في لحظة الإبادة
منذ بدء حرب الإبادة على شعبنا أصبح الشرّ المطلق عنوان اللحظة التاريخية التي نعيشها.
تؤثّر الإبادة المستمرّة في غزّة في المشهد العالميّ كلّه، وما بعدها لن يكون كما قبلها؛ لا في غزّةَ فقط، وإنما في العالم أجمع. لحظة غزّة فارقة في التاريخ؛ حيث تدفع هذه اللحظة الإباديّة بجموع المثقفين إلى إعادة النظر بمفاهيمهم وأفكارهم وقيمهم ورؤاهم، كما تتحداهم في تحديدهم أولوياتهم وتراتبيّات القضايا والأسئلة التي تشغلهم في الشأنين العامّ وربما الشخصي كذلك. كما وبنفس القوة باتت تهزّ وجدانهم.
تحوّلت كل قضية أخرى غير غزّة، بالرغم من أهميتها، إلى صغيرة وغير مستحِقّة؛ فأمام ماكينات القتل والتجويع والتدمير والتهجير، وأمام سحق الأجساد وتقطيع الأطراف والأوصال وقطع الماء والغذاء وكلّ سبل الحياة عن شعبنا في غزة، وأمام مشاهد تعذيب وتجويع أسرانا وأسيراتنا الصامدين تصغر الكبائر. منذ بدء هذه اللحظة، المستمرّة منذ ما يقارب السنتين، والتي همشّت كل ما دونها وجعلته يبدو حقيراً بالرغم من أهميته، وجدت نفسي وربما كما مئات الملايين من أحرار وحرّات العالم نخجل من الخوض بأي قضية أخرى في الشأن العام. نخجل، لكن مع الأسف، لم تخجل أيٌ من الموبقات الأخرى ولم يخجل مرتكبوها داخل مجتمعنا. الجريمة المنظمّة في الداخل الفلسطينيّ لا تزال مزدهرة، والفساد أيضاً، والعنف الجنسيّ يتفشّى بقوّة وعنجهية و”سرية” مكشوفة أمامنا. فإذا أجّلنا معالجة الجريمة المنظّمة لن يتوقف تصاعدها من تلقاء نفسه، وإذا تجاهلنا قضايا الاعتداءات الجنسية لن تتوقف؛ ما جعلني أعود لأفتح هذه القضية وهذا الملف.
مدخل
لن تتناول المقالة قضية الاعتداءات الجنسية نفسها، بل النقاشات المتعلِّقة بها وتلك التي تدور في فلكها والتي لا تقلّ أهمية عنها، وبشكل خاص الاختلافات في معالجة بعض تبعاتِها. من أجل ذلك، سوف أعود للحملة التي بادَرَتْ إليها نهاية عام 2019 جمعيّة السوار النسويّة الفلسطينيّة ومقرها حيفا، التي تعمل على محاربة ظواهر العنف الجندري عامة، والاعتداءات الجنسيّة على النساء على وجه الخصوص. كان عنوان الحملة “كل يوم شهادة“، تناولت قضايا الاعتداءات والتحرّشات الجنسيّة عموماً، ومن قبل شخصيّات عامّة على وجه الخصوص.
كمدخل للنقاش ومن اجل محاولة مقاربة تبعات القضية موضع النقاش، سوف استعين بعملين دراميين أثرت بي مشاهدتهما، حيث لمسا ما يجيش بفكري وبمشاعري: الأول عمل أمريكي سأتناوله باقتضاب والثاني مسلسل عربي مصري سوف أتعمق به أكثر. رغم اختياري لعمل درامي أجنبي، يعالج سياق ثقافي مختلف عن منطقتنا العربيّة، ورغم الاختلاف في الكثير من القيم الاجتماعية بين الثقافتين، الا ان الموقف النسوي في هذه القضايا قاطع للجغرافيا والسياقات السياسية وكذلك التجربة الإنسانية والوجدانيّة متشابهة.
وفي حين السياق الثقافي شبيه سواء كنا في فلسطين او مصر او دولة أخرى، فإنّ التجربة الفلسطينية بكونها فاعلة في سياق استعماري يقابلها نضال وطني يرفع من مستوى الحساسية حين التعامل مع هذه القضايا؛ حيث من ناحية مؤسسات تنفيذ القانون هي جزء بنيويّ من المؤسسة الحاكمة وثانيا بعض هذه القضايا تحدث داخل الحيز السياسي والثقافي الوطني. ولكن كما اشرت التجربة الإنسانية والوجدانيّة في جميع الحالات متشابهة.
في شرعيّة الاختلاف
رافقت تلك الحملة نقاشات حادّة بين الناشطات النسويّات الفلسطينيات في مناطق ال 48، عكست اختلافاتٍ في وجهات النظر. لاحقًا، انقطعت النقاشات وبقي الاختلاف دون أن يجد له مسارًا آمنًا للحوار على الرغم من أهميّته وشرعيّته. طَرَحت تلك النقاشات وبشكل ضمنيّ، فضلاً عن الاختلافات، بعض الأسئلة التي ظلّت دون إجابات أو بالأحرى قدِّمت لها إجابات مختلفة بشكل مستقطب، دون تبنّيها بعد ذلك من قبل أي منصة نسويّة حواريّة لتعالجها، أو لتقرّ على الأقل بتعقيداتها. لم يكن ذلك ناتجًا بالضرورة عن تمترس الناشطات والقياديّات النسويّات في مواقفهنّ أيديولوجيٍّا، لكن ربما نتيجة للاختلاف الناتج عن تجارب مختلفة خاضتها الفواعل النسويّة خلال الحملة، ومعايشتهن لمشاعرَ مختلفة نتج عنها حسّاسيات لاعتباراتٍ مختلفة.
لكن المؤكد أنّنا نخشى الخوض في الموضوع لكونه قد يطرح اختلافات، ما أن تظهر حتى تتطّور الى خلافاتٍ نحن لسنا جاهزاتٍ للخوض بها، وربما لا نعرف أصلاً كيف يمكن أن نخوض النقاش حولها. وهذا ليس اتهاماً أو لوماً، بل إشارة إلى أنّنا لم نخُض النقاش حولها بها لأننا اعتقدنا، ولا نزال ربما، نعتقد انّه يفترض بنا اعتماد رأي واحد وحيد حولها. لاسيّما لكونها تمسّ ” قدس أقداس “منظورنا النسويّ، أي سؤال الجسد.
نحن نُجمع، أو يفترض بنا، قيميًا على أهميّة الدفاع عن كرامة الجسد وعن سيادة صاحبته وصاحبه عليه. هذا المبدأ كان من الأبجديّات الأولى التي تعلّمناها مع بداية وعينا النسويّ، وعندما بدأنا طرح مشروعنا النسويّ. إذ أكدنا، ومنذ اللحظة الأولى، على أولوية كرامة المرأة وجسدها وحقها في الحياة داخل منظومة اجتماعيّة عادلة، خالية من الذكورية ومن العنف والجنسيّ منه على وجه الخصوص.
خلال مسارنا النسويّ تحدّانا السياق التاريخي والسياق السياسيّ، وخلاله تعلّمنا أولاً من خلال قراءاتنا واشتباكنا مع الأطر المعرفيّة النقديّة، وثانيًا على أجسادنا، بأنه لا يكفي التأكيد على رفض المفاضلة بين النسويّ والوطنيّ والدفع بمساري النضال معًا، وإنّما بتنا نصرّ على أهمية فهم تشابك البنى القمعية معًا ومحاربة ما يفرزه تشابكها. انطلاقاً من هذا الوعي، نزعنا ” القداسة” عن ” الرجولة الوطنية”، لإدراكنا أنّ الرجال في الحركة الوطنيّة غير معصومين عن ممارسة القمع الذكوريّ، وأحيانًا ولا حتّى النساء داخلها.
رغم المسيرة التي خضناها معًا وطورنا خلالها تفاهماتٍ أو ربما ثوابتَ غير مكتوبةٍ، لا تزال بيننا خلافات لم نخُض النقاش حولها ولم نعط شرعيّة لمجرد وجودها. من بين هذه الخلافات القضيّة التي طرحتها أعلاه، ما يحوجني لنقاشها إلى الاتكاء على معالجة أعمال دراميّة نجحت بأن تلمسَ فكريًّا ووجدانيًّا ما يختلج بعقلي وبصدري. لتعينني من ناحية على طرح مجادلتي، وعلى التعبير عن مشاعري من ناحيةٍ أخرى.
ورغم أن هذه النقاشات خرجت من سياق فلسطينيات الداخل، إلا أنها ليست محصورة فيه؛ فهي تتقاطع مع تجارب نسويّة في العالم العربي وفي أماكن أخرى من العالم، حيث يطرح العنف الجنسي وأسئلة الجسد ومشروعيّة الاختلاف في مقاربته تحدّيات مشابهة، ما يجعل هذه القضية فلسطينية وعربية وعالمية في آنٍ معًا.
الدراما مَدخلًا
شاهدت خلال العام المنصرم مسلسلًا أمريكيا اسمه “العرض الصباحيّ” (The Morning Show)) تناول بشكل مركزيّ موضوع التحرّشات الجنسيّة من قبل شخصيّة عامّة، وفي بعض حلقاته قدّم مقاربة مهنيّة ونسويّة إلى حدّ ما في الموضوع. ربما لم تكن نسويّة وفق معاييرنا الصارمة، وربما ليس حتى وفق معاييرنا غير الصارمة، إن صحّت التعابير. لكن المؤكد أنّ الحلقات الأولى لهذا المسلسل نجحت في لمس العلاقات الإنسانيّة والمشاعر المركبّة التي تحيط بقضايا الاعتداءات الجنسيّة. حيث تناولت المتحرشّ كمعتدٍ وكمرتكبٍ لجريمة، ولكن كإنسان وزميلٍ وصديقٍ كذلك. حيث الإعلاميّ المتحرش في هذا المسلسل، الذي أدّت بطولته الممثلة “جنفر انستون “، هو في نفس الوقت زميل وصديق لبطلة المسلسل؛ يعيش معها يوميًا في الاستوديو ويتشارك معها في تجاربَ يوميةٍ، وفي علاقة طويلة الأمد تخللتها كما علاقات الصداقة المودّة، الدعم، والمزاح، والتكافل وأحيانًا بعض الارتباك.
مؤخراً، شاهدت المسلسل الدرامي المصريّ “لام شمسية” (2025) للكاتبة مريم نعّوم والمخرج كريم الشنّاوي، والذي تناول موضوع الاعتداءات الجنسية عموماً، والاعتداءات الجنسية على الأطفال خصوصاً. قدّم المسلسل طرحاً رائعاً في قضيّة هامّة من حيث تعامله معها سياسياً في إطارٍ نسويّ، وكذلك تعامله معها مهنياً وإنسانياً، وفي معالجته الدرامية كذلك.
قدّمت الكاتبة عملًا يحترم عقولنا أولاً، وقلوبَنا ومشاعرَنا ووجداننا ثانيًا. كذلك حاول لمس علاقة قصصية كهذه بتركيبتنا النفسية وفي علاقاتنا الأسريّة والاجتماعيّة والإنسانيّة، في ظل بنىًّ اجتماعيّة وثقافيّة مهيمنة تفرض نفسها علينا. ساهم العمل بتقديم ظاهرة الجرائم الجنسيّة بالصورة التي تضع الضحيّة والناجي أو الناجيّة في المركز. أظهر لنا بصدق وبعمق آلام الضحايا وارِتباكاتهم في طفولتهم، بالتوازي مع تناوله للآثار المتراكمة كطبقات في أجسادهم وفي نفوسهم وذاكرتهم واحلامهم ومخيّلاتهم؛ طالما لم تحظَ تلك الاعتداءات بمعالجة مهنية أولًا ومنصِفة ثانيًا.
قدّم المسلسل إسهاماً هامّاً من خلال طرحه ظاهرة تشكّل جرحًا عميقًا يعيشه الملايين من الأطفال والنساء والشباب والكهول، لحساسيّة العالية، وثانياً لأنّه عرض مسارًا ليس سهلاً تخلّلته العديد من التحدّيات، إلّا أنّه وصل في النهاية إلى انتصار” الحقيقة” والعدل، أو لنقل “العدل النسبيّ التعويضيّ”. خلال هذا المسار، دعمت العائلة طفلها وقام بعض المهنيّين بأدوارهم وقامت المنظومة القضائيّة بالحد الأدنى المطلوب منها. فالاعتداء يؤلم الضحيّة ويقهرها والشعور بالظلم يزيد من ألمها، لكن ما يؤلمها أكثر ويحبطها ويعود عليها بتجربة الاعتداء مجددًا وبالندم والإحباط والتدهور النفسيّ، هو خوض مسار مقاومة من قبل المعتَدى عليها أو عليه، وثم خسارة قضيّته قانونيًّا او أو أسريًّا او مجتمعيًّا. حين تختار الضحية أن تقف من أجل نفسها، تمرّ عبر مسار قاسٍ جدًا وطويل يشوبه الكثير من الآلام والكثير من الأمل. وبالتالي، فإنّ الفشل في هذه المعركة العادلة قد يحبط من يخوضها للأبد وقد ينهار. الأنكى من كل هذا، أنّ هذا الندم قد يحبط الأخريات والآخرين وقد يخيف كل مَنْ وضع أمله في الأصوات التي تحاول المقاومة و”الكشف” عن نفسها و”السرّ” الذي يُفترض أن يُخجِلها بالرغم من أنّه يفترض أن يُخجِلَ المجرم الذي أحدثه، أو على لسان إحدى حملات جمعيّة السوار: “هو اللي لازم ينخزي”.
نجح “لام شمسيّة” في خوض هذا التحدّي من خلال إنتاج مسلسلٍ دراميٍّ من خمسة عشر حلقة. قامت ببطولته الفنانة الجميلة أمينة خليل، التي قامت بدور نيلي، والتي كسرت من خلال حجابها أفكاراً نمطية تتعلق بربط الموقف الحرّ والنسويّ بطريقة الحياة التي نحب ربّما بشكل استحواذي أن نسمّيها “علمانية”، والتي يعتبر غياب الحجاب من أهمّ رموزها. قوة الكتابة، والإخراج، والتمثيل، لم تقتصر على اختيار بطلة تلبس حجاباً، لكنها تكمن بالأساس في قدرة العمل على جعل الحجاب تفصيلاً قد يلفت النظر في الحلقة الأولى ليغدوَ غير مرئيٍّ نهائيًّا خلال حلقات المسلسل. إذ تظهر البطلة في دور الأم والزوجة والمعلمة والضحيّة، وثم المقاوِمة والناجيّة والمدافِعة بكل قوتها عن طفلها وعن طلّابها؛ فلا يرى الُمشاهد ولا يهتّمّ أصلا بشكل شعرها أو بغطاء رأسها، رغم الحضور القوي لوجهها، ولتعابيرِه الجميلة، والقويّة، والغاضبة.
في ظل استمرار الاعتداء وغياب الحوار
لن يتّسع المقال للخوض في جميع محاور هذا العمل، لكن استوقفتني في سياق المقالة بعض القضايا التي عبّرت عنها بعض مشاهد هذا العمل بصدقٍ وحساسيّة، ولكن بإنسانية كذلك. حين أظهرت تلك المشاهد المجرم بصورته الإجراميّة الكاملة كمجرم يعتدي جنسيًّا على أطفالٍ قاصرين، ولكنها أظهرت في نفس الوقت صديقه الحميم الذي يحبّه وأظهرت المجرم نفسه في دوره كأبن غالٍ على أمّه وكأستاذٍ له مكانة بين طلاّبه وكأبٍ حنون وداعمٍ لابنته. يُظهِر المسلسل بشاعة الاعتداء الجنسيّ على الأطفال وبشاعة المجرمين خاصة حين اعتدائهم على منْ يفترض أن يكونوا مؤتمَنين عليهم، لكنه يظهر كذلك كل ما يحيط بتلك الجريمة من تبعاتٍ على ضحايا المعتدي وعلى عائلة الضحايا، ولكن كذلك على عائلة المعتدي نفسه بكونها هي الأخرى ضحيّة إضافيّة للمعتدي.
أشرت أعلاه أنه كان من الأسهل عليّ الاتّكاء على أعمال دراميّة، لأفتح مجددًا هذا الملف الصعب. ولا أقصد ملف الاعتداءات الجنسيّة عمومًا حيث نخوضه كحركة نسويةّ منذ أكثر من ثلاثة عقود؛ وقد أقمنا خطوط طوارئ ومشاريع تثقيفية وتوعوية كثيرة. وتقوم الأطر النسوية جميعها بجهودٍ عظيمة في الدعم والتوعية والمرافَعة بهذه القضايا. لكن، وعلى الرغم من اتفاقنا على القيم المتعلقة بالاعتداءات الجنسية على أنواعها، لا نزال نعيش تحدي التعامل مع ما يحيط بهذه القضايا ومع تبعاتها.
منذ انتهاء حملة “كل يوم شهادة”، لم نجرِ، نحن الناشطات الفلسطينيّات، أيّ حوارٍ آمن حول اختلافاتنا التي لم تكن على المبدأ النسويّ، وإنما تعلّقت أحياناً في تشخيص قضية عينيّة أو في طريقة معالجتها. لم نفِ النقاشَ الذي بدأناه حقًّه، لكنّ التحرش والاعتداءات الجنسية لا تزال تحدث من حولنا، لا سيّما تلك التي ترتبط بأصدقاءٍ لنا، أو أقرباء، أو زملاء في العمل، أو في الحركة الوطنيّة أو في المجتمع المدني؛ والتي قد ترافقها مشاعر مختلَطة. لكنها بكل الحالات عادت لتكون مخفيّة، اعتداءات كانت أو تهمًا أو شُبُهات.
ختامها دعوة
من المؤكد أن هنالك قضايا ليست سهلة وقد تكون صعبة، وقد لا نملك أحيانًا حلولًا لها. قد نخوض معركة خاسرة وقد نربح مقابلها قرارًا هامًّا ينصف امرأة وينصف موقفًا وقد ينصف مقولة مهمة، لكنه قد يحمل في نفس الوقت تبعاتٍ قطعًا لسنا نحن المسؤولات عنها، لكننا لن نستطيع إدارة وجوهنا لها. وذلك بسبب: أولاً، لأن تبعاتها قد تخصّ أناسًا يخصوننا، ثانيا، لأنّها قد تؤثر في علاقاتٍ ودينامكياتٍ نحن جزء منها، وثالثًا، لأننا بشر وقد نتأثّر شعورياً، ورابعًا لأننا قد نخاف ونضعف. قد لا تدخل مشاعرنا الشخصية في تقييمنا لقضيّة معينة أو في سلطتنا التقديريّة حين نتخذ قرارًا، لكن قد يرافق مسار فضح أو وقف الاعتداء أو محاكمة المعتدي جرحاً لمشاعر من هم أقرباء لنا ونحبّهم ولا ذنبَ لهم، لأن الحياةَ في أبسطِ تعبير لها مركّبة وفي تعبير آخر قاسية ولعينة. خلال السنوات طُرِحت أمامنا أسئلة معقدة مثل؛ هل نصدق جميع النساء؟ هل التصديق المطلق هو معيارٌ للنسويّة؟ هل الاعتداءات الجنسية هي أكبر الجرائم؟ كيف نتعامل مع مشاعرنا في قضايا اعتداءات يرتكبها أشخاص نعمل معهم أو أقرباء لنا أو من نحبهم؟ وهل يمكن أن نفتح مسارًا للمسامحة بعد العقاب؟ وأخيراً، هل يمكن لخطابنا النسويّ أن يستوعب التردّد؟ الخوف؟ العجز؟ التناقضات؟ وهل يجب أن نحلّ جميع التناقضات لنبقى نسويّات؟ انطلاقا من منطلقات ثلاثة: أولها الولاء للقضيّة العادلة، وثانيها الاعتراف بإنسانيتنا وما نحمله من مشاعر معقدة، وثالثها ضرورة الرفق بأنفسنا والتسامح مع الاختلاف وحتى مع الخطأ، أرى أنه من المهم أن نلتقي النسويات لنتحاور حول الفيلة الموجودة في غرفتنا، في بيئة نسويّة حاضنة ومحِبّة ودافئة تحمينا وتسمح لنا أن نسأل أسئلة صعبة وأن نقدم، أحياناً، إجاباتٍ خاطئة.
لا تقتصر دعوتي هذه على النسويّات الفلسطينيّات، ولكني أدعونا في الحركة النسويّة العربيّة إلى خوض تلك الحوارات التي تعنينا جميعنا وعشناها وما زلنا نعيشها جميعا في سياقاتنا المختلفة.







