• النشرة البريدية
  • ادعمونا
  • مشاركات
Untold mag
  • ملفات
  • حكاية
  • في العمق
  • مرئي
  • تعليق
  • مراجعة
  • محادثة
No Result
View All Result
  • ملفات
  • حكاية
  • في العمق
  • مرئي
  • تعليق
  • مراجعة
  • محادثة
No Result
View All Result
Untold Mag
No Result
View All Result

في صمت أمي البوسنيّة… حكايةٌ عن غزة 

ربما ما أعادني للنقاش مع أمي هو أنني كنت أبحث عن أمل، عن ناجٍ من "المستقبل" ليقول لي إن لهذا الكابوس نهاية، أيّة نهاية كانت، أشاركها مع اصدقائي بعد أن فقد الكثير منهم الأمل.

سارة الخطيب سارة الخطيب
اغسطس 12, 2025
in إبادة جماعية في فلسطين, الممارسات والأفكار النسوية, تعليق, جندر, حكاية
Bosnia Palestine Gaza Mother
Tags: Featured 2Resistanceإبادةاسرائيلالبوسنة والهرسكتضامنحربحزنغزةفلسطينمهجرنزاعهجرةهوية

قاطعتني أمي فجأة، ونحن نتحدث على الهاتف، لتقول: ‘نسيت أشتري أغراض للبيت… ما عنا غير تونة.’ 

صمتُّ. كنت أعلم تمامًا كم تكره التونة — ليس لأن طعمها سيء، بل لأن رائحتها تُشبه رائحة الحرب. في تلك اللحظة، لم تكن أمي تتحدث عن التونة، كانت تتحدث عن الذاكرة.

منذ بداية الحرب على غزة، أصبح النقاش حول الوطن، والتضحية، والمقاومة، والتخلي، والنزوح — الذي لطالما كان صعبًا فلسطينيًا — أكثر صعوبة، خاصة بين الفلسطينيين، الذين وجدوا أنفسهم أمام أسئلة جديدة لا تتعلق فقط بالاحتلال والحصار، بل تمتد إلى الإبادة، والمجاعة والتهجير. لذلك، ناقشت أمي وهو نادرًا ما يكون مؤشراً جيداً، وأنا واعية تمامًا أنها ليست فلسطينية، رغم أنها عاشت في فلسطين لأكثر من عشرين عامًا. ناقشتها كشاهدة على إبادة بينما ناقشتني كناجيةٍ منها.

كثيرًا ما كانت أمي تُغضبني في مراهقتي. كانت دائمًا تختلف معنا — أنا وإخوتي — في آرائنا الراديكالية، اليمينية منها واليسارية، إذ تحاول جهدها – في كل نقاشٍ سياسي بيننا- أن تسحبنا إلى منتصفٍ لا نؤمن بوجوده، ولا نعتقد أنه يتسع للفلسطينيين، كانت دائمًا تقول: “حاولوا تشوفوا الصورة الأكبر والأبعد.” وما إن نواجهها برفض — راديكاليّ أيضًا — حتى تجدد نداءها، مع إضافة بعض العبارات باللغة الصربية لا مرادفات لها بالعربية.

أظن أن لجوئي لأمي في النقاش قبل عامين كان جزءًا من عادة تعلمناها في صغرنا؛ أن نسأل أمهاتنا عن أيّة ظاهرة لا نفهمها في العالم. ثم كبرت قليلًا، وظننت، كما يظن المراهقون جميعًا، أنني فهمتُ كل شيء، فتوقفت عن سؤال أمي، وبتُّ أتهرّب من نقاشات الوطن وقضاياه معها. فأنا أعلم أننا لن نتفق سواء أتحدثنا بالعربية أم الصربية!

ربما ما أعادني للنقاش مع أمي هو أنني كنت أبحث عن أمل، عن ناجٍ من “المستقبل” ليقول لي إن لهذا الكابوس نهاية، أيّة نهاية كانت، أشاركها مع اصدقائي بعد أن فقد الكثير منهم الأمل. وأمي كانت تمثل هذا المستقبل، بعد أن رأت نهاية حربٍ استمرّت خمس سنوات، بما فيها من المآسي والموت.

كانت ماما “صبية” حين اندلعت الحرب في البوسنة عام 1992. وعلى الرغم من رفضها التام مناقشة حربٍ أكلت من عمرها خمس سنوات، إلا أن هناك ما كان يظهر في تفاصيل صغيرة— كانت توفّر المياه في كل شيء، من الطبخ إلى التنظيف، وكانت لا تحب متابعة الأخبار على التلفزيون، وتعامل الجميع بلطفٍ زائد، خاصة من لا يستحقون ذلك. وكأنها تحاول أن تُقنع من حولها، خاصة أنا، أن الدنيا لا تزال بخير، وأن أسوأ الناس يمكن أن يجدوا من يعاملهم بلطف. وأن شرّ العالم كله، لو وقف على بابها، لعانقته وأعادته إلى هذا العالم حبًا.

لم أكن أحب ذلك في أمي (وأنا لا أحب أحدًا بقدر ما أحبها). كلما أشرتُ إلى عدم منطقية استحقاق الجميع للحب، كانت تبتسم وتقول: “نحن نأخذ ما لا نستحق من الألم، فلِمَ لا نأخذ ما لا نستحق من الحب أيضًا؟” لم أفهمها. وأغضب كلما أراها لا ترد على الأذية بأذية. كانت ترد عليّ: “أنا مرتاحة هكذا.” فأغضب أكثر، كيف لها أن ترتاح قبل أن ترد الصاع صاعين؟! كنت أخاف أن يراها العالم ضعيفة، فيزيدون أذيتهم لها. هو لا يراها قويةً مثلما أراها، أنا التي أعلم قوتها، تساءلتُ كثيرا، لماذا تريد اخفاء قوتها؟

كنت استدرجها إلى موضوع الحرب من أجل اختبار نظرية هاويةٍ في تحليل النفس، أو أرى نفسي كذلك. سألتها عن الحرب في البوسنة عشرات المرات، ونجحتْ — كما الأمهات — في التملص من الإجابة. تقول: “كأنو سمعت تلفوني بيرن!” وتخرج من الغرفة، أو تقول: “كانت صعبة” ثم تنقل الحديث إلى مكانٍ آخر يضمن عدم العودة إلى موضوع “التابو” هذا.

ولأني كنت في حينها باحثةً متدربة، مازالت تؤمن بأخلاقيات البحث، توقفتُ عن سؤالها. أوضحت أمي بالصربية ثم بالعربية، أنها لا تريد الحديث عن الحرب في البوسنة أو الإبادة. احترمت رغبتها وأخرجتها من دراستي. سافرت إلى البوسنة أبحث عمن يجيبني عن السؤال ذاته: كيف يعود الناس إلى الحياة الطبيعية بعد أن يختبروا أبشع صور الموت — الإبادة؟ 

بحثت عن الجواب في البوسنة لمدة عام،  تحدثت فيه مع الكثيرين، من العائلة والأصدقاء والخبراء، الصغار والشيوخ، من كل الطوائف والأديان، لكني لم أجد جوابًا عند أحد. قررتُ وقتها ترقية نفسي إلى باحثةٍ أكاديمية متمرسة، تتخلى عن أخلاقيات البحث وعدت أضغط على أمي كصحفيةٍ مزعجة لا تقبل رفض طلب إجراء المقابلة. كنت مؤمنةً أنها تملك الإجابة على سؤالي، و لا تريد مشاركتها معي. ونسيت، كما ينسى الأطفال دومًا، أن من حق الأمهات ألا يشاركوا كل شيء مع أطفالهم. لم أعتقد في حينها أن ذلك من حقها. 

على الرغم من إلحاحي، لم تنجح أيٌّ من محاولاتي في استدراجها للحديث. وأدركت أخيرًا أنني لن أرى الحرب يومًا بعيون أمي.

***

عندما بدأت الحرب في غزة، أتعبتني النقاشات الفلسطينية التي عادة ما تنتهي بمشاجرة، فذهبت إلى أمي. وكأن حالة عدم اليقين أعادتني إلى عمر الخمس سنوات في متجر بقالةٍ كبير، تبدو كل أروقته متشابهة. أتصل بها يوميا، واتفادى الشجار، والحديث عن الحرب، فلا يسقط مني شيئ إلا سهوا.

الحوار الأول – اليوم الرابع منذ بدء الحرب

قلت: أعلنوا أهداف الحرب.

قالت: هناك أهداف أخرى، لن يُشاركها أحد مع المساكين الذين يُذبَحون الآن، لكنها ستصنع من جثثهم طريقًا إليها. لا أدري ما الهدف، المال ربما، أو البترول. أعتقد أن الحروب كلها سببها المال أو البترول، أو الاثنين معًا. ستصبح لحياة الإنسان ثمن، وسينخفض بسرعة رهيبة. هناك عرضٌ كبير على حياة أكثر من مليوني شخص، والطلب مهما ارتفع، لن يصل إلى حجم هذا العرض. وعليه، ستنخفض كلفة حياة الإنسان.  

قلت: وكيف لا تنخفض؟  قالت: تنخفض لا محالة… لا أريد الحديث عن الحرب، رجاءً…

شرحت أمي لي الأمر كما لو كان معادلةً في محاضرة “مقدمة في الاقتصاد”، أزعجني الحديث، ربما لأنني لم أحب محاضرات “سنة أولى” أبدا.

 المؤكد أننا لم نكن في حينها، بعد، نعدّ الشهداء أرقامًا ولم نكن نراهم جزءاً من معادلةٍ رياضية يمكن شرحها بهذه البساطة أو الاختصار.

تراجعت عن الضغط على أمي، كنت متأكدة أنها اضطرتْ للحديث عن الحرب في أكثر من مناسبة في ذلك اليوم وكنت، بكل صدق لا أريد أن أزعجها. أما أمي فقد عاملتني كما تعامل الغرباء حين يضطرونها الى النقاش حول الحرب- بعيدا عن تفاصيل حياتها أو تجربتها في حرب البوسنة. أعتقد أنها في حينها كانت تتمنى أن تتوقف الحرب قبل أن تضطر لمناقشتها.

***

الحوار الثاني – 93 يوم منذ بدء الحرب

قلت: كيف للإنسان أن يقتل إنسانًا بهذه الوتيرة وبهذه الطريقة؟ ليسوا ببشر!

قالت: هم يقولون الشيء ذاته، “الفلسطينيون حيوانات بشرية، مش بني آدمين.”

شعرت أنني انزعجتُ من ردّها، تداركت الموقف وقالت بسرعة: أعتقد أنهم خائفون فحسب، الخوف… سيفاجئك دائمًا يا سارة. الإنسان الخائف والجائع، يُجرّد من أخلاقه وصفاته وشخصيته، ولا يبقى منه إلا إنسانٌ خائف أو جائع. 

أعلم هذا جيدًا، رأيت أشخاص عرفتهم طوال عمري يتحولون إلى أشخاص جائعين، جائعين فقط. (لم أقل شيئًا). 

أكملتْ وهي لا تنظر إلى وجهي في الهاتف: بعد تهجيرنا من بوسنة، وزّعوا علينا علب تونة مقرفة، ما زال طعمها في فمي. كانت مقرفة بحق، تبقى رائحتها في الملابس، كرائحة السجائر تمامًا. كلما عانقك أحد — وهو أمرٌ نادر أثناء النزوح — علم أنك أكلت علبة التونة المقرفة. كنت أكرهها، كنا جميعا نكرهها، لا أعتقد أن أيّاً منا أكل التونة لسنوات بعد الحرب. لا أدري من قرر أن يرسل التونة الى البوسنة من “جماعة المساعدات” ولكنه كان قرارًا سيئًا. 

الجائع سيأكل يا سارة، أي شيء، كل شيء، وإن لم يجد ما يأكله سيصنع من روحه غذاءً مؤقتاً، كلما طال الجوع هضمت الروح أكثر فأكثر. الانسان الجائع ليس انسان، هو جائع فقط. 

كذلك الخوف، يؤذي صاحبه ولا يترك منه شيئًا، فيخسر الانسان نفسه ولا يكون سوى خائف والإنسان الخائف، الخائف فقط، يقتل ويسرق وينهب. 

لذلك يا حبيبتي إن خفتِ يومًا تذكري أن تشعري بشيءٍ اخر معه، حاولي أن يكون الخوف مصحوبًا بالأمل، بالحب، بالنشوة ان اضطررت، أي شيء.   

يومها أدركت لأول مرة لماذا لا تحب أمي علب التونة.

***

الحوار الثالث – اليوم 217 منذ بدء الحرب

“رأيت فيديوهاتٍ لأطفال يحملون جثثًا وهم نازحون. لم أستطع النوم.”

قالت أمي بلهجتنا الفلسطينية: “تحكيليش.”قلت ببراءة، وكأنني لم أتعمد استدراجها إلى حديث الحرب: “أنا فقط أقول إنني لم أستطع النوم.”

قالت: طبيعي، فاهمتك، النوم أول من يتخلى عنا عند الألم وكأن الألم يرفض أن يتم تجاهله أو التهرب منه، يفرض عليك أن تواجهه…

أنا أيضًا لم أستطع النوم مراتٍ عديدة خلال الحرب وبعدها وأنا لم أملك هاتفاً يبثّ لي صور أطفالٍ ميتين طوال اليوم. أذكر عندما أخبرني فلاديمير — صديق العائلة — أن أباه أُصيب خلال نزوحهم، فحمله على ظهره لمسافة عشرة كيلومترات وهو ينزف حتى مات بين يديه. فحمله بعدها عشرة كيلومتراتٍ أخرى جثةً هامدة. دفنه تحت شجرة لا يتذكرها. حاول كثيرًا أن يتذكر، وعاد بعد الحرب يسير الطريق ذاته مئات المرات دون أن يتذكر. فكر مرارًا أن يحفر تحت كل شجرة في الطريق.

أقنعناه ألا يفعل.

نظرتْ أمي إلى الهاتف وقالت:
“ما واساني عند موت أمي مقولةُ صديقةٍ لها جلست بجانبي يوم العزاء وأمسكت بيدي وقالت: دفن الأطفال لأهلهم أهون من دفن الأهل لأطفالهم.”

قلت لها بسخرية: يا لها من مواساةٍ عظيمة! أن أدفن أمي خير من أن تدفنني!

أجابت: نعم، أن يدفن الابن أباه أمر طبيعي، كان يحصل قبل الحرب وسيبقى يحصل بعدها. ربما لم يكن من الطبيعي أن يدفنه تحت شجرةٍ على طريق نزوح طويل. ولكن حمل الأطفال لآبائهم أهون من حمل الآباء لجثث أطفالهم، سواء أكان ذلك في تابوت أو كيس بلاستيكي!

ابتسمت أمي ابتسامةً طفيفة، كأنها أدركت أنها لا تستطيع منع نفسها من البحث عن الجيد في السيء وقالت: قد يكون فلاديمير محظوظًا لهذا. توقفت الحرب قبل أن يكبر ويصبح أبًا يُضطر لحمل جثث أطفاله، أو يُضطر أطفاله إلى دفنه تحت شجرة.

لن يدرك يومًا أنه محظوظ. فلا أبشع من الموت في الحرب.  موتٌ عام، لم يصبك لأنك شجاع فيُصبح شرفًا، ولم يصبك لأنك مجرم فيُصبح عقابًا، وإنما قتلك محض صدفة. ربما كنت تقف في المكان الخاطئ، تتحدث مع الشخص الخاطئ. ربما دخلت إلى منزلك قبل وقتك المعتاد، أو بعده، أو فيه.

لا أبشع من الموت في الحرب؛ موتٌ سيُدفن مع كل مآسي الحرب حين تتوقف. سيقولون: “مات في الحرب”، كأنه مات في وباء أو زلزال.

لكن موت الحرب مختلف؛ يفرض بالضرورة على كل من بقي حيًا أن يسأل: ماذا لو بقي هذا الميت بيننا؟ أكان سيتزوج؟ أم يتعلم؟ أكنا سنبقى أصدقاء أم تفرّقنا الحياة؟ هل كان ليكون أبًا جيدًا؟ أمّاً حنونة؟

أسئلة تسرقها الحرب وتلوّح بها من مسافة محسوبة، لا تسمح لك أن تنسى الأموات، ولا تمنحك راحة الجواب.”

هزّت أمي رأسها كأنها تحاول محو صورةٍ بشعة في مخيلتها، نظرت في الهاتف وقالت بحزم:
“لا تُشاهدي الأخبار. نامي أبكر اليوم!”

***

الحوار الرابع- 370 يوم منذ بدء الحرب

“تعبت يا ماما، كأنو هالحرب ولا عمرها حتخلص! شو هالحرب الطويلة هاي؟!”

قالت:
“لا يقاس عمر الحروب هكذا، أعتقد أن عمر هذه الحرب سيختلف من شخص لآخر.
فهو للأم التي فقدت طفلها بعد يومين من الحرب، حرب يومين لا ثالث لهما.

أما لمن نجا، فهي اليوم في يومها ٣٧٠، وعندما تتوقف الحرب، أو القتال، سيبقى من يبحث عن أهله تحت الركام، وهو من لن تنتهي حربه حتى يجدهم.

أنتِ محظوظة يا جميلتي أن الحرب لم تنتهِ بالنسبة إليكِ، هذا يعني أن هناك جزءًا ما في داخلك لا يزال على قيد الحياة، يحاول النجاة. لم يُقتل بعد.

الحرب ليست تجربةً جماعية، حتى وإن كان الموت كذلك. الحرب شخصية. شخصية بالضرورة.

هناك شعورٌ بالاستهداف الشخصي الذي يُنسى، أو يُجمع في حصيلة المعاناة الجماعية.

لكنه ليس جماعيًا، فلكل شخص روايةٌ عن الحرب، ربما لو سمعتها كلها لظننتِ أن كل واحد منهم عاش حربًا مختلفة في المكان والزمان ذاته.

قد تكون مصيدة جمع الالام الشخصية أخطر اليوم مما كانت عليه. حرب البوسنة قدرت الجانب الشخصي أكثر؛ فقد كان كل قاتل يعرف ضحيته. أما هذه الحرب فهي مجرد قنابل تسقط من طائرات حربية، بلا وجوه. عملية القتل بالنسبة للطيار ليست شخصية، بل مجرد كبسة زر، فعلٌ آليّ بلا ذكريات أو مشاعر. لا يضطر فيها القاتل إلى النظر في عيون ضحاياه وهم يأخذون أنفاسهم الأخيرة، فلا يطاردونه في منامه.

ولكن حتى ولو سقطت القنبلة ذاتها، ومن الطائرة ذاتها، على البناية ذاتها، وقتلت عشرة أشخاص، فلكلٍّ منهم، يا حبيبتي، ألمٌ شخصي وثأر شخصي، حتى وإن لم تجد أشباحهم قاتلًا ليطاردوه في منامه.

***

الحوار الخامس – توقفت عن عد الأيام منذ بدء الحرب

“مش قادرة أصدق إنو رجعوا للحرب!”
نظرت إليّ باستياءٍ عظيم وقالت:
“سارة، لا أريد التحدث عن الحرب… رجاءً.” وأطفأت الهاتف.

اعتقدت أنني انكشفتُ، وأنّ أمي أدركت أنني استدرجتها لمشاركة أجزاء من الحرب في البوسنة لم ترغب في مشاركتها معي، كأنها أكلت علب تونة مقرفة، أو أن فلاديمير الذي يزورنا في بيت جدي ويشوي السمك وهو يضحك، دفن أباه تحت شجرة في عمر الـ١٤ عامًا.

 حاولتُ جاهدةً أن أقدم ضماناتٍ لأمي، أن أشجعها على الحديث.
أخبرتها أن هذا مفيدٌ لها. قلت لها بالصربية:
“سيكون الحديث عما عشتهِ في الحرب مفيدًا لكِ، لا تغلقي الجروح قبل تعقيمها.”
تجاهلتني، كأنها ترى الأنانية من وراء طلبي، كأنني أغلق جراحي بخيوط جراحها. لم تجبني.

ربما لم أكن أسألها عن الحرب فحسب، بل كنت أفتّش عن طريقةٍ أكتب بها شيئًا لا يُكتب.

أما اليوم، فما يزال النقاش فلسطينيًا صعبًا، وينتهي بمشاجرة. ولم تعد أمي تودّ نقاش الحرب منذ أن عادت في يناير الماضي. حتى أنني، أنا أيضاً، توقفتُ عن نقاشها، ولم أعد أتابع الأخبار على التلفزيون، أو أشتري علب التونة.

إلى أمي. اعتذر عن المشاركة. 

سارة الخطيب

سارة الخطيب

سارة الخطيب باحثة في شؤون الشرق الأوسط، وزميلة في برنامج المرأة والسلام والأمن في مؤسسة مفتاح. حاصلة على ماجستير في إدارة النزاع والعمل الإنساني من معهد الدوحة للدراسات العليا، وبكالوريوس في العلوم السياسية والعلاقات الدولية من جامعة بيرزيت. عملت مع مؤسسات بحثية في الشرق الأوسط وأوروبا وفلسطين، مهتمة في قضايا النزاعات وبناء السلام والعدالة.

RelatedArticles

ذكريات الدي جاي بين بيروت وجنوب لبنان: الكاسيت وما تبقّى من أصواته
ثقافة

ذكريات الدي جاي بين بيروت وجنوب لبنان: الكاسيت وما تبقّى من أصواته

يونيو 3, 2026
لام قمريّة: الاعتداءات الجنسية وأسئلة الجسد المؤجَّلة
إبادة جماعية في فلسطين

لام قمريّة: الاعتداءات الجنسية وأسئلة الجسد المؤجَّلة

سبتمبر 26, 2025
عثرةٌ لا نجاة منها
إبادة جماعية في فلسطين

عثرةٌ لا نجاة منها

اغسطس 19, 2025

تصفح الموقع

  • عن المجلة
  • مساهمات
  • إتصل بنا
  • سياسة الخصوصية

Subscribe to our Newsletter

ادعمونا

Copyright 2025 - Untold Magazine

No Result
View All Result
  • ملفات
  • حكاية
  • في العمق
  • مرئي
  • تعليق
  • مراجعة
  • محادثة
  • en English
  • ar العربية

Copyright 2025 - Untold Magazine