• النشرة البريدية
  • ادعمونا
  • مشاركات
Untold mag
  • ملفات
  • حكاية
  • في العمق
  • مرئي
  • تعليق
  • مراجعة
  • محادثة
No Result
View All Result
  • ملفات
  • حكاية
  • في العمق
  • مرئي
  • تعليق
  • مراجعة
  • محادثة
No Result
View All Result
Untold Mag
No Result
View All Result

ذكريات الدي جاي بين بيروت وجنوب لبنان: الكاسيت وما تبقّى من أصواته

في زمن تُمحى فيه أماكن وتُهدَّد فيه ذاكرة جبل عامل، تأتي هذه الحكايات تمسّكاً بما تبقّى: ثلاثة دي جايز، أشرطة كاسيت، وسهرات بين بيروت والجنوب ومشهد ليلي يُراد له أن يندثر.

ديانا عباني ديانا عباني
يونيو 3, 2026
in ثقافة, حكاية, مجتمع
ذكريات الدي جاي بين بيروت وجنوب لبنان: الكاسيت وما تبقّى من أصواته

الدي جاي علي

Tags: Featured 1فنلبنانموسيقى

في باحة فيلا تعجّ بالناس والأصوات والألوان، كانت حفلة تجاوزت السهرة العادية، بتجهيزات غير مألوفة في ذلك الوقت، ومكبّرات صوت معلّقة على الجدران، وضوء ستروب أبيض يخترق عتمة الليل، وأضواء ملوّنة تدور في المكان. للمرّة الأولى كانت تُنصب الإضاءة بهذا الشكل، ومعها نظام صوتي جعل الأرض تهتز تحت أقدام الراقصين. حضر المئات، كثيرون جاءوا من بيروت خصيصاً. هي تفاصيل بسيطة حوّلت الفيلا الخاصة إلى مساحة عامة مؤقّتة، وساحة رقص مفتوحة للجميع لليلة واحدة.

يستعيد الدي جاي علي تلك الليلة، في قرية السلطانية، إحدى قرى جبل عامل في جنوب لبنان، حين جلس على الدرج يراقب المشهد. الناس يرقصون كباراً وصغاراً، كان ذلك في أوائل التسعينيات. ليلة ستعود لاحقاً في روايات الدي جايز محمد ويوسف أيضاً، كإشارة على تغيّر شيء ما في شكل السهر. فبعد أن كانت الحفلات ترتبط غالباً بمناسبات محددة كالأعراس وحفلات الخطوبة، ظهرت سهرات شبابية كان الهدف منها الاجتماع والرقص فقط، ما جذب حضوراً من القرية وخارجها. كان الكاسيت في قلب هذا التحوّل، إذ أتاح تنظيم الموسيقى مسبقاً وبناء إيقاع الحفلة عبر اختيار الأغاني وترتيبها. ومعه برز دور الدي جاي في تشغيل الموسيقى وضبط تسلسلها بحسب الجمهور والسياق.

كنت قد عرفت علي ومحمد ويوسف قبل أن يصبحوا رواة لهذه الذاكرة؛ إذ كانوا جزءاً من طفولتي في قريتي التي كنت أزورها دائماً في الصيف والأعياد. وفي الصيف الماضي، عدت إلى حكاياتهم لأفهم تجربتهم عن قرب، وما رافقها من ممارسات جديدة في العمل بالموسيقى، وتنقلهم بين بيروت وضاحيتها الجنوبية وقرى جبل عامل، وصولاً إلى تشكّل ذوق موسيقي جديد في هذه الدوائر.

اليوم، وأنا أكتب هذا النص في ظل الحرب الإسرائيلية الإبادية على المنطقة، أعود إلى هذه الحكايات من زاوية مختلفة. في زمن تُمحى فيه أماكن وتُهدَّد فيه ذاكرة جبل عامل وامتداد أبنائها في بيروت، يصبح استحضار تلك اللحظات محاولةً للتمسك بالأصوات والقصص التي ملأت هذه الأمكنة يوماً، وتتبع ما تبقى منها في الذاكرة والشهادات وبقايا الأشرطة، كجزء من تاريخ وذاكرة ناس يُراد لهم أن يندثروا.

تنطلق هذه الحكايات من مسار جغرافي واجتماعي محدد، عاش فيه علي ومحمد ويوسف. فقد نشأوا في حي اللجّا في بيروت، المعروف في بداياته باسم “حي اللجوء”، والذي سكنه القادمون من الأرياف منذ الخمسينيات والستينيات، خصوصاً من جبل عامل والبقاع. وعرف هذا الحي حركة مستمرة بين المدينة والجنوب، عبر الزيارات والعمل، فتبلورت تجربتهم في هذه البيئة الشيعية المحلية، المرتبطة بهجرة داخلية وسياق اجتماعي واقتصادي هش، تتقاطع في الوقت نفسه مع مساحات أوسع. 

هي حكايات لا تمثّل المشهد الترفيهي الكامل في بيروت، لكنها تفتح باباً على عالم الكاسيت والراديو والديسكوتيك والحفلات المنزلية من هذه الزاوية، حيث نشأت علاقات وأذواق وأشكال من الاجتماع امتدّت بين هوامش المدينة وقرى الجنوب، ويصعب توثيقها في الأرشيفات الرسمية. من خلالها أتتّبع كيف أصبحت الأشرطة المسجّلة أكثر من مجرد وسيط تقني، إذ أعادت تشكيل الحفلة وجوّها، وكان الدي جاي أحد الفاعلين الأساسيين فيها، بين المحلي والعالمي.

عالم صنعته الأشرطة

كانت بدايات علي ومحمّد ويوسف في هذا المجال، ضمن موجة امتدّت من بيروت إلى مناطق مختلفة في لبنان، بدأت زمن الحرب الأهلية ثم استمرّت بعدها. في تلك المرحلة، أصبح الكاسيت جزءاً من الحياة اليومية، يُستخدم في الاستماع والحفلات، كما في تسجيل رسائل صوتية تُرسل إلى الأقارب في الخارج أو إلى مناطق بعيدة. فكان يجمع بين الأغاني وصوت العائلة والأصحاب، كأنه يحمل أوجهاً مختلفة من البيت والجمعات والعلاقات في شريط صغير.

من هذا العالم خرجت التجارب الأولى للدي جاي. يقول لي علي: 

“رجّعتيني للـ84. كنت ولد صغير وبحب الحفلات. صحابي قالولي رايحين على حفلة بالحمرا. طلعنا على شقّة مستأجرة. هناك تعرّفت على الدي جاي حسين حسن. كان يشتغل على تورنتيبل تكنيكس ودكّات كاسيت أيوا. ما رحت أرقص. بقيت أتفرّج عليه، أحفظ حركة إيديه. صرت روح لعنده عالبيت. هو يسجّل كاسيتات وأنا أتعلّم. شوي شوي صرت ساعده. بعد كم شهر خلّاني أعمل ميكس. كانت أيام حرب، عملنا حفلات بالويست هول بالأيوبي، بالأعراس، وبالبيوت”.

كان حسين حسن من أوائل الأسماء البارزة في بيروت آنذاك، يملك معدات وأشرطة محدثة تصل إليه قبل غيره، في ديسكوتيك “مارينا ميوزك” في حي برج أبي حيدر الشعبي. اكتسب كثير من شباب هذه الأحياء الشعبية، الخبرة عنده، عبر المراقبة والمشاركة. يقول علي: “بالمنطقة الغربية من بيروت ما كان في غير شي خمسة أو ستة دي جايز ولكل منطقة الدي جايز تبعها. وبعد فترة صار عندي ديسكوتيك صغير تحت البيت بحي اللجا، ديسكو ميوزيك ديميل (2000)”. ورغم المنافسة، تكوّنت بينهم شبكة علاقات مبنية على تبادل الأشرطة والمعرفة والخبرات.

أمّا يوسف، فكان في السادسة عشرة حين ترك المدرسة أوائل التسعينيات وعمل في ديسكوتيك علي. يقول: 

“كان وقتها عز موسيقى الهاوس وفترة جهل. كنا عالموتوسيكلات، ما كان في سيارات، ودايماً معنا ووكمان. بتعرفي بلا موسيقى ما فيكي تمشي. وهيك من وراء خبرتنا، أنا وصديقي محمّد، صار بس حدن بده يعمل حفلة يحكينا. ما كان عنا معدات، كنا نستعير ديكين وسبيكرين ونركّبهن سوا، ونشغل الكاسيتات. ما كان في سي دي وقتها. يلي عنده سي دي كان يعني جخة، مثل ميكس أف أم. بس معداتنا كانوا يقوموا بالواجب. بصراحة كنا نعمل جو كتير حلو. ومتل ما بقلك:

 Music is my life”.

يستعيد يوسف تلك المرحلة حيث كان الكاسيت مصدر دخل بسيط ومتعة في آنٍ واحد، رغم الجهد والوقت الذي يتطلبه: “بهديك الفترة، ما كنّا نركّز على بيع الأشرطة بالمحل قد ما كنّا نركّز على تسجيلها للناس. الكاسيت الجاهز كان بألف وخمسمئة ليرة (يعني دولار واحد)، أمّا اللي بسجّله حسب الطلب فكان بثمانية آلاف”. فقد كان الكاسيت جزءاً من اقتصاد صغير مبني على طلب الأغاني ونسخها وتبادلها. 

يأتي الزبون إلى الديسكوتيك، ومعه لائحة بالأغاني التي يريدها، ليحتفظ بها أو يهديها لصديق أو حبيب، أحياناً محمّلة برسائل مبطّنة. وكانت الأغاني الجديدة، خصوصاً العربية، هي الأكثر طلباً، وكان “لازم نأمّنها مهما كان”، كما يقول يوسف. حمل الشريط مشاعر الناس واختياراتهم، وأصبحت عملية النسخ أساسية في العمل. يختار الدي جاي الأغاني، خصوصاً “الضاربة” منها، ويرتّبها حسب مزاج معيّن، فينتج شريطاً يطلبه الناس لفترة. تحوّل اختيار الأغاني نفسه إلى خدمة يقدمها، فازدادت الثقة بمن يعرف ماذا يشغّل ومتى، وتشكّل ما يُسمع من تداخل طلب الناس مع ما يتيحه السوق.

أحياناً، تأخذ هذه الطلبات طابعاً جماعياً، كما في أشرطة أغاني تشجيع نادي النجمة لكرة القدم، الذي ارتبط أكثر بالبيئات الشيعية، في حين كان فريق الأنصار أقرب إلى البيئات السنّية. وإذا جاء أحد يطلب شريطاً لأغاني الأنصار، كان يوسف يضحك ويقول له بصوت منخفض: “فل فل قبل ما يسمعك المعلّم”، في مزاح يعكس عمق التوتّر بين مناصري الناديين الذي لا ينفصل عن هذه الانتماءات الأوسع.

في مار الياس، كان محمّد يدخل عالم الصوت من مكان آخر. يقول: 

“تهجّرنا من الشياح بالضاحية. سكنا بمار الياس بآخر الثمانينيات، بنفس البناية اللي فيها إذاعة اسمها لبنان الجديد، على موجة أف أم. ما كان في أسنسور ولا كهرباء. الإذاعة بالطابق السابع. كل يوم ألتقي بناس طالعة نازلة. أوّل شخص تعرّفت عليه كان إبراهيم شمعون من الجنوب. كان يطلب مني نادي بنت بيحبها بالحي. شوي شوي صار يخلّيني أطلع عالإذاعة، أتفرّج، وبعدين أقعد ورا الأجهزة. كان عمري يمكن 12. حسّيت إنو الموضوع مش صعب. طلبت منه يعلّمني. ومن وقتها، صرت بعيش مع الموسيقى”.

في الإذاعة، التي تأسست مع موجة الإذاعات المنتشرة خلال الحرب، غالباً من دون ترخيص، تعلّم محمد تشغيل الأجهزة والتعامل مع جمهور لا يراه. كان يقصدها بعد المدرسة، يراقب ثم يجرّب، إلى أن بدأ يتولّى مهام بسيطة، مثل تشغيل الأغاني العربية خلال فترات البث بعد الظهر، من الثالثة إلى السابعة. وكان يفعل ذلك خفيةً عن والده، إذ كان هذا العالم يُنظر إليه بريبة في البيت، ويُعتبر عملاً غير مضمون أو لائق. وصار الصوت جزءاً من حياته، بين المدرسة والإذاعة.

وأنا أستمع إليهم، وكلٌّ منهم يروي قصته، أتابع كيف تتقاطع سيرتهم مع تاريخ الكاسيت، هذا الوسيط الخفيف والرخيص وسهل الحمل. دخل هؤلاء الشبّان سوق العمل باكراً، غالباً قبل إنهاء الدراسة، ووجدوا طريقهم إلى الموسيقى خارج الأطر الاحترافية المرتبطة بالنوادي والمؤسسات الكبيرة. مع الكاسيت، تغيّر موقعهم في الحفلة، إذ أصبحوا يساهمون في تنظيمها وضبط إيقاعها، وتعلموا التفاعل مع الحضور والتعامل مع الشروط التي يحددها المكان. تدريجياً، تنقّلوا مع الكاسيت بين الحفلات والديسكوتيك والإذاعات، في مسارات شخصية جمعت بين التعلم الذاتي والدخل البسيط وحركة الموسيقى بين الناس.

من الهواية إلى الشبكة

في البداية، كانت الطلبات بسيطة، سهرة من هنا وحفلة من هناك. لكن سرعان ما كبر هذا النشاط. في منتصف التسعينيات، اشترى محمد ويوسف أول سيارة لهما، وجهّزاها بالسماعات والمضخمات، فكانت كأنها غرفة تحكم صوت متنقّلة. كانا يتنقّلان بالأشرطة، ويبنيان أجواء السهرة عبر ما يختارانه ويُعيدان تشغيله. أصبحا بذلك ذوي “الصوت الأقوى” في الشارع، مما أعطاهما رأسمال رمزياً أو مكانة، راكماها بفضل جودة معدّاتهما، ونوع الموسيقى التي يلعبانها وقوة الصوت عند مرورهما في الشارع، بالإضافة إلى شبكة المعارف التي نسجاها.

الدي جاي علي

كان يوسف يعمل نهاراً في محل علي، ثم يذهب مساءً مع محمد لإحياء حفلات تمتد من بيروت وضواحيها إلى الجنوب والبقاع. أحياناً ثلاث أو أربع حفلات في الأسبوع، بأجر يتراوح بين 75 و130 دولاراً، وهو مبلغ بالكاد يغطي التكاليف. أحياناً كان الانشغال متقطّعاً، من دون استمرارية واضحة، مما دفعهما إلى الاعتماد على أعمال أخرى لتأمين دخل إضافي. لذلك، بقي هذا النشاط بالنسبة لهما يجمع العمل والهواية، حيث كان ما يشدّهما إليه هو المتعة والشعور بالانتماء إلى هذا المشهد.

فتح الكاسيت الباب أمام نوع جديد من اللقاءات، خارج صالات الترفيه التقليدية. كانت الدعوات تنتقل عبر الأصدقاء والمعارف، فيجتمع شباب وصبايا من القرية ومن خارجها، يحملون المعدات والأشرطة، يركّبون العدّة، وتبدأ الحفلة. وكانت تدور هذه الجمعات بين الخاص والعام. تُقام في بيوت وفيلات، أي في مساحات يُفترض أنها خاصة، لكنها تُفتح لليلة أمام مجموعة أوسع من الحاضرين. ومع ذلك، كان الدخول إليها محكوماً بالعلاقات، فيقتصر على من يعرف المنظّمين أو ينتمي إلى الدائرة نفسها، أو يستطيع المشاركة بحسب ما تسمح به العائلة والبيئة المحيطة.

كما بقي هذا المجال في معظمه عالماً رجالياً، خصوصاً في ذاكرتهم. لا يذكر علي أو محمد أو يوسف وجود نساء يعملن خلف الصوت في تلك الفترة، إذ ارتبطت هذه المصلحة بالليل والتنقّل والشارع، وبطبيعة الفضاء الليلي نفسه، حيث بقيت السلطة الرمزية والتقنية والتنظيمية في يد الرجال. في المقابل، كان حضور النساء أساسياً، عبر الرقص والتفاعل الاجتماعي، لكنه ظلّ محكوماً بشروط اجتماعية واضحة.

كما لم تخلُ هذه الليالي من التوتّرات. أحياناً يشتكي الجيران، أو يُطلب خفض الصوت، أو تنقطع الكهرباء في منتصف الليل. وفي حالات أخرى، قد يكفي احتكاك بسيط أو ملاحظة عابرة لتغيير مسار الليلة أو إنهائها، فتتحوّل اللحظة إلى مصدر بلبلة وقلق، ويدفع البعض إلى المغادرة. لذلك، بقيت هذه اللقاءات محكومة بحدود يفرضها المكان والناس والظروف، رغم ما يُستعاد منها اليوم بحنين.

ومع توسّع المصلحة، صار الأمر يتطلب جهداً أكبر واستثماراً في الوقت والمال، “فالنجاح” كان يرتبط بعدة عوامل. يخبرني محمّد: “صار عندي عدّة صغيرة بالبيت: دكّين كاسيت، ميكسر، وباور. بس السبيكرات كنت أضطر أستأجرها. كانت كبيرة وثقيلة، وما إلها محل”. كانت المعدّات تملأ نصف السيارة، وتركيبها يستغرق وقتاً، حيث كان الدي جاي هو التقني والحمال، يحمل المعدّات ويشغّل الأشرطة ويضبط الإيقاع. وغالباً ما كان يلجأ إلى حلول مرتجلة، مثل سحب الكهرباء من مولدات عند الجيران حين تنقطع.

أمّا محل علي، “ديسكو 2000″، الذي افتتحه في منتصف التسعينيات، فكان نقطة أساسية في هذا المشهد. كغيره من الديسكوتيكات آنذاك، كان مكاناً يلتقي فيه شباب الحي، يكتشفون موسيقى جديدة ويتسكعون ويمضون الوقت، ويتفرّجون على الصبايا وهنّ يمررن، ويرمونهنٌ ببعض التعليقات العابرة. من هناك كانت تنطلق الحفلات، ومنه أيضاً كانت تتكوّن العلاقات. 

كان يمكن دخول هذا المجال كصبي مساعد، أو عبر ما يملكه الشخص من أشرطة ومعدّات، ومن خلال الناس الذين يعرفهم ويعمل معهم. من لديه أغانٍ أحدث أو تجهيزات أفضل، أو يعرف عدداً أكبر من المنظّمين، تُطلب خدماته أكثر، وتكبر فرصه واسمه في السوق. وصار “الصوت” نفسه مورداً لا مجرّد عنصر تقني، يفتح أبواب الشغل ويحدّد موقع كل واحد في هذا المشهد.

الدي جاي بين عوالم مختلفة

في بيروت، عمل علي في عدد من الصالات مثل “اللمبادا” في الحمرا، و”الكينغز” على الروشة، ومسبح “عجرم” في عين المريسة، حيث خُصّصت أيام مختلطة وأخرى للنساء فقط. كما أحيا حفلات خاصة في أحياء الضاحية الجنوبية، كالجناح وبئر حسن وبئر العبد والشياح. في المقابل، واصل محمّد ويوسف لعب الأغاني في اللقاءات الخاصة، ما وضعهما في عوالم مختلفة من حيث الحجم والتنظيم وطبيعة الحضور.

في تلك الفترة، بدأت الوسائط تتغير مع دخول الأقراص الليزري “سي دي”. يضحك علي وهو يتذكّر أوّل مرة شغّلوا فيها “سي دي”: “استغربنا الفكرة، كنا متعودين على الكاسيتات والدكّات. فجأة ظهر هذا القرص اللي بده آلة خاصة”.  قدّم الـ”سي دي” صوتاً أنقى وخيارات أوسع، وبدأ استخدامه في السيارات ثم في الحفلات، ما فتح إمكانيات جديدة في تنسيق الموسيقى، من دون أن يلغي حضور الكاسيت بشكل فوري.

الدي جاي علي

تدريجياً، توسّع عمل علي ليشمل إدارة الأعراس بكل تفاصيلها، من الصوت والإضاءة، إلى الزينة والزفّة. في أواخر التسعينيات، فتح مكتباً لتنظيم الأعراس بالتعاون مع مصوّر محترف، وشارك في إدارة تفاصيل العرس. فكان ينسّق دخول العروسين، ويختار الأغاني، ويتابع الإضاءة ومسار الليل، بالتنسيق مع أصحاب العرس ومتطلباتهم.

مع انتقال هذه الممارسات من الحفلات الهامشية إلى الأعراس، تعزز دور الدي جاي في هذه المناسبة الاجتماعية الأساسية، التي تعيد العائلة من خلالها تقديم نفسها أمام الآخرين عبر تفاصيل مدروسة؛ حيث كان الدي جاي يراعي رغبات العائلة والحضور، ويقدّم خدمة ضمن فريق أوسع يضمّ مصوّرين ومنظّمين وأصحاب قاعات، ما منحه دوراً اجتماعياً تجاوز تشغيل الموسيقى. 

فقد ظلّ العرس، بخلاف الحفلات الشبابية، مساحة عائلية وجماعية تحافظ فيه الدبكة والأغاني العربية على موقعها المركزي، لتأكيد الانتماء والمكانة الاجتماعية أمام الحضور. وحتى حين تُلعب الموسيقى الأجنبية، فقد كانت تظهر غالباً كفسحة قصيرة داخل الإيقاع العام، من دون أن تغيّر بنيته العامة.

في الوقت نفسه، بقيت نظرة الناس، من أهل وجيران وغيرهم، إلى هذه المصلحة مرتبطة بالسهر والليل والدخل البسيط والهش، في عالم غير مستقر و غير محترم، وأحياناً مريب، ويُنظر إلى الدي جايز أحياناً كشباب خارجين عن الأعراف الاجتماعية السائدة، رغم حضورهم الأساسي في الأعراس. كما يروي محمد: “كانوا يحكوا علينا كتير، بس نحنا ما كنا نأذي ولا نضايق حدا، كنا بس نحب نعيش وننبسط”. مما أبقى صورتهم ملتبسة.

ورغم انطلاقهم من بيئة واحدة، سلك كل من علي ومحمد ويوسف مسارات مختلفة. بالنسبة لعلي، كان عمله أكثر تنظيماً واستقراراً وارتباطاً بسوق الأعراس. أمّا محمد ويوسف، فبقي نشاطهما أقرب إلى اللقاءات الصغيرة المرتبطة بالأصدقاء والحيّز الاجتماعي. وتكوّنت هذه التجارب في توازن بين العمل والمتعة والتجريب، في مساحات تتفاوت في تنظيمها ومكانتها وأذواقها.

كيف تشكّل الذوق عبر الكاسيت؟ 

تكوّنت التجربة السمعية لهؤلاء الشباب وسط خليط من الأصوات التي أحاطت بهم، من الراديو والتلفزيون إلى ضجيج الشارع. فالأذان والمواكب وأناشيد حركة أمل واللطميات كانت في الخلفية تتجاور مع الأغاني الرائجة على الراديو والكاسيت، في مشهد سمعي واحد. ومع الشريط، انتشرت بعض هذه الأصوات وانتقلت من سياق إلى آخر، فشاركت في تشكيل ذاكرة مشتركة تعكس البيئة التي نشأوا فيها. وتكوّنت بذلك علاقتهم بالموسيقى عبر هذا التعايش المستمر بين أصوات الحرب والدين والترفيه والاستهلاك.

في هذا المحيط السمعي، بدأت أنماط موسيقية جديدة بالدخول، مثل ال”هاوس” والـ”يورو دانس”، خصوصاً عبر الإذاعات المتكاثرة التي كانت تبث بالإنجليزية. يتذكّر يوسف تلك الفترة: “كنّا نسمع هاوس. كانت بأوجها بين 1992 و1996. وبعدين ظهرت أنماط مثل الديب هاوس، والفانك، ثم الرايف والتكنو”. 

تابعوا راديو دي جاي 99.1، وبرامج دي جايز مثل “أماديوس” و”رودج“، حيث كانت الحفلات تُبث مباشرة من الاستوديو، ينتظرونها كل أسبوع، فتملأ السيارات مساء كل جمعة. انتقلوا لاحقاً إلى “راديو وان” ثم “ميكس إف إم” التي أسّسها رودج. ورغم محدودية القنوات التلفزيونية، فتحت بعض المحطات المحلية نافذة على الخارج عبر بث كليبات موسيقية من Music TV. ومن خلال هذه الوسائط المختلفة، دخلت موسيقى أجنبية لم تكن متاحة بسهولة وبكثرة من قبل.

ومع الكاسيت، صارت الأغاني التي تُبث على الراديو تُسجّل وتتنقّل بين المنازل والسيارات والحفلات، حيث يُعاد استخدامها وترتيبها بحسب المناسبة. وأصبح الوصول إلى الموسيقى يعتمد أكثر فأكثر على النسخ والمشاركة غير الشرعية، بدلاً من الإذاعات الرسمية أو شراء الأسطوانات الأصلية. وساهمت قرصنة الأشرطة في تسريع انتشار الأغاني الأجنبية بين الأحياء والشباب، بينما لعب السوق دوراً أساسياً في ذلك، إذ أصبح بالإمكان اختيار الأغاني الرائجة وتجميعها بحسب رغبات المستمع.

وحتى مع ظهور الـ”سي دي”، الذي كان مرتفع الثمن نسبياً ويباع بنحو عشرين دولاراً، استمر تداول هذه الأغاني. فكانوا يشتركون في شراء الأقراص، أو يستبدلون ثلاثاً قديمة بواحدة جديدة، ثم ينسخونها على الشريط. وكانت الحمرا وجهتهم الأساسية لاكتشاف الجديد، يقصدون محل ABC ومحلاً صغيراً يشبه نسخة مبكرة من Virgin Megastore.

من هنا٬ دخلت فرق عالمية كثيرة إلى حياتهم، مثل Backstreet Boys وSpice Girls وEast 17 و Boyzone و Ace of Base وTake That. ولم يكن اسم الفنان دائماً مهماً كاللحن نفسه.

كما يقول محمد ضاحكاً: “كنّا نردّد أحياناً كلمات الأغاني الأجنبية بلا ما نفهمها… والفرنسي ما كنّا نفهمه، بس نحطّه كرمال البنات”. فأهمية الأغنية أحياناً كانت بتأثيرها في التفاعل وبالدور الذي تلعبه في العلاقات وجذب الصبايا، أكثر من معناها أو كلماتها. وارتبطت هذه السهرات أيضاً بأشكال من إثبات الحضور الذكوري، حيث لعبت الموسيقى والرقص واختيار الأغاني دوراً في بناء العلاقات الاجتماعية وتأكيد المكانة في المجموعة.

في الوقت نفسه، غيّر الووكمان، جهاز الكاسيت المحمول، طريقة الاستماع، فنقلها إلى مساحة أكثر فردية. يذكر محمّد أوّل جهاز امتلكه، ووكمان “سوني” من دون خاصية التشغيل التلقائي العكسي، فكان يقلب الشريط بيده، ثمنه نحو ثمانين دولاراً، وهو مبلغ كبير وقتها. بعد ذلك بسنوات قليلة، حوالي عام 1992، اشترى جهاز تشغيل “سي دي”، يحمله في علبة خاصة، لأنه لا يُثبَّت على الخصر مثل الووكمان. 

مع هذه الأجهزة، صار بإمكانه سماع الموسيقى على انفراد في الطريق، على الدراجة النارية أو أثناء الانتظار، وانتقاء ما يريد وإعادته كما يشاء، بعيداً عن اختيارات العائلة أو الجماعة او برامج الراديو. أصبحت الموسيقى جزءاً من يومياته، والاستماع تجربة شخصية يختار وقتها وإيقاعها بنفسه، كما أتاحت له الانفصال المؤقت عن الضجيج المحيط، وساهمت في تكوين فردية شبابية جديدة. 

في المقابل، بقي الكاسيت الوسيط الذي انتقلت عبره الموسيقى بين الراديو والشريط المحمول، وبين الاستماع الفردي واللقاءات الجماعية، فانتشرت الأغاني الأجنبية بين بيروت وهوامشها وجبل عامل وباقي المناطق، مما أتاح لشباب يعيشون في مناطق مهمّشة نسبياً الاقتراب من ثقافة شبابية عالمية.

ارتبط الكاسيت أيضاً بتغييرات أوسع شهدها لبنان في التسعينيات، مثل بلدان عربية أخرى، مع توسّع السوق وظهور أنماط جديدة من الاستهلاك، وانتشار القنوات الفضائية ومحلات بيع الأشرطة مثل ABC وVirgin، حيث أصبح البحث عن الموسيقى الجديدة جزءاً من عادة الذهاب إلى هذه المحلات. واتّسع حضور البوب العالمي ضمن ثقافة شبابية، ظهرت في اللباس والمظهر وطريقة الرقص وأسلوب الحياة، كما تعكسها الكليبات وصور النجوم.

وتكوّن هذا العالم الموسيقي عبر الأشرطة المسجّلة واختيارات الدي جاي من المزج بين ما يُنتَج محلياً وما يصل من الخارج. ومع مرور الوقت، تجاوزت هذه الحفلات والأغاني كونها مجرد ترفيه أو موضة شبابية، لتكشف تحوّلات اجتماعية وثقافية مرتبطة بالعولمة، والتكنولوجيا، والجندر، وطريقة عيش المدينة والزمن الجماعي في التسعينيات.

بناء الحفلات: ايقاع لا يتوقف

في الحفلات، كان نجاح الأغنية يُقاس بقدرتها على تحريك الناس، فيختار الدي جاي الأغاني بحسب تفاعل الجمهور معها وما هو في السوق، أكثر من اختياره لما يحبّه هو. يروي محمد: “كنت أحب الراب، بس ما حدا كان يتحمّله. أول ما حطّه، كانوا يطلبوا مني غيّر”. كان يلعب بعض الأغاني ويُعيدها، بينما تمرّ أخرى من دون أثر يُذكر. كما كان أصحاب الحفلة والمدعوون يفرضون أحياناً ما يُشغَّل، بحسب الجو وطبيعة المناسبة.

في الأعراس، كانت الأغاني العربية، خاصة الدبكة، هي الأساس. “كنّا نخلّي الموسيقى الأجنبية للآخر”، يقول يوسف، “نص ساعة خَوَت”. أما في الحفلات الشبابية، فكان المجال أوسع للتجريب، مع حضور قوي لليورودانس والهيب هوب والريغي:

 I’ve got the power، The Rhythm of the Night ، U Can’t Touch This، Informer ، No Coke، Be My Lover  ،Ice Ice Baby ،Freed from desire وNo Limit. 

كانت هذه الأغاني تناسب إيقاع الرقص، بسبب لازماتها المتكرّرة التي تساعد على تثبيتها في الذاكرة. ومع الكاسيت، صار بالإمكان إعادتها وتداولها بين الأشرطة.

إلى جانب Snap وDr. Alban وCorona، كانت تُلعب أغنيات عربية راقصة مثل “غزالي” و”راجعين” و”عيني” و”أحلى ما فيكي” و”شوقنا“، في إيقاع واحد يجمع هذه الأنماط. بعض الأغاني كانت تُعرف من أول نغمة وتُنتظر، مثل Look Who’s Talking وWhat’s Love وRhythm Is a Dancer وIt’s My Life، فيما تختفي أخرى لعدم الاندماج معها.

يتحدث علي عن هذا التحوّل في هذا الميل الموسيقي عبر مقارنة بين الثمانينيات والتسعينيات. في البدايات، كانت السهرات تميل إلى إيقاع أهدأ، مع أغانٍ من نمط الـ”فريستايل”، مثل Spring Love و You’re My Heart, You’re My Soul و Brother Louie وCheri Cheri Lady وCareless Whisper. لاحقاً، مع صعود اليورودانس، تغيّر المشهد، وصارت الحركة عنصراً أساسياً والجسد هو المركز، مع أغنيات مثل Mr. Vain وCoco Jumbo. 

في بلد كان يخرج من الحرب، ارتبطت هذه الحفلات أيضاً بالرغبة في استعادة الحياة الطبيعية، والحركة، والاحتفال، ولو لوقت قصير. بدأت علاقتهم بالموسيقى تتأثّر أكثر فأكثر بما كان رائجاً عالمياً يصلهم عبر الراديو والكاسيتات. وفي أواخر التسعينيات، دخلت أغانٍ أخفّ وأكثر جماهيرية مرتبطة بثقافة البوب العالمية الرائجة آنذاك، مثل Maria Maria، عكست ميلاً متزايداً نحو الإيقاعات البسيطة والسريعة. ومعها، صار الرقص والإيقاع الإلكتروني والنوادي الليلية جزءاً من ثقافة شبابية حضرية في توسّع مستمر.

في الوقت نفسه، كانت الأغنية المصرية حاضرة بقوة. تصدّر عمرو دياب المشهد، أحياناً بأكثر من عشر أغنيات في الليلة الواحدة، إلى جانب إيهاب توفيق، ومحمد فؤاد، ومصطفى قمر، وهشام عباس. “ما كانت تمر حفلة بلا حبيبي يا نور العين“، يقول محمّد، “لازم تتكرّر”. شكل عمرو دياب نموذجاً لصوت عربي جديد يجمع بين الإيقاع الغربي واللغة العربية الخفيفة والصورة الشبابية، ضمن موجة موسيقية لعب فيها حميد الشاعري أيضاً دوراً أساسياً من خلال التوزيع الإلكتروني والإيقاعات الراقصة التي طبعت موسيقى التسعينيات العربية. 

وقد ساعدت هذه الأغاني، بإيقاعها السريع وتوزيعها الحديث وكلماتها الشبابية أو الرومانسية السهلة، على الانتقال بسهولة بين الراديو والسيارة والكاسيت والحفلة، لتصبح جزءاً أساسياً من أجواء السهر. كما صارت تُبنى أكثر فأكثر لتناسب الحفلات، بإيقاع يسمح بالتكرار والرقص الجماعي، ما يفسّر حضورها الكثيف واستمرار مركزية مصر في السوق الموسيقية العربية آنذاك، سواء من حيث الإنتاج أو التوزيع أو صناعة النجوم.

في المقابل، بقي استخدام أغاني المطربات المصريات محدوداً نسبياً في الحلقات، باستثناءات قليلة مثل سيمون وبعض أغاني الديو. فقد قدّمت سيمون أيضاً صورة مختلفة عن المطربة التقليدية في تلك المرحلة، بأغانٍ راقصة قريبة من الحياة العادية، كما اشتهرت بتعريب أغانٍ عالمية وإعادة تقديمها في قالب بوب عربي انتشر بقوة خلال التسعينيات. ومع هذا، ظلّ هذا المجال في معظمه بيد فنانين ومنتجين وتقنيين رجال.

أما الأغنية اللبنانية، فقد بقيت أقل حضوراً في سهراتهم، رغم بروز أسماء مثل راغب علامة، وجورج وسوف، وعاصي الحلاني، وعلاء زلزلي، ونوال الزغبي، ونجوى كرم. ففي حين ارتبطت الأغنية المصرية أكثر بأجواء الرقص والحفلات الشعبية والشبابية، اتجه جزء كبير من الأغنية اللبنانية نحو الفيديو كليب والنجومية البصرية والأغاني الهادئة نسبياً، بالتزامن مع صعود الفضائيات في التسعينيات وتحوّلها إلى قوّة أساسية في توجيه السوق الموسيقية وتحديد أنماط الانتشار والنجومية. وأصبحت صورة الفنان عنصراً أساسياً في انتشار الأغنية وتسويقها، ما منحها حضوراً أقوى عبر التلفزيون أكثر من ساحة الرقص نفسها.

أمّا الحفلة، فيؤكد علي أنها كانت تُبنى كمسار، له بداية تمهيدية، ثم تصاعد تدريجي، وصولاً إلى ذروة، لتنتهي غالباً بأغنية طربية لملحم بركات أو وردة. يضبط الدي جاي الانتقال بين اللحظات، حسب تجاوب الناس وطبيعة المناسبة. كما يقول يوسف: “الحفلة الناجحة هي اللي ما بتوقف أنفاسها”. لهذا كانت الحفلات تُحضّر عبر أشرطة “Best Of” مرتبة، مع تسلسل يسهّل الانتقال. لكن بقي لكل واحد أسلوبه، منهم من يختار تبديل الأغاني السريع ومنهم من يفضل التدرّج. ويضيف يوسف: “كنت حطّ الأغنية الجديدة قبل ما تخلص اللي قبلها. الناس بدها تكفّي”.

تداخلت الأنماط بين الأشرطة والأماكن، فاجتمعت اليورودانس والبوب والهيب هوب مع الأغاني العربية وفق مزاج موسيقي واحد، وتحوّلت بعض الأغاني إلى ذاكرة مشتركة لأغاني يعرفها الجميع وينتظرها، فتُعاد عبر السهرات. وكانت الأغاني الأجنبية تحمل أحياناً معنى يتجاوز اللحن نفسه، إذ ارتبط تشغيلها بإحساس بالانتماء إلى ثقافة شبابية عالمية وأنماط حياة تُعتبر حديثة آنذاك. في المقابل، بقيت الأغنية المصرية الأقرب من حيث اللغة والإحساس، يستخدمها الدي جاي لصناعة لحظات مشتركة يسهل التفاعل معها. وبين هذين البعدين، كانت الحفلة تتحرك، بين ما يصل من السوق الخارجي وما يتكوّن فيها.

في هذه الدائرة، تكوّن جو التسعينيات الموسيقي كما عاشه هؤلاء، من المزج الدائم بين الموسيقى العالمية والأنماط المحلية، عبر ممارسات استماع أعادت تكييف ما يصل من الخارج في سياقات اجتماعية خاصة.  مع مرور السنوات، أصبحت الأغاني أقرب إلى هذه اللحظات الجماعية من كلماتها نفسها، تنتقل كتجربة مرتبطة بمكان وزمان محددين. فظهر شكل من الحياة الليلية في بعض الأحياء الهامشية، تقاطع مع أنماط أوسع من الاستهلاك والثقافة الشبابية.

من بيروت إلى الضيعة: مسارات الكاسيت

كانت هذه الحياة الليلية تُولد في المدينة، لكنها لا تبقى فيها. فقد عاش هؤلاء الدي جايز في بيروت، لكنهم ظلّوا على صلة دائمة بقريتهم في جبل عامل، يعودون إليها في الصيف والعطل. فمهّد ذلك لسهرات جمعت مراهقين وشباباً في بدايات العشرينيات، لم تكن مألوفة بسهولة من قبل، خصوصاً في قرى أخرى بجبل عامل، حيث كانوا يكتشفون من خلالها أنفسهم وعلاقاتهم بمحيطهم الأوسع. وبين الذهاب والإياب، كانت الأشرطة تتحرّك معهم، متنقلة بين إيقاعين: سهرات يغلب عليها الهاوس واليورو دانس والأغاني الأجنبية، وأخرى تحضر فيها الدبكة والأغاني العربية. 

في بيروت، كانت الحفلات الخاصة تُقام في منازل خالية من الأهل، بين أصدقاء ومعارف، في أجواء مفتوحة للاختلاط والتعارف. يخرج شاب إلى وسط الحلقة، يحاول لفت انتباه فتاة ودعوتها إلى الرقص، أحياناً بإشارة خفيفة عبر القدم. قد تستجيب، أو تكتفي بابتسامة وتنسحب. من حولهما، يتحرّك الآخرون، يرقصون أو يراقبون. يبدو المشهد عفوياً، لكنه لم يكن يُعاش بالطريقة نفسها من الجميع.

في الضيعة، تصبح هذه العلاقات أكثر انكشافاً. يرقص الشباب والصبايا معاً، لكن بتباعد أكبر، مع حضور أوسع لأهالي القرية، حيث تبقى نظرات الكبار قريبة حتى من دون تدخّل مباشر. وإذا طال التفاعل بين شاب وفتاة أو تكرّر، يتحوّل إلى حديث في اليوم التالي، ويؤثر على صورة الحاضرين وسمعتهم؛ خصوصاً الصبايا، اللواتي كنّ يوازنّ بين رقابة الأهل وكلام الناس والانتباه لتصرّفاتهن خلال السهرة من جهة، ورغبتهن في المشاركة وما يُسمح لهن به وتجنّب التعليقات من جهة أخرى، في فضاء بقيت حركتهن فيه أكثر هشاشة وحساسية تجاه نظرات الآخرين وتعليقاتهم. هكذا كانت الحفلة تمتدّ إلى ما بعد لحظتها، وتحمل معها أثرها في الجماعة.

كما لعبت الهجرة دوراً مهماً في تشكيل هذه الحفلات؛ فكثير من أبناء القرى هاجروا إلى الولايات المتحدة وعادوا في الصيف حاملين معهم ألبسة وأشرطة وأذواقاً جديدة: جينزات Levi’s، كاسيتات مسجّلة، وأغانٍ لم تكن قد وصلت بعد إلى السوق المحلية. دخلت هذه العناصر إلى الحفلات، وأثّرت على ما يُسمع وما يُلبس وما يُعتبر حديثاً، ومعها، تحوّلت بعض المساحات، خصوصاً الفيلات الفارغة، إلى نقاط لقاء سهّلت انتشار حفلات كهذه.

يضحك محمّد وهو يتذكّر المنافسة بين المجموعات لتحضير الحفلات: “أوقات مجموعة أصغر تعمل حفلة لتسبقنا، فنردّ بحفلة أكبر عند ابن زهية الأميركية”. أحياناً تبدأ الحفلة من دون تجهيزات: تُفتح سيارة، يرتفع الصوت، وتجتمع الحلقة. وفي حالات أخرى، تُنقل العدّة وتُركّب، فتتكيّف الموسيقى مع السياق، وتتراوح بين أغنيات غربية ودبكة بحسب الناس.

لم تكن هذه الممارسات منفصلة تماماً عن أشكال أقدم من الاجتماع، مثل الدبكة والغناء الجماعي والمجوز والميجانا والعتابا، التي عرفتها قرى جبل عامل، حيث كان الناس يجتمعون في الساحات والبيدر، تدبك النساء والرجال في حلقات، ويشارك الحاضرون في صنع الإيقاع عبر التصفيق وضرب الأقدام، مع تفاعل عازف المجوز أو المغنّي مع الحضور.

لكن مع الكاسيت، تغيّر شكل هذه الحفلات. صار الإيقاع يُحضَّر مسبقاً، وينتقل مع الشريط. يقف الدي جاي خارج الحلقة قليلاً، يختار أغاني مسجّلة مسبقاً، ويحدّد تسلسلها. فتحوّل جزء من الفرح الجماعي من فعل حي يُبنى عبر المغني والعازف والجماعة، إلى مسار يعدّه الدي جاي سلفاً عبر شريط مُسجَّل في زمن ومكان آخرين، رغم استمرار تفاعل الناس مع الأغاني بالغناء والحركة والصراخ في هذا الإطار؛ مما أثّر على شكل التعبير عن الفرح الجماعي، فتقلّصت مساحات الارتجال والتفاعل والغناء المباشر.

ولم تخلُ هذه السهرات من التوتر؛ فهي لم تكن مألوفة تماماً في محيطها، وتراوح التعامل معها بين القبول والتحفّظ والانتقاد. أحياناً يشتكي الجيران، أو تُبذل محاولات لإيقاف الحفلة. “كانوا يطلبوا نخفّف… بس كنّا نكمّل”، يقول يوسف. فقد كانت هذه المناسبات مساحة تفاوض مستمر حول استخدام المكان، ومستوى الصوت، ومدة السهرة، وحدود ما يُعتبر “زيادة عن اللزوم” بين شاب وفتاة. 

تأتي الضغوط أحياناً من أبناء القرية المتزمّتين أو من المنتسبين إلى حزب الله، وأحياناً من كلام الناس نفسه، كنوع من الرقابة المستمرة، تغذّيها صورة الشباب “الفلتانة” في نظر البعض. لم يكن دائماً منعاً قاطعاً، لكنّه كان إطاراً يعرف الجميع كيف يتحرّك فيه أو يلتفّ حوله. فيُخفَّض الصوت بعد ساعة معيّنة، تُؤجَّل بعض الأغاني إلى وقت متأخر، أو تُشرب بيرة بعيداً عن العيون؛ فتستمرّ السهرة ضمن هذه الحسابات الصغيرة. 

في النهاية، كانت هذه الحفلات جزءاً من حياة تُعاش في جغرافيات اجتماعية وسياسية محددة، بكل ما فيها من حدود وتسويات ووصم اجتماعي أوسع قد يحيط بهؤلاء الشباب والصبايا. داخلها، كانت تُختبر العلاقات والغراميات، وتُبنى لحظات من القرب والمرح إلى جانب المشاكل والاحتكاكات، فيتشكّل زمن خاص مرتبط بإيقاع الليلة، من دون أن ينفصل عن القيود التي تحيط به. وفي الوسط، كان الدي جاي ومعه الكاسيت، يربطان بين هذه الأمكنة، وينسجان لحظات مشتركة، تبقى في الذاكرة وتنتقل بين الناس.

ما يبقى من الليل: ذاكرة صغيرة لزمن تغيّر

حين أستعيد اليوم قصص علي ومحمّد ويوسف، أعود إلى مسارات يمكن تتبّعها عبر بقايا أشرطة وصور وذكريات. هو أرشيف حميمي صغير يفتح لحظات من زمن ما بين الحروب، ويستحضر تفاصيل لم تدخل في السرديات الكبرى. من خلاله، تظهر أشكال من السهر والتنقّل والعمل، في مناطق امتدّت بين بيروت وقرى جبل عامل. 

تأتي هذه التجارب خلال مرحلة أعادت فيها المدينة والقرى ترتيب نفسها بعد الحرب الأهلية، وظهرت فيها أماكن متعدّدة للسهر واللقاء، بين صالات وبيوت خاصة. ساهم الدي جاي والأشرطة في نقل الموسيقى بين هذه الأماكن، وربطها عبر الاستخدام المتكرر، وغيّرا طرق الاستماع والاحتفال بين العام والخاص. 

ومعها، تشكّل مشهد سمعي جديد، ابتعد عن الحي والعائلة نحو ثقافة شبابية مرتبطة بالكاسيت والرقص والقنوات الفضائية. بقيت هذه الأغاني في الذاكرة، لا بكلماتها فقط، بل بالرقص والحركة وما رافقها من طرق جديدة للاجتماع والعيش وتخيّل الحياة الحديثة.

لذا، يمكن قراءة هذه التجارب في هذه الدوائر كجزء من تاريخ الترفيه، حيث تتقاطع الحركة بين المدينة والضيعة مع شبكات العمل والعلاقات، في فضاء مليء بالحدود والتوازنات وعلاقات القوة. في مناطق تُختزل اليوم غالباً في صور نمطية عن الانغلاق أو الانضباط، تكشف هذه الحكايات عن مساحات من التجريب والاختلاف، مهددة اليوم بالنسيان مع ما تتعرّض له هذه الأمكنة من محاولات محو.

بعد عام 2000، تفرّقت الطرق. من هاجر، ومن تزوّج، ومن انشغل بالعمل. انتهت تلك المرحلة كما تنتهي مراحل كثيرة. بالنسبة إلى علي ومحمّد ويوسف، كانت تلك السنوات زمن البدايات والحلم، وزمن التعلّم والانشغال بالصوت والحفلات، قبل أن تدخل حياتهم في إيقاع آخر.

ومع ذلك، بعض الأشياء بقيت. ما زال يوسف يحتفظ بتسجيلات من تلك الفترة. يقول: “لليوم عندي بلاي ليست من هديك الفترة. أوّل ما أسمعها برجع لهيديك الليالي وبعيش اللحظة”. مع هذه الأغاني، يعود يوسف إلى زمن كامل، بإيقاعه وتفاصيله، وبما حمله من إمكانيات وحدود. 

ديانا عباني

ديانا عباني

ديانا عباني كاتبة ومترجمة ومؤرخة تبحث في مجالات الموسيقى والترفيه في الشرق الأوسط. وهي حاليًا منسقة التواصل العلمي لمركز مريان للدراسات المتقدمة في المغرب (MECAM) في منتدى الدراسات العابرة للأقطار (Forum Transregionale Studien) في برلين. حاصلة على درجة الدكتوراه في الدراسات العربية من جامعة السوربون، ولها منشورات عن الثقافة الشعبية والمادية في بيروت، وتداعيات التحولات الاجتماعية والسياسية والتكنولوجية، وتطور الصناعات الموسيقية والترفيه في بيروت. يمكن العثور على بعض مقالاتها البحثية في مجلة بدايات، وجيم، والجمهورية، ومجلة المركز، وميغافون، ورصيف22.

RelatedArticles

لام قمريّة: الاعتداءات الجنسية وأسئلة الجسد المؤجَّلة
إبادة جماعية في فلسطين

لام قمريّة: الاعتداءات الجنسية وأسئلة الجسد المؤجَّلة

سبتمبر 26, 2025
Bosnia Palestine Gaza Mother
إبادة جماعية في فلسطين

في صمت أمي البوسنيّة… حكايةٌ عن غزة 

اغسطس 12, 2025
أجساد النساء مرآة للحرب: الجسد كأرشيف للمحو والمقاومة
إبادة جماعية في فلسطين

أجساد النساء مرآة للحرب: الجسد كأرشيف للمحو والمقاومة

يونيو 4, 2025

تصفح الموقع

  • عن المجلة
  • مساهمات
  • إتصل بنا
  • سياسة الخصوصية

Subscribe to our Newsletter

ادعمونا

Copyright 2025 - Untold Magazine

No Result
View All Result
  • ملفات
  • حكاية
  • في العمق
  • مرئي
  • تعليق
  • مراجعة
  • محادثة
  • en English
  • ar العربية

Copyright 2025 - Untold Magazine