كنت أتصفّح فيسبوك بسرعة، كعادتي حين ألجأ إليه أو إلى إنستغرام وأنا في حالة انتظار: انتظار دوري عند صندوق الدفع في السوبر ماركت، أو انتظار أن تفتح المدرسة أبوابها لأستقبل ولدي. وأحياناً أنتظر نفسي حين تكون قلقة؛ أي حين يقلقني أمر ما، ولا أدرك ماهية هذا القلق إلا لاحقاً. ألجأ عندها إلى التصفّح السريع، الذي لا أرى فيه فعلاً محتوى فيسبوك أو إنستغرام، لكنه يتيح للّاوعي مساحة كي يتصرّف ويحاول أن يفهم، داخل غيمة تفصلني عمّا أراه على الهاتف.
نعم، كنت أتصفّح فيسبوك لأرى الأخبار والفيديوهات عن المظاهرات الطلابية في ميلانو، وأتتبّع ردود فعل الجهات السياسية، لكنني في الحقيقة كنت أريد أن أرى عناوينها فقط لأهرب منها. لم أفتح المنشورات ولا الفيديوهات، بل قفزت بين العناوين. ثم توقّفت الشاشة للحظة: مقال يشاركه صديقي جنارو بعنوان «ابن خلدون أرشيفاً استعمارياً: نحو تفكيك معرفي للاستعمار». جذبني العنوان، فحمّلت المقال فوراً لأقرأه على شاشة الكمبيوتر حال وصولي إلى البيت.
يقارن كاتبه، أستاذ الأنثروبولوجيا عبد المجيد حنّوم، النص العربي لمقدمة ابن خلدون بترجماتها الفرنسية في القرن التاسع عشر، ثم الإنكليزية التي تبعتها، ليبيّن كيف حوّلت الترجمة الاستعمارية مفاهيمه المتحركة إلى مقولات عرقية ثابتة. فمثلاً، تُرجمت كلمة «جيل» إلى «عِرق»، فصارت الجماعات التي تتفاوض عبر الزمن كتلاً متعادية بطبيعتها: عرق عربي مقابل عرق بربري. وفي مقدمة ترجمته لابن خلدون، جعل دو سلان، المترجم الرئيسي لجيش أفريقيا الفرنسي، البربر أبطالاً والعرب أشراراً، وفرنسا محرّرةً للبربر من «النير العربي» بغزو الجزائر عام 1830. هكذا بُرّر الاستعمار بلسان واحد من أهم المؤرخين العرب، حتى إن بعض مثقفي النهضة كما يذكر حنوم، كطه حسين، قرأوا ابن خلدون بفرنسية دو سلان واعتبروها بديلاً عن العربية. أي إننا استوردنا صورتنا عن أنفسنا من منظور المستعمر.
لا يهدف المقال إلى “تبرئة” ابن خلدون بقدر ما يسلّط الضوء على الكيفية التي حوّرت بها الترجمة ما قاله فعلاً، وبالغت فيه. ويختم حنّوم بأننا ما زلنا حتى اليوم تحت تأثير هذه الترجمات، وأن الترجمة بالذكاء الاصطناعي، المبنية على تصنيفات استشراقية موجودة، تخاطر بإعادة إنتاج هذه الأطر كأنها معرفة موضوعية.
لم يكن ابن خلدون ما جذبني للمقال، بل يبدو أنني رأيت في عنوان المقال محفزاً لفهم ما يؤرقني: الطريقة التي يمكن بها للكلمات أن تصنع جماعات متخيّلة، وتحوّل تصنيفاً سياسياً إلى وصف يبدو طبيعياً للواقع. وهذا بالضبط ما كنت أحاول فهمه وأنا أقفز بين عناوين الاخبار عن المظاهرات في ميلانو. لم أكن أريد أن أكتفي بظاهر المشهد، ولا أن أرى ما حدث من خلال الروايات الجاهزة التي أحاطت به. كنت أبحث عن مفتاح لأفهم ما الذي يستفزّني في الخطابات التي تلت احتجاجات الطلاب ورافقتها، وربما سبقتها. شكراً جنارو.
المظاهرات الطلابية
يوم الجمعة 16 تشرين الأول، خرج في ميلانو ما لا يقل عن ثلاثة آلاف طالب احتجاجاً على سياسات الحكومة. كان من أهم مطالبهم رفض مرسوم المدرسة الجديد الذي يضع سقفاً بنسبة 30 بالمئة لفئات معيّنة من التلاميذ الأجانب في الصف الواحد، وكان شعارهم «في المدرسة لا أحد غريب» و «الأموال للمدارس و ليس للحرب» مع رفع أعلام فلسطينية. وحملوا معهم مطالب أخرى: إيجارات معقولة يستطيع الطلاب القادمون من خارج المدينة دفعها، وتمويلات لتأمين المباني المدرسية. لم تقع في ميلانو صدامات، وانتهت المسيرة باحتلال مبنى المشرحة القديمة الفارغ⁽¹⁾.
ثم جاءت عطلة نهاية الأسبوع بتفاصيل أخرى. يوم السبت، على هامش مظاهرة ضد غلاء المعيشة، انفصل فتيان مقنّعون عن المسيرة وخرّبوا الشوارع والمحال بين ساحة الدومو مركز المدينة وأحد معالمها الأساسية وكورسو فيتوريو إيمانويلى، شارع التسوّق الأشهر في المدينة. ويوم الأحد لم تكن هناك مظاهرة أصلاً: جاء نحو ألفي فتى، بدعوات تناقلتها حسابات تيك توك بعد انتشار فيديوهات اليوم السابق، ليكسروا وينهبوا. اقتيد ذلك اليوم 271 شاباً إلى مقر الشرطة، 220 منهم قاصرون.
في هذا الوقت، امتلأت وسائل التواصل ونشرات الأخبار وبعض الخطابات السياسية اليمينية المتطرفة بكلمة «مارانزا»، التي تشير اليوم إلى فئة من شباب الجيل الثاني ذوي الأصول الشمال أفريقية. لكن الأرقام التي نشرتها قوى الأمن نفسها كانت تشير إلى أن من بين الـ271، كان 60 فقط لا يحملون الجنسية الإيطالية. والأهالي الذين وقفوا أمام مقر الشرطة ينتظرون أبناءهم جاؤوا من بلدات قريبة مثل بيرغامو وكومو وليكو ومونزا وبارما. وقال المحققون إن هؤلاء الشباب كانوا في غالبيتهم إيطاليين، غرباء عن ضواحي ميلانو، بلا انتماء سياسي، تحرّكوا بلا تخطيط. ومع ذلك، كلمة مارانزا كانت جاهزة غافلة وجود الشباب الايطالي غير “مارانزي”، لأن حضورهم يفسد القصة ويجبرنا على سؤال أصعب بكثير من سؤال الأصل والجنسية: ماذا يحدث لجيل كامل حتى يخرج إلى الشارع و يمارس العنف؟
لكن من هم «المارانزا»؟
استُعملت الكلمة منذ الثمانينات في لغة شباب الشمال بمعنى الزعران، وبحسب إحدى الفرضيات كانت تلمّح في بداياتها إلى الإيطاليين أنفسهم القادمين من جنوب إيطاليا. ثم عادت عام 2019 على وسائل التواصل لتصف فتياناً تجمعهم طريقة اللباس (ملابس رياضية من ماركات عالمية) والموسيقى ولغة الشارع. كثير منهم من الجيل الثاني الذي وُلد في إيطاليا لأبوين من أصول شمال أفريقية، وصار بعض الفتيان أنفسهم يتبنّون الكلمة هويةً لهم لها قيمتها الرمزية.
ولم تكن هذه أول مرة يُختصر فيها شباب بكلمة. في ألمانيا الستينات، كان العمال الإيطاليون يُشتمون بـ«إيتاكر» و«آكلي السباغيتي»، وبأوصاف تُستخدم للحيوانات. وفي سويسرا كانوا «التشينغ»، شتيمة يُقال إنها جاءت من صياحهم بالأرقام وهم يلعبون، وكان يُشاع عنهم أنهم يأكلون القطط ويزرعون الخضار في أحواض الاستحمام.
يوم الاثنين، نزل يمين الوسط إلى ساحة قرب الدومو، وعلّق لافتة كُتب عليها «سنعيد تهجيركم جميعاً»، وأخرى: «المارانزا ومراكز اليسار المحتلّة⁽¹⁾. عقوبات تكون عبرة لهؤلاء المجرمين». كان بين الحاضرين رئيس مجلس الشيوخ إينياتسيو لا روسّا، ومرشحون محتملون لرئاسة بلدية ميلانو. وفي اليوم التالي، تجمّع في ليكو نحو ثلاثين ناشطاً من اليمين المتطرف في تظاهرة «ضد المارانزا»، أُنشد خلالها النشيد الوطني وأُدّيت التحية الرومانية. في اليوم نفسه، أفرغت موجة من الذعر والأخبار الكاذبة عن شغب مرتقب وسطَ المدينة، وغاب نصف الطلاب عن المدارس، رغم نداءات رؤساء البلديات بعدم تصديقها. يوم الثلاثاء، أقرّ مجلس الوزراء مرسوماً لـ«مكافحة جريمة القاصرين»، لخّصته جورجيا ميلوني بجملة: «من يكسر يدفع، وإن كان من يكسر قاصراً فأهله يدفعون».
مطالب لا تحتاج إلى ترجمة
لم يكن حراك الطلاب يوم الجمعة خارجاً عن سياقه: مطالب مشروعة بتعليم عادل، لا تقتصر على أبناء المهاجرين ولا على إيطاليا نفسها، بل تعبّر عن جيل كامل في أوروبا. لكن السبت والأحد جاءا، وجاءت معهما التهم الجاهزة، فصار جوهر الحديث عن العنف وعن «المارانزا» وإعادة التهجير. هذه الظاهرة ليست بجديدة على منطقتنا: فمن يسلط الضوء على العنف حتى قبل حصوله، فإنما يستخدمه لتجييش الشارع أو في حالة إيطاليا مثلاً التحضير لانتخابات الربيع المقبل.
وخلال هذه الأيام قرأتُ أيضاً لبعض السوريين المقيمين في إيطاليا قراءات للمشهد لا تختلف كثيراً عن قراءة اللافتات قرب الدومو: تركيز على العنف، وربط مباشر له بالمهاجرين، ونقد لـ«تسكّعهم» في مقابل «المواطنة» التي يمارسها هؤلاء المثقفون. وتنتهي تحليلاتهم، كما انتهى بعض مناهضي المظاهرات الطلابية في ميلانو حين واجهوا الطلاب الرافعين علم فلسطين، بالسؤال الذي صار شرطاً مسبقاً لأي كلام: «هل تدينون حماس؟»
لست هنا بصدد الدفاع عن «المارانزا»، قد نختلف في الآراء، و ربما مازلنا ننظر إلى أوروبا، رغم سقوط كثير من أقنعتها، على أنها الملجأ الأفضل. إلا أن للتاريخ ثقلاً كبيراً، والثقل الاستعماري لهذه الدول لا يزول بفتح جامعات تدرّس الكولونيالية، ولا بمتاحف تغيّر أسماءها على الرغم من أهميتها.
في باريس، القصر الذي بُني عام 1931 ليكون «متحف المستعمرات» صار منذ 2007 «المتحف الوطني لتاريخ الهجرة»، لكن الطابع المثالي والمنتصر للتوسّع الاستعماري ما زال هناك، على الواجهة وفي الجداريات. أما الدور الاستعماري نفسه، فما زالت حكومات هذه الدول بحاجة إلى الاعتراف به، وإلى ربطه بملف الهجرة، و بملف الأسلحة التي ما زالت تُورَّد إلى مناطقنا، وباستقبال العمال دون منحهم كامل الحقوق، وبالمصانع التي تُفتح في بلداننا لأن اليد العاملة أرخص والقوانين أقل صرامة، وبأوراق تُستعمل للتهديد، كإعادة التهجير مثلاً.
و نحن أيضاً نحتاج أن نفكّر فيما نبّه إليه مالك بن نبي حين تحدّث عن القابلية للاستعمار: أن نقبل أن يصفنا الآخر بكلماته، ثم نصف بها أنفسنا. الأدوات تغيّرت. لم تعد هناك حاجة إلى مترجم يعمل لوزارة الحرب ليترجم ابن خلدون أو غيره. يكفي هاتف في يد كل واحد منا، وخوارزمية تعيد علينا ما نخاف منه، وأصابع تقفز فوق العناوين كما كانت أصابعي تقفز وأنا أنتظر.
لكن الخطر هو نفسه: تسمية تُكرَّر بلا مساءلة، وغالباً عن قصد ولأهداف سياسية، حتى تصبح هي الواقع. ونحن القادمين من بلدان اختبرت كيف يُصنع التطرّف والعنف، نعرف أن هذه الصناعة تبدأ عادةً بالتسمية. لم يكن في مطالب هؤلاء الشباب يوم الجمعة، بكل فئاتهم و أطيافهم، ما يحتاج إلى ترجمة. كانت واضحة وتحتاج إلى من يستطيع احتضانها: مدارس لا تسقط سقوفها. إيجارات معقولة. أموال للتعليم لا للحرب. وفي المدرسة لا أحد غريب.
ملاحظات
⁽¹⁾ الاحتلال في إيطاليا: المبنى الذي احتلّه الطلاب هو مشرحة بلدية ميلانو القديمة، وهو ملك للبلدية ومخصّص لجامعة ميلانو لتحويله إلى مركز تعليمي. و«الاحتلال» (occupazione) في السياق الإيطالي لا يعني استيلاءً مسلّحاً، بل شكلاً معروفاً من الاحتجاج والحياة الاجتماعية: يحتل الطلاب مدارسهم أو مباني فارغة أياماً للاعتراض، ويعقدون فيها اجتماعات ونقاشات. أما «المراكز الاجتماعية المحتلّة» (centri sociali occupati) فهي مبانٍ مهجورة يحتلّها شباب وناشطون من اليسار الراديكالي ويديرونها ذاتياً منذ عقود، وتُقام فيها حفلات ونشاطات ثقافية وسياسية ومبادرات تضامن، وأشهرها في ميلانو «ليونكافالو».








