، ويُحاول أن يفي بوعد، بمستقبلٍ مختلف لسوريا. لكن محاولاته الدؤوبة كانت تنهار دائمًا، فالرصاص كان أسرع من الحلم. قنّاصة النظام لم يكونوا بحاجةٍ إلى وقت طويل لإسدال الستار على تلك اللحظات المتمرّدة، وكان الثمن غالبًا أرواحًا تُزهق في الطريق.</span></p>
<p style="text-align: center;"><span style="font-weight: 400;">***</span></p>
<p style="text-align: left;"><b><i>أغسطس 2015، لبنان، باحة مدرسة</i></b></p>
<p><span style="font-weight: 400;">أما بالنسبة إليّ، فتُعيدني تلك الدبكة إلى أمسياتٍ قضيناها في باحة المدرسة، التي أنشأها نازحون سوريون من ريف حمص، وسط الحقول الزراعية، فأصبحت المدرسة وباحتها، غير البعيدة عن المخيّم العشوائي، مسرحًا لكل مناسبةٍ تستدعي سهرة: خطوبة، زفاف، أو حتى مجرد احتفالٍ بالحياة كما هي. بصوت المغني وعزف العازف على أورغ كهربائي، كانت ليالي الصيف المعتمة تنتعش، ونسيمها ينساب بين الجموع المعتادة، فيما يبدأ الضيوف بالوصول، من أماكن قريبة وأخرى بعيدة.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">أحيانًا، كنّا نكتفي بالاستماع إلى غنائه، وهو يرتجل كلماتٍ احتفاليةً أو ساخرة عن أحدنا. وفي أحيان أخرى، كانت الدبكة الإلكترونية تدفعنا إلى قلب الساحة، التي تتحوّل إلى ساحة رقص، حيث تتشكّل حلقاتٌ من الرجال والنساء، أحيانًا مختلطة، ترقص على مقربة من أطفال يلعبون من حولنا. لكن الأجواء لم تكن دائمًا فرحة. كان الحنين والحزن يتسللان بين الحاضرين، في صمتٍ مشحون، كلما استدعى صوته ماضياً بعيداً وما فقدناه على الطريق.</span></p>
<p>&nbsp;</p>
<p><i><span style="font-weight: 400;">لم تكن هناك أيّة حماسةٍ ثوريّة في تلك الأمسيات الصيفية. لم تصل جنة جنة، ولا غيرها من أغاني الثورة، إلى باحة المدرسة. والحق يُقال، حين وصلتُ في أغسطس/آب 2014، كانت الثورة قد بدأت تبدو كأنها سراب. حتى الساروت، لم يُذكر هناك قط. ومع ذلك، كانت تلك اللحظات ثوريةً على طريقتها الخاصة: كانت احتفالًا &#8220;بالنضالات الصغيرة&#8221; من أجل البقاء، ومواصلة العيش رغم النزوح وخراب الحرب.</span></i></p>
<p style="text-align: center;"><span style="font-weight: 400;">***</span></p>
<p style="text-align: left;"><b><i>برلين، أكتوبر 2024، على سرير</i></b></p>
<p><span style="font-weight: 400;">ساحة الرقص لم تكن هنا الشارع، ولا باحة المدرسة. ومع ذلك، نجحت برلين 2019 في استحضار سوريا 2011 ولبنان 2015، كما لو كنّا داخل تلفازٍ مكسور من تسعينيات القرن الماضي، تتداخل فيه القنوات فجأة، فتذوب الأزمنة والأماكن، ويغدو من المستحيل أن نعرف ماذا كنّا نفعل، ومع من، وأين، ومتى. كانت ساحة الرقص، في نهاية المطاف، فراغًا يسمح للجميع بتأجيل الإحساس بالنهاية، وتأجيل مستقبلٍ يُكرّر ماضيًا لا ينتهي. ففي النهاية، هذه برلين؛ لم يكن الساروت مَن يغنّي، بل كانت مجرد نسخة مُعادة التوزيع. وكما فعل صديقي، رقصتُ أنا أيضًا حتى آخر الليل. لكن غروب تلك الليلة على الأريكة كان مختلفًا؛ لم يكن لحظة مواجهةٍ مع النهاية، بل لحظة استذكارٍ لبدايتها.</span></p>
<p style="text-align: center;"><span style="font-weight: 400;">***</span></p>
<p style="text-align: left;"><b><i>أغسطس 2012، لندن، حشدٌ أمام السفارة السورية</i></b></p>
<p><span style="font-weight: 400;">عصر سبتٍ آخر، أمام السفارة السورية، في واحدٍ من أحياء وسط لندن، ذات الطابع الإمبراطوري. </span><i><span style="font-weight: 400;">جنة جنة</span></i><span style="font-weight: 400;"> تملأ الهواء، تُرافق تلك التظاهرات الثورية: لسنا في سوريا، لكن سوريا والثورة هنا. بالنسبة لأجيالٍ من السوريين، كبارًا وصغارًا، الذين يحتجّون عن بُعد، كانت تلك لحظةَ أملٍ ونشوةٍ وألفة، لم يكن من الممكن تخيّلها من قبل. فالخوف والصمت المحمولان من سوريا، كانا قد استوطنا النفوس، وتسرّبا من جيلٍ إلى جيل، حتى في المنفى.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;"> </span></p>
<p><i><span style="font-weight: 400;">كنتُ سعيدةً بلمس تلك اللحظات من جديد، لحظاتٌ دفنها الزمن عميقًا في الذاكرة. ومع ذلك، بدتْ أبعد من أي وقتٍ مضى، كأنها تنتمي إلى عالمٍ موازٍ تحطّم أمام عنف الواقع.</span></i></p>
<p style="text-align: center;"><span style="font-weight: 400;">***</span></p>
<p style="text-align: left;"><b><i>يونيو 2019، برلين، أمام شاشة حاسوب</i></b></p>
<p><span style="font-weight: 400;">بعد أسبوعٍ من استلقائي على تلك الأريكة، مات الساروت متأثرًا بجراحه في معركة بين حماة وإدلب. تحوّلتْ صفحتي على الفايسبوك إلى شريط نعيٍ متواصل لهذا الشاب وإرثه: فيديوهاته وهو يغني في قلب التظاهرات، مقابلاته، وصور جنازته التي شارك فيها الآلاف في إدلب. في لبنان، أحيا بعض أفراد المجتمع السوري، الذين كنت أعيش بينهم، ذكراه، وقد تخلّوا، ولو مؤقتًا، عن حذرهم المعتاد في نشر أيّ مضمونٍ سياسيّ أو ثوري، رغم الخطر الحقيقي الذي قد يُواجهونه. وفي برلين أيضًا، كان وقع الخبر مفجعًا؛ فالساروت لم يكن مجرّد رمزٍ للثورة، بل تجسيدٌ حيٌّ للمأزق السوري بكل تناقضاته. كان موته أشبه بسكّينٍ يقطع الجلد واللحم معًا، في إصبع لم يُدرك بعد عمق الجرح.</span><span style="font-weight: 400;"> </span></p>
<p style="text-align: center;"><span style="font-weight: 400;">***</span></p>
<p style="text-align: left;"><b><i>نوفمبر 2024، برلين</i></b></p>
<p><span style="font-weight: 400;">لم نعد على ساحة الرقص، فظلمة المكان وعتمة الليل لم يحميانا من مواجهة هذه النهاية المُرّة؛ لم تكن هناك شجرة ليمونٍ نكتشفها في زاوية خفية. كلّ شيء بدا كما في تلفاز طفولتي، حين كانت الخطوط البيضاء والسوداء والرمادية تجتاح الشاشة، تبتلع القنوات، وتذوب ملامحها فيما بينها. اختلطت المشاعر، والأشخاص، والسنوات، والأماكن المرتبطة بالثورة، بلا بداية واضحة أو نهاية. كان حلمًا لم أعشه، بل شاهدته على شاشة مكسورة، تبثّ شظايا من يوميّاتي، وملاحظاتي الميدانية، وذكرياتي. ربما كلّ ما أستطيع فعله الآن هو أرشفة هذه الشظايا، محاولةً إضفاء بعض الترتيب والوضوح على هذه الخطوط أحادية اللون، كفعل وداعٍ أخير، أو وسيلة للتعامل مع حزنٍ لا يزال يهمس في الخلف، يرفض الرحيل. أدوّن تاريخًا، أسمّي مكانًا، وأبدأ في تفكيك سرّ شجرة الليمون، وسحر كلمات </span><i><span style="font-weight: 400;">جنة جنة</span></i><span style="font-weight: 400;">، مذكّرة نفسي أنّه، حتى الأيقونات الثورية، كالساروت، هم بشر أيضًا.</span></p>
<p style="text-align: center;"><span style="font-weight: 400;">***</span></p>
<p style="text-align: left;"><b><i>٧ ديسمبر ٢٠٢٤، برلين، شارع العرب</i></b></p>
<p><span style="font-weight: 400;">كنتُ أمشي باتجاه شارع العرب لألحق بالباص وأعود إلى البيت، لأتابع خطاب بشار الأسد الذي لم يحدث أبدًا. أوقفَنا، أنا وصديقتي نوال، فتىً صغيرٌ يقف أمام إحدى محلات الحلويات السورية المنتشرة على امتداد هذا الشارع الطويل. يرتدي الفتى علم الثورة السورية كعباءة بطلٍ خارق، ويقف بجانب جهاز ستيريو قديم يصدح منه صوت </span><i><span style="font-weight: 400;">جنة جنة</span></i><span style="font-weight: 400;">، يوزّع الحلوى على المارة احتفالًا بسقوطٍ وشيكٍ لبشار الأسد. في غمضة عين، عاد علم الثورة ليطفو من جديد، مُعلّقًا كإكسسوارٍ على أكتاف المارّة، أو مشدودًا إلى الكوفية والعلم الفلسطيني على أبواب المحال.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">في اليوم التالي، </span><span style="font-weight: 400;">عاد </span><span style="font-weight: 400;">الساروت أيضًا، على الأعلام واللافتات التي حملها الحشد المبتهج بسقوط النظام وهالة خلوده الكاذب. شممتُ رائحة شجرة الليمون من جديد، بينما كانت </span><i><span style="font-weight: 400;">جنة جنة</span></i> <span style="font-weight: 400;">تتردّد </span><span style="font-weight: 400;">في قلب كرويتسبرغ، وكأنها تجسّد هذه اللحظة السريالية، لحظة ملامسة الجنّة بطرف الإصبع، بكل سهولة، ولو فقط هنا والآن.</span> <span style="font-weight: 400;">لا أعرف </span><span style="font-weight: 400;">ماذا </span><span style="font-weight: 400;">أفعل بهذا النص الآن، وقد </span><span style="font-weight: 400;">كُتب في نوفمبر نهاية مختلفة عن تلك التي شهدناها لاحقًا. </span><span style="font-weight: 400;">أرغب في حذف تلك النهاية، لكنني لا أستطيع.</span> <span style="font-weight: 400;">تراودني رغبةٌ في إعادة الشريط إلى الوراء، وترك التشويش على الشاشة كما هو، من دون ترتيب أو منطق، فقط لأحافظ على تلك اللحظة الثورية كما كانت، كما هي الآن، ومعها كل الذين لم يعودوا هنا بيننا، </span><span style="font-weight: 400;">محتفلةً بكلّ ما ساهموا فيها، حين جعلوا، كلٌّ على طريقته، من اللاممكن والمستحيل تاريخًا حيًّا.</span></p>
<p>&nbsp;</p>
<hr />
<h6 style="text-align: right;" data-start="0" data-end="111"><strong>كُتب هذا النص قبل فبراير 2025.</strong><br data-start="30" data-end="33" /><strong>النص جزء من ملف “<a href="https://untoldmag.org/ar/category/archive-writing-ar/">أبدٌ يتفكك</a>“، من إعداد وتنسيق فيرونيكا فيريري وإنانا عثمان.</strong></h6>
<p style="text-align: right;"><strong><img loading="lazy" decoding="async" class="wp-image-79463 size-full alignleft" src="http://untoldmag.org/wp-content/uploads/2025/05/Screenshot-2025-05-23-at-12.50.11 p.m.png" alt="" width="132" height="82" /></strong></p>
<h6 style="text-align: right;" data-start="113" data-end="169"><strong>الملف ثمرة تعاون بين “Archivwar” و”Untoldmag” و”<a href="https://www.arabpop.it/" target="_blank" rel="noopener">Arabpop</a>“</strong></h6>
<h6 style="text-align: right;" data-start="171" data-end="196"><strong>التنسيق البصري: غريغ أولا</strong></h6>
<h6 style="font-weight: 400; text-align: right;"></h6>
<p>&nbsp;</p>
<h6 style="text-align: right;"><span style="font-weight: 400;"><img loading="lazy" decoding="async" class="wp-image-79465 alignleft" src="http://untoldmag.org/wp-content/uploads/2025/05/Screenshot-2025-05-23-at-12.50.27 p.m-300x97.png" alt="" width="254" height="82" srcset="https://untoldmag.org/wp-content/uploads/2025/05/Screenshot-2025-05-23-at-12.50.27 p.m-300x97.png 300w, https://untoldmag.org/wp-content/uploads/2025/05/Screenshot-2025-05-23-at-12.50.27 p.m.png 438w" sizes="(max-width: 254px) 100vw, 254px" /></span></h6>
<h6 style="text-align: right;" data-start="282" data-end="555">حصل هذا المشروع على تمويل من برنامج الاتحاد الأوروبي “هورايزون أوروبا” للبحوث والابتكار، في إطار اتفاقية منحة “ماري سكلودوفسكا-كوري” رقم 101064513 تحت عنوان:<br data-start="439" data-end="442" /><strong data-start="442" data-end="526">“ARCHIVWAR – الأرشيف في زمن الحرب: عائلات متفرقة وماضٍ يتلاشى في سوريا المعاصرة”</strong>، بتمويل من الاتحاد الأوروبي.</h6>
<h6 style="text-align: right;"></h6>
<h6 style="text-align: right;"><span style="font-weight: 400;"><img loading="lazy" decoding="async" class="wp-image-79467 alignleft" src="http://untoldmag.org/wp-content/uploads/2025/05/Screenshot-2025-05-23-at-12.50.19 p.m-300x105.png" alt="" width="240" height="84" srcset="https://untoldmag.org/wp-content/uploads/2025/05/Screenshot-2025-05-23-at-12.50.19 p.m-300x105.png 300w, https://untoldmag.org/wp-content/uploads/2025/05/Screenshot-2025-05-23-at-12.50.19 p.m.png 388w" sizes="(max-width: 240px) 100vw, 240px" /></span></h6>
<h6 style="text-align: right;" data-start="557" data-end="754">الآراء والمواقف المعبر عنها في هذا المشروع تعود حصريًا للمؤلفين ولا تعكس بالضرورة آراء الاتحاد الأوروبي أو الوكالة الأوروبية التنفيذية. ولا يتحمل الاتحاد الأوروبي ولا الجهة المانحة أي مسؤولية عنها.</h6>
<h6 style="text-align: right;"></h6>
<p>The post <a rel="nofollow" href="https://untoldmag.org/ar/paradise-interrupted-the-archive-may-not-end/">جنةٌ لم تكتمل: قد لا ينتهي الأرشيف</a> appeared first on <a rel="nofollow" href="https://untoldmag.org/ar/">Untold</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>حياة عشناها دون ذاكرة، ولكن معا</title>
		<link>https://untoldmag.org/ar/life-lived-without-memory-together/</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[زين سلام أسعد]]></dc:creator>
		<pubDate>Thu, 22 May 2025 12:01:50 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[أبدٌ يتفكك]]></category>
		<category><![CDATA[تعليق]]></category>
		<category><![CDATA[حكاية]]></category>
		<category><![CDATA[سياسة]]></category>
		<category><![CDATA[مجتمع]]></category>
		<category><![CDATA[Activism]]></category>
		<category><![CDATA[Exile]]></category>
		<category><![CDATA[Prose]]></category>
		<category><![CDATA[اكاديميا]]></category>
		<category><![CDATA[حرب]]></category>
		<category><![CDATA[سوريا]]></category>
		<category><![CDATA[صدمة]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://untoldmag.org/life-lived-without-memory-together/</guid>

					<description><![CDATA[<p> لقد أصبحت ذاكرتنا، التي لوَّنَها الخوف وانعدام الثّقة والسّيطرة، ساحة معركةٍ، عالقةٍ بين ”إباحيّة الصّدمة“ والتكتيكات الحديثة للمحو والنسيان. </p>
<p>The post <a rel="nofollow" href="https://untoldmag.org/ar/life-lived-without-memory-together/">حياة عشناها دون ذاكرة، ولكن معا</a> appeared first on <a rel="nofollow" href="https://untoldmag.org/ar/">Untold</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p>هذا البحر</p>
<p>أبداً أزرقُ</p>
<p>تأخذهُ السماء يداً بيدٍ</p>
<p>عاد لنا</p>
<p>من جديدٍ كما مضى</p>
<p>وسيبقى لنا</p>
<p>&nbsp;</p>
<p>بحرنا كان هنا</p>
<p>منذ صرخنا</p>
<p>الصرخة الأولى</p>
<p>بعالي صوتنا</p>
<p>وتركنا أمهاتنا</p>
<p>&nbsp;</p>
<p>بذكرياتٍ كانت تطوف في خضمّ ذرّات الهواء</p>
<p>تفصلنا عن مصيرنا</p>
<p>وفي الصّمت المطبق</p>
<p>تحدّثَ صمتنا</p>
<p>إلى البحر فصدقت الكلمة</p>
<p>وها هنا</p>
<p>البحر ونحن باكون</p>
<p>والذّكريات تطوف بين ذرات الهواء</p>
<p>تعود لتبوح عن الآن</p>
<p>فالبحر عاد اليوم بيتنا</p>
<p>&nbsp;</p>
<p>غصباً عن سنوات الفراغ</p>
<p>الخانقة لرمق كلماتنا</p>
<p>اليوم اليوم، باتت كلماتنا خياراً</p>
<p>وما زلنا نبوح بها</p>
<p>والأمل طريقنا</p>
<p>&nbsp;</p>
<p>لكي لا نَنسـى</p>
<p>ولا نُنسى بعدها</p>
<p>&nbsp;</p>
<p><b>08 ديسمبر </b><b>2024</b><b> إلى مدينتي جبلة </b></p>
<p>&nbsp;</p>
<p><span style="font-weight: 400;">بينما تحاك لنا التّوقعات لنتصوّر جناناً ونخترع يوتوبيا خاصّة بنا، هل بإمكاننا أن نتوقّف لحظةً لنعيد كتابة سوريا الماضي؟ ماذا لو فكرنا بما يتجاوز الصّدمة وحديث التراومات؟ ماذا لو سمّيناها عملية تهميشٍ للذاكرة، وللذات على حدٍّ سواء، حتى</span> <span style="font-weight: 400;">نُجسّد ما مضى، فيما نجبر أنفسنا على نسيان أنّنا عشناه؟ </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">كسوريّين وسوريّات، نجد أنفسنا دوماً في موضعٍ غير مريحٍ في قصةٍ لا بداية واضحةً لها، تبدأ متأخرة، ومن الأسهل أن نعتبرها مأساةً أو بؤساً واقعاً أكثر من أن نفهمها بالكامل. لقد أصبحت ذاكرتنا، التي لوَّنَها الخوف وانعدام الثّقة والسّيطرة، ساحة معركةٍ، عالقةٍ بين ”إباحيّة الصّدمة“ والتكتيكات الحديثة للمحو والنسيان. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">سحابةٌ ممطرة تهيمن على عقولنا. ذكرياتنا تبدو حيّةً بالنسبة إلينا، لكنها غير مفهومةٍ لمن حولنا. نحن نعرف ما نعرفه، ولكن كيف نتذكّر حقاً؟</span></p>
<h3><b>ذاكرة</b></h3>
<p><span style="font-weight: 400;">عاشتْ ذاكرة المجتمع السوري مراحل مختلفة من التّشويه منذ بداية حقبة الأسد الأب، حافظ الأسد، في عام 1970 حتى لحظات الثورة الأولى في 2011 وإلى اليوم. خلال طفولتي ومراهقتي في سوريا لم اعتد على سماع أيّة إجاباتٍ وافيةٍ على أسئلتي، فقد كانت الإجابات محكومةً بسياسات الذّاكرة الجمعيّة، التي حاكتها نظريّات المؤامرة على الأمّة والقضيّة. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">يُنسَب مفهوم الذّاكرة الجمعيّة إلى الفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسي موريس هالبڤاكس (1877 ــ 1945) وقد اعتمد من خلاله تفسير فهم الأفراد للماضي وصلاته بالحاضر، ضمن عوامل محيطهم المجتمعي، ليصبح تكوين الذّاكرة والماضي الفرديين نتاج عوامل يوفّرها المحيط، مثلاً من خلال التّفاعل مع الآخرين واللغة والمكان والزمن بأبعادها السياسيّة. والذّاكرة الجمعيّة تمثل بدورها منظومةً تحوي جزئيّاتٍ منتقاةٍ من مجموع ذاكرات الأفراد، تترتب لتحكي ماضياً يتناسب مع واقعهما الحالي.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">حين أنظر الى سوريا الآن، يراودني سؤالٌ ليس بجديدٍ: كيف لنا أن نقاوم الحاضر في حضرة الصّراع الدّائم مع النّسيان والتناسي والتشويه؟ وذلك ليس على مستوى المجتمع السّوري في الدّاخل والخارج فحسب، بل دولياً وعربياً. </span></p>
<h3><b>هل من المسموح لنا أن نتذكّر وأن نسمّي الأمور بمسمّياتها؟</b></h3>
<p><span style="font-weight: 400;">ترتكز انطباعاتي عن الدّاخل السّوري على التأييد السّاحق الذي شهدتُه بين أهالي السّاحل السّوري لبشار الأسد. بعضهم من الجيرة والأقارب، وبعضهم من رفاق وزملاء مقاعد الدّراسة. ما بين النّقد والتّذمر من أوضاع المعيشة المتدهورة أبداً، تأتيك عبارات الولاء و الرّمادية على الدّوام. لكن المثير للاهتمام هو تعميم القناعات: نحن الأفقر، نحن الأضعف، نحن الخاسر الأكبر، نحن المستضعفون في هذه المعادلة. وبين الفينة والأخرى، تأتيك عبارات بعض من نكّل بهم الأسديّون، متردّدة تصوغ أفكاراً وطلاسم من دون معاني: الله يساعد الناس.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">كلٌّ يتذكّر ما يحلو له ويريح ضميره من تنغيصات الواقع أو من تحمّل المسؤوليّة تجاه ذاته والآخرين من حوله. السلبيّة السّياسيّة ليست الطابع الأول في سوريا، بل إنّه الخوف. الخوف والرّغبة في الخلاص من هذا الخوف هما محركٌ باطنيٌّ لحركات وسكنات الشعب. إمّا أن تكون جزءاً من جهاز الخوف أو من المتمردين على الخوف والخائفين! ثنائيّةٌ تتناسب مع بروباغندا النظام وأتباعه: الأسد أو نحرق البلد. في هذه العبارة اختبأت التهديدات الأولى &#8211; على الرغم من جديتها &#8211; أو قُوِّضت في الرواية الرسمية للنظام عن مكافحة الإرهاب: فانتازيا من العصور الوسطى عن حرق الأرواح الشريرة التي تعكر صفو المملكة المنيعة. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">أما الآن فها قد هرب الأسدهم وسوريا لا تزال جريحة. لكننا لم نهزم بعد.</span></p>
<h3><b>الذاكرة الهامشيّة</b></h3>
<p><span style="font-weight: 400;">قبل أو بعد السجن؟! أجاب قريبي مُدرّسةَ الرّوضة على سؤالها عمّا يريد أن يصبح في المستقبل. بعد سنوات قليلةٍ لاحظت أن هذه الذّاكرة العائليّة لم تعد موجودة لديه وكأنّ الصّمت المطلق قد حلّ مكانها. الذّاكرة الجمعية الأسديّة يحكمها الخوف من المجهول وسردياتٌ تشبه أفلام الأبطال الخارقين، يلعب فيها نظام الأسد دور البطولة على اعتباره القوة الوحيدة القادرة على مواجهة الامبريالية. وهكذا ليعزز فكرة أن أيّ تغييرٍ لا بدّ أن يكون جزءاً لا يتجزّأ من تلك الإمبريالية &#8211; التي تُهدّد سوريا &#8211; والتي ستؤدي حتماً إلى تدمير الأمة.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">الذاكرة الأسدية جعلت من صيحات الحريّة في شوارع البلد علامةً دالّة على هيمنة الغرب ومن التبعية لهام إشارةً من إشارات معسكر المقاومة و الصمود. هذا التشويه تجاوز حدود ايديولوجيا النّظام وإعلامه، كاشف المؤامرات، ليصبح فلسفةً حياتيّة يمكن معايشتها عن قرب في سوريا وكأنّها نُقشت على حمضنا النووي. حتى صغار صغارنا عاشوا ضمن هذه الذّاكرة يندبون خصماً لم يعرفوا منه سوى حكايات مدرّسي ومدرّسات مادة التّربية القوميّة أو لاحقاً التّربية الوطنيّة كما تمّ الاتّفاق على تسميتها. الآباء والرفاق أطلقوا على معتقلاتهم كود الأوتيل واختبأت بين تسمياتهم المستعارة سيرة الذّاكرة الهامشيّة. </span><span style="font-weight: 400;"> </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">من عادات المجتمع السوري، التّابعة لسياسات الذّاكرة الأسدية، السخرية من الألم وتجاهله إن لزم الأمر، وإن كان طابعه الحتميّ سياسياً. خلال سنوات غربتي الأولى لاحظت أن ردّ الفعل الوحيد لمعظم من التقيت بهم من أبناء جيلي كان المزاح غير المفهوم، أو السّخرية في حال الحديث عن تجربة السجن في أوساطنا العائليّة. نظراتٌ عديدة لاحقتني وغيري، غير مصدّقةٍ، عندما كنت استرسل بالحديث عن الوصمة المجتمعية التي عايشتها قبيل الثّورة مع عائلتي التي ضمّتْ معتقلين سياسيّين سابقين. نحن أبناء ذات الوقت ومعاصريه لسنا قادرين على التّذكر أو التّصديق. حالةٌ من الرّفض الداخلي تعمّ بيننا وكأنّ ذاكرتنا ألغت وجود ما سبقنا. في مراهقتي كنت أبحث عن تعليلاتٍ لخوفنا وصمتنا، حيث كان الخوف ومازال أكبر من الذّكرى والتّذكر. ولكن ما السبب الآن؟ هل هذه مجرد ردّات فعل؟ </span></p>
<h3><b>انتهى الأبد</b></h3>
<p><span style="font-weight: 400;">في آذار 2011 رددت أصوات الجارات ذات العبارات: كل عمرنا عايشين سوا وما كان في مشاكل. لطالما سألت نفسي من هم هؤلاء الذين عاشوا بسلام؟ و كيف كانت حياتهم هذه من دون مشاكل؟ وأيّة مشاكل؟ وأنا غير قادرٍ على تذكّر أيّ تفصيلٍ إلّا ليقودني إلى قصص السجون والمراقبة المستمرّة وكلمات الاعتداء.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">اسأل نفسي عن آلاف القتلى في مجازر حماة 1982، عن إقصاء الكورد عن السّرديات السّورية، عن المهجّرين في أنحاء العالم وخيم اللجوء، عن المغيّبين قسراً حتى الآن أو من غيّبتْهم قسوةُ المعتقل عن المشاركة في تفاصيل الحياة حتى بعد الإفراج الشكليّ، وعن كل من التزم سياسة الانكفاء على الذّات والرّفض بصمتٍ أو بصخب. </span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">كل هذه الحكايا تلفظها الذّاكرة الجمعية الأسدية ومَن تأثّر بها لتحكي قصص القائد مشيّد السّدود وحامي الثغور، وجنوده ضحايا المخرّبين والإرهاب، أو قصص ثورةٍ لم يكن لها ماضٍ معروف. حتى مصطلح الإرهاب لم يعد له معنىً واضحٌ في المعادلة السّورية، وذلك ليس بسبب عدم صحّته بل بسبب تعدد مصادره وأسبابه. وعلى سبيل الصّراحة لم يتوانَ النّظام عن احتلال المراتب الأولى في الإرهاب والقتل والتّدمير، مستخدماً مفاصل الدولة وميليشياته الدّاعمة، وحتى معونة روسيا وإيران. </span></p>
<h3><b>الذّاكرة المضادة </b></h3>
<p><span style="font-weight: 400;">سياسات الذّاكرة في الدّاخل السّوري تنتفض كل حين، ولا يمكن حصرها بسرديّاتٍ محدودةٍ دون أُخرى. حيث أنّ تنوّع المشهد السّوري، في المنحى السّياسي والدّيني والإثني، يعني تنوّع مشاهد القمع وسرديّاته. ولكنّ ذلك كلّه لا يمكن أن يغيّر من سرديّة النّظام القمعي، التي يتمّ اقصاؤها باستمرار من ذاكرة الحاضر. ذاكرةٌ تنسى مشاهد العنف، وتبرر حتى آليات القمع التي مارسها النظام ذاته.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">ويمتد هذا الإقصاء أحياناً إلى خارج سوريا، ليطال الكثيرين خارج البلاد ومن مختلف الأطياف السّياسية، حيث تتنافس الرّوايات على اختلافاتها وتطغى على الذّاكرة السّياسية والثّورية في السّياق السّوري. لذا، فإنّ الذاكرة المضادة ضرورةٌ لا بدّ منها، تختبئ في أسئلة الأطفال وصيحات المظاهرات. وهنا يوفر نهج المقالة أو ما يعرف بالمقاليّة Essayism أداةً مرنةً لبناء هذه الذاكرة المضادة، فهو بطابعه التأمليّ والاستكشافيّ يمزج بين وجهات النظر الشخصية والاجتماعية والسياسية والتحليلية، التي أراها اليوم ضرورةً لتكوين هويتنا الجمعية.</span></p>
<p><span style="font-weight: 400;">توجد ذاكرةٌ حيّةٌ تقاوم الجمود، قد كبتتْها أيديولوجيّة نظام الأسد بشكلٍ متقطّعٍ، فقط لتشقّ طريقها من جديدٍ في محاولاتٍ يائسةٍ. ومع سقوط الأسد اليوم، لا يمكننا إنكار كون ذلك تمرداً كاملاً على شتّى سرديّات نظامه وعلى توقّعات الأطراف السّياسية المتعدّدة في سوريا. أيضاً، نواجه اليوم تحدياً إضافيّاً في تكوين دورنا الفعّال في مواجهة القوى الخارجيةالإمبريالية المتدخّلة في شؤوننا، من دون أن تعمينا نشوةُ التّغيير عن الواقع. من الأكيد أننا لا يمكننا وضع ثقتنا الكاملة في الأطراف التي لعبت أدواراً وحشيّة في الحرب التي شُنّت على أجساد الثّورة. ومع ذلك، يبقى الحفاظ على الأمل واجبنا الأخلاقي للحشد والتّنظيم، وضمان تحقيق تغييرٍ سياسي للجميع.</span></p>
<p>&nbsp;</p>
<hr />
<h6 style="text-align: right;" data-start="0" data-end="111"><strong>كُتب هذا النص قبل فبراير 2025.</strong><br data-start="30" data-end="33" /><strong>النص جزء من ملف “<a href="https://untoldmag.org/ar/category/archive-writing-ar/">أبدٌ يتفكك</a>“، من إعداد وتنسيق فيرونيكا فيريري وإنانا عثمان.</strong></h6>
<p style="text-align: right;"><strong><img loading="lazy" decoding="async" class="wp-image-79463 size-full alignleft" src="http://untoldmag.org/wp-content/uploads/2025/05/Screenshot-2025-05-23-at-12.50.11 p.m.png" alt="" width="132" height="82" /></strong></p>
<h6 style="text-align: right;" data-start="113" data-end="169"><strong>الملف ثمرة تعاون بين “Archivwar” و”Untoldmag” و”<a href="https://www.arabpop.it/" target="_blank" rel="noopener">Arabpop</a>“</strong></h6>
<h6 style="text-align: right;" data-start="171" data-end="196"><strong>التنسيق البصري: غريغ أولا</strong></h6>
<h6 style="font-weight: 400; text-align: right;"></h6>
<p>&nbsp;</p>
<h6 style="text-align: right;"><span style="font-weight: 400;"><img loading="lazy" decoding="async" class="wp-image-79465 alignleft" src="http://untoldmag.org/wp-content/uploads/2025/05/Screenshot-2025-05-23-at-12.50.27 p.m-300x97.png" alt="" width="254" height="82" srcset="https://untoldmag.org/wp-content/uploads/2025/05/Screenshot-2025-05-23-at-12.50.27 p.m-300x97.png 300w, https://untoldmag.org/wp-content/uploads/2025/05/Screenshot-2025-05-23-at-12.50.27 p.m.png 438w" sizes="(max-width: 254px) 100vw, 254px" /></span></h6>
<h6 style="text-align: right;" data-start="282" data-end="555">حصل هذا المشروع على تمويل من برنامج الاتحاد الأوروبي “هورايزون أوروبا” للبحوث والابتكار، في إطار اتفاقية منحة “ماري سكلودوفسكا-كوري” رقم 101064513 تحت عنوان:<br data-start="439" data-end="442" /><strong data-start="442" data-end="526">“ARCHIVWAR – الأرشيف في زمن الحرب: عائلات متفرقة وماضٍ يتلاشى في سوريا المعاصرة”</strong>، بتمويل من الاتحاد الأوروبي.</h6>
<h6 style="text-align: right;"></h6>
<h6 style="text-align: right;"><span style="font-weight: 400;"><img loading="lazy" decoding="async" class="wp-image-79467 alignleft" src="http://untoldmag.org/wp-content/uploads/2025/05/Screenshot-2025-05-23-at-12.50.19 p.m-300x105.png" alt="" width="240" height="84" srcset="https://untoldmag.org/wp-content/uploads/2025/05/Screenshot-2025-05-23-at-12.50.19 p.m-300x105.png 300w, https://untoldmag.org/wp-content/uploads/2025/05/Screenshot-2025-05-23-at-12.50.19 p.m.png 388w" sizes="(max-width: 240px) 100vw, 240px" /></span></h6>
<h6 style="text-align: right;" data-start="557" data-end="754">الآراء والمواقف المعبر عنها في هذا المشروع تعود حصريًا للمؤلفين ولا تعكس بالضرورة آراء الاتحاد الأوروبي أو الوكالة الأوروبية التنفيذية. ولا يتحمل الاتحاد الأوروبي ولا الجهة المانحة أي مسؤولية عنها.</h6>
<h6 style="text-align: right;"></h6>
<p>The post <a rel="nofollow" href="https://untoldmag.org/ar/life-lived-without-memory-together/">حياة عشناها دون ذاكرة، ولكن معا</a> appeared first on <a rel="nofollow" href="https://untoldmag.org/ar/">Untold</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
	</channel>
</rss>
